بوح الأحد: الملكية عمود خيمة المغرب تعصمه من التفكك و تزيده صلابة و مناعة
بوح الأحد: الملكية عمود خيمة المغرب تعصمه من التفكك و تزيده صلابة و مناعة في وجه كل التحديات، أصوات الطوابرية المبحوحة تعيش صبيحتها الأخيرة قبل الخرس و تجار الزطلة في ضيافة الجارة و أشياء أخرى…
أبو وائل الريفي
نحن على أبواب عيد العرش، وهي مناسبة تجسد عمق الرابطة التي جمعت على مر التاريخ بين الملكية والشعب حتى جعلت من هذا النظام في الحكم جزءا أصيلا من النسيج المجتمعي للمغرب. هي ذكرى توضح كذلك تفرد الملكية في المغرب التي انحازت إلى صف الشعب وانتصرت للمجتمع ومقاومة الاستعمار دون إخضاع هذا الاختيار لحسابات ضيقة ودون استكثار أي تضحية على الشعب والبلاد.
ميزة النظام الملكي في المغرب هي أنه وليد بيئة مغربية، وترعرع ونما في ظلها حتى أنشأ نموذجا عريقا لا يمكن فصله عنها لأنه صار جزءا منها وهي صارت جزءا منه.
ميزة الملكية في المغرب هي طابعها المواطن الذي منحها مكانة خاصة وسط المغاربة، وأسبغ عليها خصائص لا تتوفر في غيرها من الملكيات، وجعلها محط إجماع بينهم، واقتناع بأنها النظام الأفضل الذي يتناسب مع احتياجات المغرب وطبيعة المغاربة، ولذلك فقد عمرت قرونا حتى صارت أعرق الأنظمة الملكية في العالم.
ميزة الملكية في المغرب هي مواكبتها للتطور الذي عرفه المغرب، وقدرتها على التجدد على ضوء التحولات التي يعرفها العالم، وإبداعها في المزج بين الحفاظ على الهوية المغربية الأصيلة دون الانغلاق والتقوقع والانكفاء والإعراض عما يعرفه العالم من تقدم.
لا تمثل مناسبة عيد العرش لحظة فقط شهدت انتقالا سلميا وسلسا للملك كان يستبعده البعض فلما رأوه رأي العين استكبروا عن الاعتراف بحالة الإجماع حول الملكية. هي مناسبة تعبر عن حالة إجماع مجتمعي طوعي حول نظام تكون لدى المغاربة عبر التاريخ وانطلاقا من خبرة ومعايشة لتطور المغرب وصراعه الطويل للحفاظ على استقراره واستقلاله ووحدته وتعدديته التي كانت الملكية أكبر ضمانة للحفاظ عليها بتوازن شديد وحكمة بالغة.
الملكية في المغرب لم تكن قط مجرد شكل لنظام حكم، بل مثلت مبعث حكمة وعامل توحيد وطليعة نضال وعنصر قوة ومصدر إلهام خلاق للمغرب. ومنصب الملك رمز دائما عند المغاربة لمعاني المبادرة والحكمة والنضج وخوض معارك الحفاظ على وحدة الأمة والدولة معا.
سنخلد هذه السنة الذكرى 26 لاعتلاء جلالة الملك العرش بعد فترة حكم الملك الراحل الحسن الثاني التي دامت ما يقارب أربعة عقود. للرقم في حد ذاته أكثر من دلالة. يتذكر من عاصر بدايات حكم محمد السادس ما واكبها من طرف أعداء المغرب حينها من إشاعات وتحليلات وأوهام وخرافات أثبت الزمن أنها كانت مجرد هرطقات.
حاول كثيرون الركوب على الإكراهات التي كان يعيشها المغرب حينها فأطلقوا العنان للتحليلات والاستنتاجات وأخرج بعضهم ما كان في دواخله من أحقاد وأمنيات وخرافات.
