بوح الأحد: الخطاب الإستثنائي للعرش، محمد السادس نجم المغرب الصاعد الوضاء..
بوح الأحد: الخطاب الإستثنائي للعرش، محمد السادس نجم المغرب الصاعد الوضاء، تجديد الولاء و تجديد الثقة في أدرع المؤسسات السيادية، مآتم الطوابرية التي لن تنتهي و أشياء أخرى…
أبو وائل الريفي
شكل عيد العرش هذه السنة مناسبة أكدت عمق الروابط المتبادلة بين الشعب والملك، ولحظة إحباط لكل من أراد استغلال المناسبة للتشويش على احتفالات المغاربة لأنه لم يجد ل”تنوعيره” منفذا بسبب متانة العلاقة بين الملك وشعبه ويقظة حماة البلاد وخبرتهم في إبطال مفعول هذه الأجندات.
خلال يومين فقط كانت الأجندة الملكية مليئة بالأنشطة المتنوعة، بدءا من استقبال والي بنك المغرب الذي رفع إلى جلالته التقرير السنوي حول الوضعية الاقتصادية والنقدية والمالية برسم سنة 2024، ثم خطاب العرش الذي تستحق مضامينه دراسة متعمقة لأنه كان لحظة استعراض وتقييم واستشراف لوضع المغرب، ثم الاستقبال الملكي لعدد من الشخصيات، ثم ترؤس جلالته -بصفته القائد الأعلى ورئيس أركان الحرب العامة للقوات المسلحة الملكية- حفل مراسم أداء القسم من طرف الضباط المتخرجين من مختلف المدارس والمعاهد العسكرية وشبه العسكرية وكذا ضباط الصف الذين تمت ترقيتهم إلى رتبة ضابط، وانتهاء بأهم ذكرى وهي حفل الولاء الذي كانت كل فقراته مليئة بالرسائل التي تؤكد تلاحم مؤسسات المغرب ووفائهم للتقاليد الراسخة للمملكة الشريفة، وترسخ المكانة والقيمة التي يحظى بها حماة البلاد لدى جلالة الملك، وقد كان مشهد الملك وهو فوق سيارته وعن يساره مستشاره فؤاد عالي الهمة ووزير الداخلية لفتيت وعبد اللطيف حموشي مدير المديرية العامة للأمن الوطني ومديرية مراقبة التراب الوطني والجنرال محمد حرمو قائد الدرك الملكي جد معبر لما لهذا الحضور والمكانة من دلالة ولما يبعثه من رسائل للكل. إنه مشهد يعبر عن الثقة الدائمة والتامة لجلالة الملك في من يتعرضون لحملات ممنهجة من طرف “مسخرين” وتقريبهم من جلالته في هذه المناسبة رسالة للجميع.
لا شك أن كثيرين ممن ألفوا الانتعاش في الشائعات وترويج صراعات القصر وحرب الأجنحة والمربعات والمكعبات أصابهم ذلك المشهد بالخرس، والمؤكد أنهم لن يتوقفوا عن “التنوعير” لأنه لم يعد لديهم ما يروجون به لبضاعتهم البائرة سوى اجترار وإعادة تدوير الشائعات المستهلكة.
قلنا في أكثر من بوح بأن هذه المؤسسات تنتمي لآليات السيادة التي يشرف الملك مباشرة على انتقاء قادتها ووضع استراتيجية عملها ومتابعة عملها وتقييم أدائها، وأن المسؤولين بها يخضعون لمعايير صارمة بسبب صرامة الملك وعدم تسامحه في كل ما يهم أمن المغاربة واستقرار المغرب، وبسبب شعورهم بثقل المسؤولية وخطورة المجال الذي يشتغلون فيه.
تلقى المغاربة هذه الدينامية باستبشار لأنهم اطمأنوا على صحة جلالة الملك الذي بدا في صحة وحيوية أكدت لهم أنه يتعافى جيدا من وعكته الصحية التي كانت موضوع بلاغ رسمي في حينه. تأكد المغاربة أن المصدر المؤتمن الوحيد على الأخبار حول صحة الملك هو بلاغات القصر الملكي الذي اعتبر مبكرا أن الخبر بشأنها حق للمغاربة وأنهم أول من يجب أن يعرف أحوال الملك. تأكد المغاربة بالمقابل أن كل الإشاعات التي تروج بشكل ممنهج ومتعمد بعيدة عن الحقيقة لأن مروجيها أبعد من الاطلاع على معلومات بشأن الملك وتحركهم دوافع حقد للنيل من المغرب الذي يزعجهم باستقراره ومتانة الروابط التي تجمع بين الملك وشعبه وينخرطون في أجندات معادية للمغرب تجعلهم رهائن للجهات التي لا مصلحة لها في نجاح المغرب وتريد التشويش عليه وإشغاله بها.
