1

المطالب مشروعة، ولكن…

المطالب مشروعة، ولكن…

A- A+
  • المطالب مشروعة، ولكن…

    جميل جدا أن نعيش لنرى شبابا يعشق الوطن، ويفكر في مستقبل يليق به وبأجيال تنتظر استدامة في الرؤى والتغيير، وجميل أن تتحطم صور نمطت حول اهتمامات شباب قيل عنه حبيس شاشات الهواتف ومواقع التواصل في رداءة اختيارات مصبها تفاهة وابتذال.
    والأجمل أن نلتحم جميعا حول حق الجميع في حرية التعبير وإبداء الآراء، والأروع أن يكون الموضوع مطالب مشروعة بتجويد التعليم وضمان الحق في الصحة، ومحاربة الفساد وربط المسؤولية بالمحاسبة.
    ولا يجوز لعاقل ومهما علا حسه الوطني في ضمان السلم واستتباب الأمن، أن يحرم على من يرى ضرورة في التغيير، التعبير عن رأيه ومناقشة السياسات العمومية، بل إن الوطنية تقتضي الإسهام والمشاركة في بناء وتقويم كل الاستراتيجيات الرامية لتحقيق التنمية الشاملة، بخطى تضمن تحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية وتوازي المسارات نحو أهداف تعود على الجميع ودون إقصاء بالنفع والرفاه.
    لكن،
    هل تحقيق المطالب يقتضي بالضرورة تخريب المشاريع القائمة؟
    وهل اختيار وقت الاحتجاج قبيل تنظيم محفل رياضي إقليمي، جاء عارضا وعرضيا دون توجيهات أجنبية؟
    وهل النظر من زاوية إصلاح قطاع الخدمات، يقتضي التضحية بالقطاع الاستثماري؟
    وهل قطع الطريق السيار، دليل على احتجاجات سلمية؟
    وهل قمع الآراء في مواقع التواصل الاجتماعي، يختلف في شيء عن قمعها في الشوارع وساحات الاحتجاج؟
    هل سياسة معنا او ضدنا، تخدم مطالبنا وتوحد آراءنا، أم هي انعكاس لصور قمع مبطنة باسم حرية لا تقبل النقاش؟
    قبل سنة أو أكثر، خرج أساتذة التعليم في احتجاج وكان لوقعه على التعليم أسوأ المشاهد وأبشعها بعد أن تجاوز الإضراب الشهور الثلاث، وبقي أبناء الشعب بلا دراسة وبلا حق في التعليم، لكن المشهد كان مميتا للأمل في التغيير بعد أن أغلقت النوافذ والأبواب وقيل عن الموضوع احتجاج فئوي لا يعني إلا من رفض مقترحات الوزير المعني بالقطاع… وفي وقتها وبتزامن قريب، خرج الممرضون والممرضات في احتجاج مفعم بمطالب مشروعة غايتها تمكين من حقوق تسهم في بناء البشر كما قيل ويقال، إذ لا يستقيم بناء المشفى والأطقم البشرية في خصاص أو في اضطهاد.
    كان الموضوع في كلا الاضرابين تعليم وصحة… لم نعرب عن سخطنا إلا ببعض الآراء المتناثرة هنا أو هناك، ولم نكن للموضوع مقدرين للآثار ولا لما تكبده المرتفقون من أضرار…
    الموضوع الآن، يسائل السياق، وما الجديد الذي جد حتى نختار وقت ارتقاب تنظيم محفل رياضي دولي، لم يكن موضوعه التقدم بملف ترشيح، حتى يصح الرفض بالقول أن البناء يقتضي التوجه صوب البشر قبل الحجر، لم يكن الموضوع استفتاء رأي حول قبول أو رفض للتنظيم، لأنه متأخر في الزمن بعد أن صفق الجميع بترحيب للفكرة ومبناها.
    اليوم، سؤال يطرح وبالإلحاح لابد وأن يشرح بشد الشين، ما فائدة هدم المشاريع الاستثمارية لخدمة المشاريع الاجتماعية،ط؟ وهل يستقيم هدر ما بني ويبنى كي يصح مسار المطالبة بالحق في التعليم والصحة، او المطالبة بالمحاسبة، وكلها حقوق دستورية لا يقبل من أي من كان رفض طرحها او المطالبة بها؟