كانت الظرفية حينها صعبة. تركة حقوقية ثقيلة يلزم مقاربتها بمنهجية بنائية تحقق القطيعة في ظل الاستمرارية. تقاطب قيمي على أبواب انفجار قد يعصف بوحدة المغرب وتعدديته وتنوعه في ملف مدونة الأحوال الشخصية. عالم على أبواب ألفية ثالثة يتطلب الدخول إليها وربح رهاناتها فتح أوراش استراتيجية مهيكلة من الصعب إنجاحها. ملف الوحدة الترابية كان حينها في مفترق طرق ويتطلب مجموعة قرارات شجاعة تستلزم مراجعة المقاربة السابقة. ولائحة التحديات طويلة لا يمكن حصرها هنا ولكنها لا تستثني مجالا دون آخر، ولا يمكن الاقتصار في معالجتها على مجال دون آخر. وما لم يكن في البال حينها أن يصبح المغرب بعد أربع سنوات عرضة لهجمات إرهابية كأحد تداعيات وأعراض هجمات الحادي عشر من سبتمبر في نيويورك.
لم تمض سنة على تولي الملك محمد السادس حتى سارع واحد ممن ألف الارتزاق بالمغرب إلى إصدار منشور عنوانه “آخر ملك أفول سلالة ملكية”. لم يكن مرتكب هذه المغامرة سوى أحد صحافيي منشور دعائي اختار دوما معاداة المغرب، وأحد رفاق درب طوابرية العهد الجديد الذين كبرت أحلامهم في ذلك الوقت حتى صار بعضهم يظن نفسه الأحق بحكم المغرب لاعتبارات تعددت حسب كل واحد منهم. لم يتجرأ أي واحد منهم لتنبيه هذا الجاهل بحقيقة الملكية في المغرب وطبيعة العائلة الملكية وعدم صواب عبارات السلالة وما شابه ذلك من الإسقاطات على المغرب لما عرفه الصحفي الفرنسي ودرسه عن تاريخ بلاده وغيرها من دول الجوار.
لم يتجرأ أحد ممن نالوا الحظوة والعطاء حينها في العهد الجديد ليصحح له بأن العائلة الملكية ليست إلا أسرة مغربية مندمجة ضمن باقي الأسر العريقة في نسيج هذا المغرب الذي تشكل في اندماج كلي بين قبائله ولغاته وأديانه وعاداته وتقاليده.
ماذا تحقق اليوم من نبوءة تيكوا؟ وماذا بقي من تحليلاته التي ذهبت أدراج الرياح لأنها لم تؤسس على معطيات صلبة وكانت مجرد تكهنات تحت الطلب؟
أصاب الأفول تيكوا ورفاقه وبقيت الملكية عمود خيمة المغرب تعصمه من السقوط وتزيده صلابة ومناعة في وجه كل التحديات، وبقي الملك شامخا وحاضرا يمارس مهامه في احترام للدستور وحسب متطلبات كل مرحلة من مراحل تطور المغرب.
أصابت لوثة الخرافة عدلاوة وأحيت فيهم نبوءة تيكوا-الذي كان يعشقه شيخهم- حقدهم الدفين على الملكية فمارس “ياسينهم” كل أنواع الاستفزاز لإثبات حضوره والاعتماد على خدماته، ولكن لم يجد من الملك والملكية إلا معاملة وفق القانون وحقوق الإنسان فمنح حقه في التجوال وأنهيت إقامته الإجبارية التي كان يبني عليها رصيدا رمزيا يظن أنه يؤهله ومريديه للعب دور في العهد الجديد. بالغ عدلاوة في “الخرايف” فتهيأ لهم أن نهاية الملكية ستكون في 2006 -أي سبع سنوات بعد تولي محمد السادس الحكم- ولكن وقع ما لم يكن في حسبانهم. بقيت الملكية والملك في الأعالي وسقطوا هم إلى أسفل سافلين.