كانت هذه أهم رسالة وأقواها. تأكد للمغاربة أن أجندة الملك الممتلئة بالأنشطة سلوك يومي وما اختلف خلال هذه الذكرى هو طبيعة الأنشطة والمناسبة التي تتطلب نشرها للعموم، وإلا فإن امتلاء جدول عمل الملك هو القاعدة اليومية ويتغلب جلالته على كثرة الأعباء بمنهجية تتلاءم مع طبيعته ووفق أسلوب يستفيد من التطور الحاصل عالميا في مجال التدبير.
لقد تأكدت هذه الخلاصة كذلك من خلال محتوى الخطاب الملكي الذي تضمن عبارات وأفكارا وتشخيصا ومشاريع واستراتيجيات توضح أن الملك على دراية بكل ما يحدث في البلاد ويتابع كل المشاريع ويقيمها في الحين ويخلص لما ينبغي فعله.
ما يطمئن المغاربة أكثر هو نبرة الثقة والتفاؤل التي بدت واضحة على الملك لأنه هو الأكثر اطلاعا على أوضاع البلاد وأكثر المغاربة امتلاكا لمعلومات تفصيلية حول سير كل الأوراش بإيجابياتها وسلبياتها.
ستبقى عبارة المغرب الصاعد الكلمة المفتاح لهذا الخطاب لأنها اختزلت حصيلة 26 سنة من حكم محمد السادس كان الهدف الحاضر فيها دوما هو “بناء مغرب متقدم موحد ومتضامن، من خلال النهوض بالتنمية الاقتصادية والبشرية الشاملة، مع الحرص على تعزيز مكانته ضمن نادي الدول الصاعدة”. لقد زاد الخطاب الملكي هذه العبارة توضيحا وهو يذكر بنقاط قوة المملكة الشريفة الأربعة، والتي تمثلت في امتلاكه لرؤية بعيدة المدى، وصواب اختياراته التنموية الكبرى، والأمن والاستقرار السياسي والمؤسسي الذي تنعم به، وتعدد وتنوع شركائها، وقد خولته هذه المرتكزات التغلب على إكراهات سنوات الجفاف وتفاقم الأزمات الدولية التي لم تصمد أمامها دول كبيرة بينما تجاوزها المغرب بنجاح، وحافظ خلالها الاقتصاد الوطني على نسبة نمو مهمة ومنتظمة خلال السنوات الأخيرة.
لم تكن هذه الخلاصات كلاما مرسلا ولكن تعززه شهادات الداخل والخارج التي تؤكد أن المغرب يتوفر اليوم “على بنيات تحتية حديثة ومتينة وبمواصفات عالمية”، وبأن المملكة في دينامية دائمة وعلى الطريق الصحيح، وهذه الشهادات من دول ومنظمات وشخصيات لا تجامل لأنها تعي بأن الشهادة مسؤولية.
تأكد للمغاربة أن عيد العرش مناسبة ذات هدف مزدوج جلاه بوضوح الخطاب الملكي. هو من جهة “مناسبة سنوية لتجديد روابط البيعة المتبادلة، ومشاعر المحبة والوفاء التي تجمعنا على الدوام، والتي لا تزيدها الأيام إلا قوة ورسوخا”، ومن الجهة الأخرى بيّن الملك أنه “مناسبة أيضا للوقوف على أحوال الأمة: ما حققناه من مكاسب، وما ينتظرنا من مشاريع وتحديات، والتوجه نحو المستقبل بكل ثقة وتفاؤل”. ولذلك استأثر هذا الهدف بحيز كبير من الخطاب جرد خلاله الملك نجاحات وإنجازات المغرب التي تحققت بفضل مجهود جميع مكوناته في مجالات متعددة خص منها الخطاب قطاعات السيارات والطيران والطاقات المتجددة، والصناعات الغذائية والسياحة، وهي القطاعات التي صارت “رافعة أساسية لاقتصادنا الصاعد، سواء من حيث الاستثمارات أو خلق فرص الشغل”.