    لكن ما يدعو للاستغراب حضورا وللتعجب مقاما، هو كيف نحكم الآن وليس قبل الآن، بكون تنظيم المونديال او كأس الأمم الأفريقية، هو مضيعة للوقت والمال، ولماذا هذا الزمن بالذات وما هو السياق الذي يعلن لهذا الجدل احتواء؟
    المشاريع التي تهافتت عليها دول غيرنا، وضفرنا بالفوز بتنظيمها لم تكن حديثة السياق، وليس في أمرها جديد يذكر، إلا أننا اقتربنا من دجنبر الذي ينتظره أعداء وحدتنا الترابية، ليقولوا ما يرضيهم ولا يرضينا، وكأننا نسهم من حيث لا ندرك في إطعام أفواههم بشماتة تطفئ الحقد الذي يزداد كلما تقدمنا خطوة نحو إنجاح الحدث وما يليه… وقد يصح قول المتسائل عما يليه؟
    تنظيم المحافل الرياضية بالنسبة لدولة سياحية هو مدخل مهم للتعريف بمعالمنا وثقافتنا وما تزخر به طبيعتنا لجلب السياح والعملة الصعبة، وتنظيم هذه المحافل فرصة لتوفير مناصب عمل مهمة في قطاعات عامة وخاصة سواء تلك التي تنتمي لقطاع الدعاية والإعلان أو التي تمتهن الأشغال العمومية وكذا قطاع التغذية والمشروبات وقطاع الملابس الرياضية، وقطاع الإعلام ومكاتب الصرف والخدمات المالية، وقطاع العقارات والترفيه والفنادق المختلفة، وقطاع التكنولوجيا، وشركات تنظيم الملتقيات الرياضية … وحين تتوفر فرص الاستثمار للمقاولات يزداد دخلها ويزداد إسهامها في ميزانية الدولة عن طريق الضرائب.
    ولا مجال أفيد من الآن، في بسط مخاوف المحاباة والمحسوبية في توزيع الأدوار والمهام، أو المس بشفافية الصفقات العمومية التي قد تكون سببا في هدم الأهداف المتوخاة من كل المشاريع الاستثمارية أكانت في الرياضة، في الطاقة، في الصناعة، في العقار، في السلع أو في الخدمات…
    هي مخاوف مشروعة، وتقتضي مطالب مفروضة في ضبط الآليات القانونية وبسط الرقابة القبلية وفتح باب المحاسبة الجدية، لا هدم المشروع أو المشاريع التنموية تحت قبعة الخوف من انحراف سلوك المسؤول أو إعطاء المثل بمن خسئت سياستهم في جلب المنافع والمداخيل عبر تجارب قد لا تكون بالضرورة نموذجا لنا أو لغيرنا.
    وحين تتضح الرؤى، وندرك يقينا أن لا رفاه اجتماعي ولا تطور حضاري قد يستقيم يوما ونحن نحصر أنفسنا في سياسة إنفاق على خدمات اجتماعية لابد منها ولا محيد عن المطالبة بها، لكن دون إقصاء لمداخيل تمويلها وإنعاشها بما يليق بنا وبالقادم من أبنائنا، جيل بعد جيل يحملون هما يزداد ثقلا بما تعرفه البيئة من سوء في الاستغلال وتدمير فاق ثقب الأوزون بندرة ماء مهددة للأمن الغذائي وثلوت يعبث بالأمن الصحي ومخاطر مهلكة للأمن البشري.
    كل هذا ولنتذكر أننا قد نخرج للاحتجاج بحسن النوايا، لكن هناك من يؤثر في حماسنا بسوء لا تحمد عواقبه.
    فلتكن مطالبنا مشروعة، لكن بوسائل وآليات مشروعة أيضا.

  • المصدر: شوف تي في
    تعليقات الزوّار (0)

    *

    التالي
    شرطة مراكش…توقيف شخص متورط في السياقة بطريقة استعراضية بالشارع العام