راهن البعض على التهويل من مرض الملك ونسج الأساطير حوله منذ عقدين، بل منهم من تنبأ للمرض بمدى عمري بالسنة والشهر متناسيا أن هذا مما استأثر به المولى سبحانه. تأكد لهؤلاء أن رهانهم فشل، وأن الملك هو من تولى مهمة التواصل مع المغاربة بشأن كل جديد حول وضعه الصحي في أكثر من مناسبة، ولم يزده هذا السلوك إلا مكانة سامية وسط المغاربة وغير المغاربة.
تعرضت البلاد لأكثر من حدث عاصف، بدءا بالأحداث الإرهابية لسنة 2003 ومرورا بتداعيات الأزمة الاقتصادية لسنة 2008، وما سمي بربيع 2011، وجائحة كورونا، وهي أحداث نجح في جعلها فرصا للتطوير والتجديد، ولم يكن ذلك ليتحقق لولا وجود مخطط مسبق للإصلاح والتحديث يتم تنزيله بتدرج وحكمة حسب كل ظرفية ومتطلباتها. اتضح ذلك في إصلاح مدونة الأسرة ومبادرة الحكم الذاتي والجهوية المتقدمة وغيرها. هل يشك أحد أن الفاعل الرئيسي في كل هذه الأحداث والمحطات المفصلية هو الملك بحكمته ورؤيته وبعد نظره؟
كيف صمدت الملكية لأكثر من ربع قرن من حكم محمد السادس رغم كل التحديات والعواصف؟ كيف سقطت نبوءات الطوابرية؟ كيف انجلت الحقيقة وفضحت خرافات عدلاوة وتكهنات من صوروا النظام على حافة الانهيار؟
لا يمكن القول بأن الملكية تمتلك أدوات خارقة، فتجارب الألفية الثالثة أكدت أن قدرة الأنظمة على الصمود محدودة. نقطة القوة تمثلت في رابطة تجمع الملكية والملك والشعب جعلتهما في تناغم واتفاق وحرص على الحفاظ على لحمة هذا المغرب. هذه الرابطة هي أكبر من تعاقد يكتسي صبغة دستورية وقانونية لأنه يشملها فعلا ويضيف إليها روابط معنوية ودينية وأخلاقية تزيدها رسوخا وحياة. هذه الرابطة هي حالة تفاهم بين الملك والشعب تجعلهما يفهمان طبيعة كل مرحلة وما تستحقه من مخططات وبرامج فينخرطان فيها معا كل من زاويته لأن الكل مؤمن بأن هذا المغرب يستحق الأفضل ويلزم استفراغ الجهد والوسع والطاقة من أجل ذلك.
وهنا تكمن قوة الملكية في المغرب التي قلنا بأنها ملكية مواطنة وجزءا من النسيج المجتمعي والأقرب إلى وجدان وعقل المغاربة من أي مؤسسة أو سلطة أخرى.
بالغ المتعجلون في بداية ملك محمد السادس في تضخيم الإكراهات وحساب التحديات، وأخطأوا تقدير كفاءة الجالس حديثا على العرش حينها. لم يتنبهوا إلى عمق الكلمات والأوصاف التي كان يصف بها المرحوم الحسن الثاني ولي عهده حينها. كان ينبه دائما إلى أن لمحمد السادس أسلوبه المختلف، وكانت كل المهمات التي أوكلها إليه تكلل بالنجاح. كان المرحوم الحسن الثاني يعرف جيدا أن ولي العهد رجل التحدي والعمل في صمت ولا يتكلم إلا عند الضرورة.
في بداية عهده، وصلت الرسالة للمغاربة جميعا عبر خطاب العرش وما تلاه من خطوات أنهم أمام ملك مختلف في خطابه وأسلوب عمله وأولوياته ونظام اشتغاله، وأنهم أمام ملك ابن وقته خبير بكل أوضاع المغرب بنفس درجة خبرته بما يحيط به قاريا وإقليميا ودوليا.