النجاحات الأهم التي مثلت نقطة قوة وجذب للمملكة هي نعمتا الاستقرار والأمن التي تعم ترابه وتجعله واحة في منطقة مضطربة، ولذلك لم يكن مصادفة ختم الخطاب بآيتين من سورة قريش “فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف”.
لم يفت جلالة الملك أن يذكر بالانتصارات في ملف الوحدة الترابية بحصد اعتراف دول عدة ذات وزن عالمي، وقد دأب خطاب العرش على التذكير بها كل سنة، وهذه السنة كان لاعتراف المملكة المتحدة والبرتغال وقع كبير على القضية.
ما يميز جلالة الملك وشخصيته دائما هو حسه الاجتماعي وشعوره العميق بمغاربة البوادي والمداشر البعيدين عن المركز، ولذلك ما فتئ يذكر بحقهم في الاستفادة من عائدات هذه التنمية لأنهم من صناعها الأساسيين، وما فتئ جلالته ينادي بجعلهم في أولويات السياسات العمومية، بل إنه أحدث أوراشا من أجلهم كما هو الحال مع المبادرة الوطنية للتنمية البشرية والجهوية المتقدمة والحماية الاجتماعية والدعم المباشر. وستبقى تلك الفقرة موشومة في ذاكرة كل المغاربة حين عبر الملك أنه رغم كل النجاحات والتقدم لن يرضى حتى يستفيد من عائدات التنمية كل المغاربة “لن أكون راضيا مهما بلغ مستوى التنمية الاقتصادية والبنيات التحتية، إذا لم تساهم بشكل ملموس في تحسين ظروف عيش المواطنين من كل الفئات الاجتماعية”، بل إن جلالته حدد المعني بهذا الكلام “مع الأسف ما تزال هناك بعض المناطق، لاسيما بالعالم القروي، تعاني من مظاهر الفقر والهشاشة بسبب النقص في البنيات التحتية والمرافق الأساسية”.
لا يستغرب المغاربة هذا الخطاب لأنهم خبروا طبيعة شخصية الملك منذ توليه العرش، ولكنهم مطمئنون أن الملك نصيرهم ومنحاز لهم ويضع قضاياهم في أول اهتماماته، وأحسوا بأن هذا الخطاب كان بمثابة نقطة نظام للحكومة وغيرها من المؤسسات المعنية بإعداد وتنفيذ السياسات العمومية والترابية. وكم كان وقع عبارة “فلا مكان اليوم ولا غدا لمغرب يسير بسرعتين” دالا لكل المغاربة لأن جلالته وضع الأصبع على أولوية الأولويات. ليس مستغربا إذن أن يستشعر المغاربة بأن الخطاب قال كل ما يفكرون فيه وتحدث بما يجول في خواطرهم وطرح نفس السؤال الذي يعكس نوعا من المفارقة ولكن بمقاربة بنائية وليست عدمية.
