26 سنة من حكم محمد السادس: التحول البنيوي العميق لمغرب الألفية
26 سنة من حكم محمد السادس: التحول البنيوي العميق لمغرب الألفية
قبل ستة وعشرين عامًا، اعتلى جلالة الملك محمد السادس عرش المغرب، في لحظة فارقة اتسمت بانتظارات كبرى وإرث سياسي ثقيل. واليوم، ونحن نستعرض حصيلة هذه المسيرة الممتدة، تبدو المملكة وقد انتقلت من طور “الدولة الباحثة عن التوازن”، إلى “الدولة المنتجة لرهاناتها”، داخليًا وخارجيًا، في ظل مشروع ملكي هادئ لكنه عميق الجذور، يراهن على الاستقرار، الإصلاح والانفتاح المدروس.
من أبرز مظاهر هذا العهد هو إدماج الكرامة الاجتماعية كأحد مرتكزات العمل العمومي. فقد أطلق الملك سنة 2005 المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، في تحول نوعي نحو تنمية بشرية شاملة تركز على الإنسان لا فقط على البنية. كما رافق هذا التوجه إطلاق برامج لم تكن مطروحة من قبل، مثل برنامج “مدن بدون صفيح”، وتأهيل العالم القروي، وتوسيع شبكات الكهرباء والماء والتعليم في المناطق الهامشية، مما أدى إلى تقليص الفوارق المجالية بشكل غير مسبوق. والمشروع الثوري المرتبط بتعميم التغطية الصحية.
في بداية الألفية، أحدث الملك محمد السادس ثورة قانونية ومجتمعية عبر إطلاق مدونة الأسرة الجديدة (2004)، التي أرست مبادئ الإنصاف بين المرأة والرجل، وكرّست المقاربة الحقوقية داخل الأسرة المغربية. وبفضل هذا التحول، ارتفعت مشاركة النساء في الحياة السياسية، وتقلدن مناصب قيادية في القضاء والإدارة والدبلوماسية، في تكريس عملي لمفهوم التمكين الذي صار سياسة دولة لا شعار مرحلة.
كان تأسيس هيئة الإنصاف والمصالحة حدثًا مفصليًا في العالم العربي، إذ كان المغرب أول بلد في المنطقة يعترف بأخطاء الماضي، ويؤسس لمسار عدالة انتقالية سلمي وشجاع. وقد طُويت صفحة “سنوات الجمر والرصاص” بمقاربة إنسانية غير انتقامية، أعادت الثقة إلى شرائح مجتمعية واسعة، وأسست لعهد جديد من المصالحة الوطنية والسياسية صارت نموذجا دوليا متميزا في مجال العدالة الانتقالية.
اقتصاديًا، استطاع المغرب أن ينتقل من اقتصاد قائم على الفلاحة والقطاعات التقليدية، إلى اقتصاد متنوع يقوم على الصناعة، الطاقات المتجددة، والخدمات الحديثة. فقد تم إطلاق مشاريع كبرى غيّرت ملامح الخريطة الاقتصادية: منها على سبيل المثال لا الحصر: ميناء طنجة المتوسط أكبر ميناء في إفريقيا والبحر المتوسط من حيث القدرة اللوجستية، مشروع نور للطاقة الشمسية الذي يعتبر من أكبر مشاريع الطاقة المتجددة عالميًا، صناعة السيارات والطيران التي جعلت المغرب قبلة للاستثمارات الأجنبية.
وقد أضحت المملكة نموذجًا في إدارة الأزمات، كما في جائحة كوفيد-19، حيث أظهرت فعالية مؤسساتية وتدبيرًا استباقيًا نال إعجاب المنتظم الدولي.
خلال 26 سنة، أعاد المغرب رسم موقعه الجيوسياسي بذكاء ومرونة. فعلى المستوى الإفريقي، قاد الملك “دبلوماسية الجنوب”، عاد إلى الاتحاد الإفريقي من موقع القوة، ووقّع مئات الاتفاقيات الاقتصادية مع دول القارة، وعاد إلى الواجهة الأطلسية من خلال فتح نافذة المحيط على دول الساحل.
أما على الصعيد الدولي، فتمكن المغرب من الحصول على اعتراف أمريكي وإسباني وفرنسي بسيادته على الصحراء، وتأكيد بلدان وازنة في المنتظم الدولي على أن مقترح الحكم الذاتي المقترح من طرف المغرب هو الحل الواقعي والجاد للنزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، كما نسج علاقات شراكة استراتيجية مع أوروبا، الصين، روسيا، ودول الخليج… وفق مقاربة واقعية تحفظ مصالح المملكة وتفتح آفاقًا اقتصادية واعدة.
بذكاء استثنائي، أعاد الملك محمد السادس تأهيل الحقل الديني المغربي ضمن رؤية منفتحة وحديثة، ترتكز على إسلام الوسطيّة والانفتاح، وجعل من معهد محمد السادس لتكوين الأئمة مركز إشعاع عالمي في مواجهة الغلو والتطرف. كما استثمر في رمزية “أمير المؤمنين” كرابط ديني يوحّد المغاربة ويحصّنهم من النزعات الطائفية والمذهبية التي عصفت بدول كثيرة في الجوار.
طوال هذه السنوات، أعاد العهد الجديد بناء الدولة على أسس جديدة، فتم إحداث مؤسسات استراتيجية مثل: المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، المجلس الوطني لحقوق الإنسان، اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي الجديد، لجنة محاربة الرشوة، مؤسسة الوسيط، مجلس المنافسة… كلها مؤشرات على وعي الدولة العميق بضرورة التحديث المستمر، ومواكبة التحولات الاجتماعية العالمية.
بهذا يعتبر حكم محمد السادس عهدًا لإصلاح عميق، مركّب، وتدريجي، عهد صاغ تحولًا بنيويًا في رؤية الدولة لنفسها، وفي موقع المغرب من العالم. ولعل أهم ما ميّز هذه المرحلة هو حفاظ المغرب على الاستقرار في محيط ملتهب، مع الاستمرار في البناء المؤسساتي، والتدرج في التحديث، دون خسارة الجذور.
اليوم، وبعد 26 سنة من الحكم، يمكن القول إن المغرب قطع شوطًا تاريخيًا نحو التموقع كقوة صاعدة في محيطه، بفضل رؤية ملكية بعيدة المدى، تؤمن بأن التحولات الكبرى لا تأتي من القطيعة بل من الاستمرارية المتجددة.