اختار دائما محمد السادس العمل بهدوء ودون توقف، وفضل دائما خوض غمار التغييرات الكبرى دون خوف لأنه مؤمن بأنه يستند إلى ثقة شعبية واسعة وإلى مؤسسات كفؤة ومتناغمة مع رؤيته، وحاز من البداية ثقة المنتظم الدولي بما أعلن عنه من مشاريع طموحة وجذابة وما قدم من وعود تحديث وتنمية واحترام للحقوق والحريات.
تخليد ذكرى هذه السنة مناسبة للجميع لفهم أسباب هذه الاستمرارية التي كان يراها البعض مستحيلة. من كان صائبا في تنبؤاته؟ ومن كان مخطئا في تخرصاته؟ ومن كان عبد أهوائه في تكهناته؟
لماذا كتب للملكية الاستمرار وربح كل الرهانات وتجاوز كل الصعاب؟ وكيف تحققت كل هذه الإنجازات؟
قلتها في أكثر من مرة في هذا البوح بأن شخص الملك يمثل عنصر أمان وقوة للمغرب. حكمته جنبت البلاد السقوط في أكثر مناسبة، وبعد نظره ساهم في ربح الكثير من الجهود والوقت لأنه كان دائما يستبق القادم من التحديات بإجراءات وسياسات تضع المغرب في قلب المتغيرات، وسعة اطلاعه كانت تجعل تقديرات المغرب صائبة ومتماهية مع مجرى الأحداث العالمية، وثقافته الحقوقية كانت دائما إضافة نوعية لكل التحولات التي عرفتها المملكة لأنها أضافت لها نفسا وبعدا حقوقيين في مجالات كان الكل يخشى الخوض فيها وولوجها ولكن جلالة الملك استطاع خوض غمارها بتوازن يجني المغاربة جميعا اليوم غلته.
شخص الملك وطبيعة شخصيته وحرصه على مصلحة المغرب وصالح المغاربة هو الذي كان دائما محرك التغيير. وكل المحطات المفصلية كان ضامنها إيجابية الملك وإيمانه بالمغاربة وبأن ما شهده المغرب من تطور يجعله في مأمن من أي ارتداد أو خوف، ومن أمثلة ذلك نجاحه في المصالحة مع الماضي الحقوقي عبر مسلسل الإنصاف والمصالحة الذي جسد نموذجا متفردا يدرس اليوم في الجامعات والمعاهد والمراكز ضمن التجارب الرائدة، ومن الأمثلة فتحه أوراش تقييم وتشخيص بنفس إيجابي كما كان الحال مع تقرير الخمسينية أو مع النموذج التنموي، ومن الأمثلة كذلك فتح ملف المراجعة الدستورية بعد الشروع في الجهوية المتقدمة رغم أن اللجنة الاستشارية أوصت بتنزيل هذا الورش بمجرد تعديل قانوني. نتذكر حينها العبارة الملكية التي تؤكد حجم الثقة في المغرب والمغاربة “لقد اقترحت اللجنة، في نطاق التدرج، إمكانية إقامة الجهوية المتقدمة بقانون، في الإطار المؤسسي الحالي، وذلك في أفق إنضاج ظروف دسترتها. بيد أننا نعتبر أن المغرب، بما حققه من تطور ديمقراطي، مؤهل للشروع في تكريسها دستوريا”.
الذكرى هذه السنة مناسبة لتأمل مسيرة ملك وشعب آمنا بحاجة المغرب إلى التطور واقتنعا بأنه مؤهل لذلك فخاضا معا مسيرة تنمية وانخراط في هذا العالم حتى جعلا للمغرب مكانا فيه.
الذكرى هذه السنة مناسبة للطوابرية لمراجعة كل تحليلاتهم الصدئة وأمانيهم البائرة، وطرح سؤال وجودي عما يقومون به من أعمال لم تنجح في النيل من المغرب شيئا.
لكل ما سبق نفهم سبب الحملات التي تستهدف المغرب عند اقتراب عيد العرش. هم يحاولون التشويش على هذه المناسبة لأنهم يعرفون وقع الرسائل التي تبعثها للعالم كله.