احترام الملك للدستور ولصلاحيات كل سلطة واختصاصات كل مؤسسة يجعل دوره هو التنبيه ودق الناقوس حتى تتولى كل مؤسسة اختصاصاتها التي خولها لها الدستور. وتجدر الإشارة أن هذه ليست هي المرة الأولى التي نبه فيها الملك إلى تباين السرعات ووجوب الاهتمام بالعالم القروي وبالمناطق التي لم تنل حظها من عائدات التنمية وبمواطني تلك المناطق، فقد سبق التنبيه إلى ذلك في خطاب 9 مارس 2011 “لا نريد جهوية بسرعتين: جهات محظوظة، تتوفر على الموارد الكافية لتقدمها، وجهات محتاجة، تفتقر لشروط التنمية”، وفي خطاب ذكرى ثورة الملك والشعب لسنة 2014 “ذلك أننا لا نريد مغربا بسرعتين: أغنياء يستفيدون من ثمار النمو، ويزدادون غنى، وفقراء خارج مسار التنمية، ويزدادون فقرا وحرمانا”، وقد تم هذا التنبيه بعد أن كان جلالته يتحدث عن بعض المظاهر السلبية التي تلازم المسار التنموي لبعض الدول الصاعدة “يتميز المسار التنموي لعدد من الدول الصاعدة بظهور أعراض سلبية، تتمثل في توسيع الفوارق بين الطبقات الاجتماعية. لذا، فإننا حريصون على تلازم التنمية الاقتصادية، مع النهوض بأوضاع المواطن المغربي”. ولهذا ذكر خطاب العرش بأن “هدفنا أن تشمل ثمار التقدم والتنمية كل المواطنين في جميع المناطق والجهات دون تمييز أو إقصاء”، ولا سبيل إلى ذلك إلا ب”اعتماد جيل جديد من برامج التنمية الترابية يرتكز على تثمين الخصوصيات المحلية، وتكريس الجهوية المتقدمة، ومبدأ التكامل والتضامن بين المجالات الترابية”، و”الانتقال من المقاربات التقليدية للتنمية الاجتماعية إلى مقاربة للتنمية المجالية المندمجة”، و”إحداث نقلة حقيقية في التأهيل الشامل للمجالات الترابية، وتدارك الفوارق الاجتماعية والمجالية”، وهو ما يطرح أكثر من سؤال حول تنزيل مقتضيات الجهوية المتقدمة.
لا بد من التذكير بالتشخيص الدقيق الذي كان موضوع الرسالة الملكية للمشاركين في المنـاظرة الوطنية الثانية للجهوية المتقدمة بمدينة طنجة. حينها وضع جلالة الملك الأصبع على مكامن النقص في تنزيل الجهوية المتقدمة، وهي مادة تشخيصية واقتراحية غنية.
لم يكن من باب المصادفة أن يدعو الملك إلى اعتبار نتائج الإحصاء العام للسكان لسنة 2024 منطلقات ينبغي أخذها بعين الاعتبار في إعداد وتنفيذ السياسات العمومية لأنها أبانت عن مجموعة من التحولات الديمغرافية والاجتماعية والمجالية التي عرفها المغرب.
لم يغيب الملك في خطاب جرد الحصيلة الخيار الديمقراطي وترسيخه، فقد أكد انتظام موعد الانتخابات باعتبار ذلك مقتضى دستوريا، وأعطى تعليماته ب”ضرورة توفير المنظومة العامة المؤطرة لانتخابات مجلس النواب، وأن تكون معتمدة ومعروفة قبل نهاية السنة الحالية”، مع وجوب الإعداد الجيد وفتح باب المشاورات السياسية مع مختلف الفاعلين، والهدف من ذلك هو جعلها انتخابات تشاركية وتنافسية تتساوى فيها فرص كل المشاركين فيها.
هذه الدعوة والالتزام والتعهد تأكيد على أن قطار الديمقراطية وضع منذ زمن على سكته الصحيحة، وأن المغرب يبني انتقاله بسلاسة وتشاركية واستحضار لكل الأبعاد التي تمزج بين التنمية الاقتصادية والعدالة المجالية والتنافسية والتعددية السياسية.
ومما أكد للمغاربة صواب الرؤية المستقبلية للمغرب استحضار خطاب العرش للعوامل المحيطة بالمغرب، وبدرجة قصوى جواره المغاربي. لا شك أن طريقة مخاطبة جلالة الملك للشعب الجزائري تؤكد أنه ملك يتصرف وفق ما ينبغي على رئيس دولة عريقة تجاه جاره دون الوقوع في فخ ردود الأفعال المتشنجة رغم إساءات نظامها للمغرب ولشخصه في أكثر من مرة وبشكل ممنهج.
أكد الملك بأن ترسيخ مكانة المغرب كبلد صاعد تتطلب التزاما ب”بالانفتاح على محيطنا الجهوي وخاصة جوارنا المباشر في علاقتنا بالشعب الجزائري الشقيق”، وذكر بطبيعة الروابط التي تجمع الشعبين “الشعب الجزائري شعب شقيق، تجمعه بالشعب المغربي علاقات إنسانية وتاريخية عريقة، وتربطهما أواصر اللغة والدين والجغرافيا والمصير المشترك”. ولننتبه إلى عبارات: الشقيق والمصير المشترك والتوجه بالخطاب إلى الشعب.
من هذا المنطلق، لم يستغرب المغاربة استمرار سياسة اليد الممدودة من أجل “حوار صريح ومسؤول؛ حوار أخوي وصادق حول مختلف القضايا العالقة بين البلدين” لأن هذا التمسك “نابع من إيماننا بوحدة شعوبنا، وقدرتنا سويا على تجاوز هذا الوضع المؤسف”، بل إن الملك كان أحرص على حفظ ماء وجه الجيران رغم الانتصارات التي توضح أن مصير ملف الصحراء المغربية اقترب من محطة النهاية حين أشار إلى “وبقدر اعتزازنا بهذه المواقف التي تناصر الحق والشرعية، بقدر ما نؤكد حرصنا على إيجاد حل توافقي لا غالب فيه ولا مغلوب يحفظ ماء وجه جميع الأطراف”. هي رسالة واضحة للمنتظم الدولي أن المغرب اختار خيار السلام وحسن الجوار.
يمكن القول بأن خطاب العرش لهذه السنة إعلان لولوج المغرب مرحلة جديدة بسرعة مختلفة وبسياسات عمومية أكثر اندماجا في مجالاتها والمعنيين بها والقائمين عليها إعدادا وتنفيذا ورقابة، ولحظة مكاشفة ذاتية صريحة تأخذ مصداقيتها وقيمتها من أنها صادرة عن الملك باعتباره الممثل الأسمى للأمة والمؤتمن على ضمان وحدة الدولة واستمراريتها. ولذلك فهو يقوم دائما بمهمة المتابع والمراقب والمبادر وفق ما تحتاجه البلاد حتى تربح رهاناتها التنموية.
لم يترك جلالة الملك الفرصة للطوابرية والمشوشين للمشاغبة على اللحظة والذكرى، فقد بيّن محتوى وفقرات الخطاب أنه على وعي بكل النقائص وذكرها ووضعها في سياقها وحجمها دون تهوين أو تهويل وبنفس تفاؤلي ومقاربة إيجابية، وهذه من أهم فوائد الملكية في المغرب لأن موقعها في الهندسة الدستورية ومكانتها عند المغاربة ومكانها كحكم بين المؤسسات يضعها في موقع يمكنها من لعب دور التقييم الموضوعي والتشخيص الدقيق والاستشراف المبني على واقع.
لقد لاحظنا قبل الخطاب وبعده ما يشبه حالة صرع عند الطوابرية وتوجس من الإطلالة البهية لجلالة الملك على المغاربة لأنهم يعلمون أنه خطاب يأخذ قيمته من هذه المناسبة.
براح عدلاوة أصابه الارتباك لأن الخطاب الملكي سد عليه كل منافذ التبخيس التي احترفها، فلم يتبق له إلا التطاول على الملك قبل أن يعمد إلى حذف ما اقترفته يده شعورا منه بأنه يضع نفسه في مواجهة مفتوحة مع المغاربة يعرف أنه سيخسرها، أو ربما أتاه التقريع من سدنة المعبد الذين يعرفون أنها مواجهة خاسرة، ثم ما لبث أن تحول إلى الاتجار كعادته بمأساة الغزاويين بترويج الأباطيل.
المقيم في سويسرا اختار من جهته إسهال التدوين الانتقائي من زاوية الحقد والانتقام. المغرب يصنعه دوما المغاربة من داخل المغرب وليس من اختار طوعا الخارج مكانا للإقامة ومصدرا لتلقي التعليمات.
“الحاصل” في تونس صار مفهوما لدى الجميع أن تدويناته ليست إلا تحصيل حاصل لمعاناته وأسرته التي شردها بحثا عن الإلدورادو الذي لم يظهر منه إلا السراب ولم يوف له من وعدوه بوعودهم. “الحاصل” يصرف أحقاده ممن أخطأ في تقدير طباعهم فتورط وورط عائلته بسببهم، وطبعا لا يملك الشجاعة لقول ذلك ولن يجد غير “المخزن” ليصب عليه حقده وينسب إليه فشله. وليتأكد أن قشابة المخزن واسعة وتستوعب “شغبه” وسوء أدبه لأن كل إناء بما فيه ينضح. لقد كان الأولى أن يخصص بعضا من تدوينته “الباسلة” لمن يستمتع بعطلته وتركه في الفاقة يتسول هو وعائلته ما يسد به الرمق ويأويه من التشرد.