ذكرى عيد العرش مناسبة تسلط الضوء على مكانة الملكية والملك في المغرب، وتبرز تلاحم الملكية مع الشعب والمؤسسات وتناغمهم من أجل هدف موحَّد وموحِّد، ولحظة لجرد النجاحات وتحديد الاستراتيجيات واستشراف المستقبل، والأهم أنها فرصة لاستنهاض همم المغاربة وتذكيرهم بما ينتظرهم في القادم من الزمن في عالم لا مكان فيه إلا للأقوياء.
من آخر إنجازات المغرب ما يشاهده العالم هذه الأيام من حسن تنظيم وكفاءة تدبير بمناسبة احتضان المغرب كأس افريقيا للسيدات. هي مناسبة يثبت فيها المغرب أنه صار قطبا كرويا في الكرة الذكورية والنسوية وكل الفئات العمرية، وأنه يتوفر على بنيات تحتية في المستوى، وتجربة في التنظيم وتأمين كل التظاهرات، والأهم أنه يتوفر على جمهور كروي متشبع بروح رياضية وعاشق للعبة وحريص على نجاح أي تظاهرة تحتضنها بلاده. تصيب هذه الخلاصات بعض الجيران بالوجع ويكتشفون أن كل “تنوعيرهم” لم يعد عليهم إلا بالحسرة، وأن النيل من المغرب في عداد المستحيلات بالنسبة لمن لا شغل له إلا الهدم لأن تركيبته السيكولوجية والفيزيولوجية لم تتشكل على خوض التحدي لربح الرهان ولكنها تخصصت في الهدم والنيل من الناجحين لأن راحتها فقط في رسوب الجميع.
لن ينجح الطوابرية في النيل من انتصارات المغرب لأنها مبنية على مجهود متواصل ومحصن وتقف وراءها إرادة عازمة على إدامة النجاح وجعله جزءا من مسلسل تقييم السياسات ويتابع المغاربة عمل كل المؤسسات على ضوء هذا المعيار ويقيمون أداءها، ولن ينجحوا لأنهم يفتقدون المصداقية عند المغاربة. علي الملاوط الذي يتحدث في كل شيء أصابه الخرس ولم ينبس ببنت شفة عن التصرفات العنصرية التي كان المغاربة في إسبانيا عرضة لها ليؤكد أن المغاربة لا يهمونه وأنه مقرب من التيارات اليمينية المتطرفة ومناصر لأطروحاتها، وهذا ما يعريه أمام المغاربة ويبين أن الجزء منه الذي انتصر في هذه الأحداث هو جنسيته الأجنبية وإقامته في الديار الإسبانية.
“الحاصل” في تونس والتائق إلى ربح إقامة بيليكي بإحدى الدول الأوربية أصابه هو كذلك عمى البصيرة فأعماه الحقد عن حقيقة الموقف المغربي الراسخ مما يحدث في غزة لأنه “تشكل” على العداء للمغرب فلا يرى إلا ما يخدم أحقاده.
هي مناسبة للتأكيد على أن موقف المغرب ثابت من الحرب على غزة ومناصرته للحق الفلسطيني وتنديده بكل ما يتعرض له سكان غزة من حصار وتقتيل لا يقبل المساومة ولا يتم تحت الضغط، وجهود المغرب في التخفيف من معاناة الغزاويين حقيقة ولا يمكن إنكارها من قبل الجاحدين، وقد عرف هذا الأسبوع توقيع اتفاقية بين وكالة بيت مال القدس الشريف وجمعية مستشفى المقاصد الخيرية لتمويل إيواء عدد من مرضى قطاع غزة ومرافقيهم من الذين لم يتمكنوا من العودة إلى ديارهم بسبب استمرار الحرب على غزة. وهذه ليست إلا واحدة من عشرات المبادرات السياسية والإنسانية التي يقوم بها المغرب ولا يبتغي بها مزايدة أو مكاسب سياسوية لأنه لا يبحث عن البوز على حساب آلام الفلسطينيين كما يبحث بعض أصحاب “الجبهة” المتاجرين بالحرب على غزة.