هو سؤال فقط، هل يملك “الحاصل” شجاعة الإفصاح عن رأي علني تجاه تنكر “صديقه اللدود” للخدمات التي أسداها إليه؟ لماذا يحجم عن الإفصاح عما يسر به أو يعلنه للبعض فقط؟ أليس من حق الرأي العام الاطلاع على ذلك؟
هي مناسبة كذلك لتذكير البعض ممن رأى في مناسبة عيد العرش فرصة للمزايدة لدرجة أنه سمح لنفسه ليملي على الملك قائمة أسماء من يجب أن ينالوا العفو، ومواصفات من يحق لهم الاستفادة من العفو متجاهلا عن عمد أن هذا اختصاص ملكي ويخضع المستفيدون منه لمواصفات تختلف من مناسبة إلى أخرى، وتقدير ذلك يرجع لجلالة الملك وحده. ما ميز لائحة المعفي عليهم في هذه المناسبة هو العدد المرتفع ولا شك أن صور وفيديوهات العائلات التي تناقلتها وسائل الإعلام تبين أن هناك فئات أخرى لها حق الاستفادة من الالتفاتة الملكية، وهي فئة يريد الطوابرية استثناءها دائما لأنهم ينظرون إليهم كمواطنين من درجة دنيا.
لقد كان لافتا للانتباه أن يستغل أحد المتورطين في تهم تشيب من ذكرها الولدان ويستحيي من الحديث حولها كل إنسان سوي منصة شخصية في هذه المناسبة الكبيرة ليصنع من فترة سجنه أسطورة وبطولة وهمية بانتقائية بئيسة وتوجيه مفضوح وقفز عن عرض طبيعة جرائمه وسبب دخوله السجن للرأي العام بما في ذلك استعراض أدلة براءته للمغاربة طالما لم يقتنع بالحكم القضائي الحائز لقوة الشيء المقضي به ضده. استغلال مناسبة عيد العرش والركوب عليها تشويش متعمد لا يمكن إلا أن يندرج في خانة الحملات المخدومة ب”عناية” للتشويش، ويزداد الأمر حين يريد صاحبه العودة لأسلوبه القديم “دس السم في العسل” بكلام يقطر سما في حق الملك والملكية. هي مقابلة بإساءة وقلة أدب لإحسان وعطف مولوي. وفي النهاية يغلب الطبع التطبع وتظهر معادن كل واحد، وهي رسالة لمن لا يزال يرى في أمثال هؤلاء شعاع أمل أن ينصلح حالهم لأن العطار لن يصلح ما أفسده الدهر.
أوراق الطوابرية تتساقط بسرعة أكثر مما يمكن توقعه بناء على حسابات موضوعية. أحد المبتزين في الخارج سيحطم الرقم القياسي في عدد الأحكام ومبالغ الغرامات والتعويضات، وتنتظره أيام عجاف ولن تغني عنه فئته التي اتكأ عليها شيئا.
ما يثير الاستغراب حقا أن معيار تطبيق القانون ومصداقية المؤسسات واستقلال القضاء عند الطوابرية -وفي مقدمتهم أمثال هؤلاء المبتزين- هو مدى تحقيقه لمصالحهم وحمايته لخروقاتهم وإلا فإن القضاء تابع والمؤسسات مرتشية والقانون فاسد. قلتها في أكثر من بوح سابق أن الطوابرية لا يرضون بغير مواطنة من درجة امتيازية VIP يستفيدون فيها من الريع ولا يطبق عليهم فيها القانون مثل غيرهم ويسمح لهم فيها بالتشهير بمن يخالفهم وكيل التهم له بالباطل دون أن يملك حق الدفاع عن نفسه باللجوء للقضاء.
ما يعيشه الطوابرية هو حالة احتضار ستفضي إلى نهايتهم بهدوء غير مأسوف عليهم. وكم سيكون هذا المبتز حالة للدراسة إن وفى بتعهده وأضرب عن الطعام وحينها سنرى مثالا حيا بكيفية تفاعل الدولة ومؤسساتها والإعلام والمنظمات الحقوقية مع قضيته. والأيام بيننا، ولهم عبرة في من سبقهم الذين لم يعد يسمع لهم ركز ولا ذكر سوى مثالبهم. هذا المغرب محفوظ بحفظ الله له من كل سوء، وعاقبة من يسيء إليه لا تمر بدون ثمن وحساب.
من التشويش المفضوح والذي لا ينطلي على أي معاين للواقع، ما سربته جهات خارجية معروفة عن تقلص أعداد مغاربة العالم الذين زاروا المغرب خلال هذا الصيف. لا تخفى أسباب هذه الإشاعة، ولا يسع الإنسان إلا الأسف على من تلقفها وروج لها دون تمحيص أو تأكد لأن خلفية مطلقها ومروجيها هي ضرب جاذبية المغرب السياحية وقد نبهت في أكثر من بوح سابق إلى أن ضرب السياحة المغربية أصبحت هدفا مباشرا لأعداء المغرب، ونتذكر جميعا المخططات الإرهابية التي تم تفكيكها مؤخرا والمدن التي كانت تريد استهدافها.
الحقيقة أن عدد مغاربة العالم الذين دخلوا المغرب منذ انطلاق عملية مرحبا 2025 إلى حدود 27 يوليوز بلغ 2273946 مقابل 1860904 السنة الفارطة، أي أن العدد عرف زيادة بما قدره 18%. هذه هي الحقيقة بالأرقام بعيدا عن الإشاعات والأباطيل.
هي أرقام لا تعكس فقط جاذبية المغرب كوجهة سياحية فهذه حقيقة لا يماري فيها إلا عدو أو حاقد، ولكن قيمتها الحقيقية تكمن في الرابطة التي تتعزز بين المغرب وبين أجيال مغاربة العالم التي تتجلى في “تمغربيت” التي تتوارثها الأجيال ولا تمحوها جنسياتهم أو البيئة التي يعيشون فيها لأن تمغربيت تقوم على التعايش والتسامح والاندماج والتساكن وليست من الهويات المنغلقة والصدامية والحدية.
لم يجد الطوابرية في خطاب العرش ما يقتاتون منه لإنعاش بضاعة التشهير بالمغرب فلجأوا إلى المزايدة بغزة متناسين أن خطاب العرش خطاب محددة دائما مجالاته ومواضيعه وقضاياه ولا يمكن أن يقال فيه كل شيء عن كل القضايا التي لها أماكنها ومناسباتها. ومع ذلك لم يمض يوم حتى كانت المبادرة الملكية فعلا يتجاوز مجرد القول أو الأماني.
على وجه الاستعجال، أمر الملك رئيس لجنة القدس بإرسال مساعدة إنسانية وطبية عاجلة لفائدة الشعب الفلسطيني الشقيق، وخاصة ساكنة قطاع غزة.
قيمة هذه المساعدة تكمن في مقدارها وهو 180 طنا، وفي موادها التي تتكون من مواد غذائية أساسية، ومن الحليب ومواد موجهة بالخصوص للأطفال، وكذا أدوية ومعدات جراحية لفائدة السكان الأكثر هشاشة. كما تضم أغطية وخيما مهيأة وتجهيزات أخرى، وفي استعجاليتها لأنها مهيأة سلفا، وفي توفر ضمانة وصولها للمستفيدين منها بسبب إرسالها عبر مسار خاص سيمكن من إيصالها بشكل سريع ومباشر للمستفيدين الفلسطينيين.
لم يكن مستغربا أن تصيب هذه المبادرة تجار مأساة الغزاويين بالسعار لأنها فضحتهم وسحبت البساط من تحتهم وكشفت بجلاء مواقف المغرب ومبادراته المتواصلة لوقف إطلاق النار وإنهاء الحرب على غزة والتخفيف من معاناة ساكنتها.
عيد العرش فعلا كان مناسبة لتمتين الروابط بين المغاربة والملك والملكية، والوقوف عند ما أحرزه المغرب من تقدم، وتحديد ما يلزم فعله واستدراكه، ولكنه كان فرصة كذلك لفضح أعداء المغرب والمشوشين على مسيرته، بل إنه عجل أكثر بسقوطهم لأن استهداف الملك والملكية عند المغاربة خط أحمر لأنه ضرب لركيزة خيمة المغرب وعمودها الفقري.
موعدنا بوح قادم.