يزايد “الحاصل” في تونس على المغرب الذي لم يصادر حق المغاربة في التعبير عن تضامنهم مع إخوانهم الفلسطينيين والتنديد بالجرائم التي يتعرضون لها من طرف حكومة عنصرية صارت تشكل خطرا على مسلسل السلام في المنطقة برمته بسبب سياساتها التوسعية والاستيطانية وتنكرها لكل الالتزامات والقرارات الدولية. يتناسى “الحاصل” في تونس أن دولة إقامته لا تسمح بعشر ما يقام بالمغرب من فعاليات التضامن مع الفلسطينيين ويغض الطرف عن القمع الذي يتعرض له الجزائريون الذين يمنع عليهم التضامن مع غزة من طرف نظام يدعي في كل مناسبة أنه ينتمي لمحور المقاومة.
أحد إسلاميي العسكر الذي عانى من المنع من السفر لحضور فعالية تضامنية مع غزة أحسن توصيف الوضع الحقوقي المأساوي في الجارة وهو يتحدث عن اعتقال بضعة شباب تجمعوا للتضامن مع غزة فحررت لهم محاضر وملفات والتقطت لهم صور وبصمات وصيغت لهم ملفات وقضوا الليلة في مخافر الشرطة. وكعادة إسلاميي العسكر وصّف الوضع ببرود ودون اتخاذ موقف من الحدث بالشكل الذي يستحقه لأنه ألف موقع “معارضة لايت” ولا يهمه إلا ربح مواقع لدى حكام قصر المرادية ولو على حساب غزة ومآسيها. لماذا لا يعطي مقري حمس لنظامه المثال من المغرب الذي يسمح للمغاربة بحرية التعبير والتجمع؟
لا شك أنها عقدة المغرب التي تلازم كل أركان وفلول وبيادق نظام الجارة والتي تتوارث الحقد على المغرب إلى الحد الذي جعل مقري حمس يتحدث عن عدم تخلي الأشقاء عن الجزائر أثناء كفاحها ضد الاستعمار ويتجاهل ذكر دور المغرب في استقلال الجزائر ومساندة الحركة الوطنية والملك محمد الخامس للجزائريين بكل أنواع المساعدة حينها. أليست هذه حقيقة؟ ألم يذكرها كل جيل الحركة الوطنية؟ هل يشكك فيها أحد ممن يريد تجاهلها اليوم حتى لا يذكر محاسن المغرب على الجزائر؟
لم يتصور عاقل أن يبلغ الجنون بنظام الجارة مبلغا يجعله يتورط في مغامرة أخرى ضد المغرب ولا يتعظ من مغامرته السابقة منذ خمسة عقود لما راهن على البوليساريو ظنا منه أنه يضع بها الحصى في حذاء المغرب. الجزائريون اليوم مقتنعون أن نظامهم خسر الرهان وأن البوليساريو صارت عبئا عليهم تقتطع من أموالهم وأرضهم وسلاحهم وثرواتهم لتبقى مستمرة بدون فائدة ولا هدف. هم مقتنعون اليوم أكثر من أي وقت مضى أن نظامهم خسر قضية الصحراء المغربية التي يسمعون كل أسبوع عن دولة تغير مواقفها وتنحاز لمقترح المغرب بشأن الحكم الذاتي، وآخر اعتراف هو دولة البرتغال التي عبرت عن “دعمها الكامل لمبادرة الحكم الذاتي، باعتبارها الأساس البناء والأكثر جدية ومصداقية من أجل تسوية هذا النزاع”.
يستمر نظام الجارة في حماقاته ولا يستفيد من سقطاته ويراهن على تجار الزطلة والمطلوبين للعدالة فيفتح لهم التراب الجزائري والقنوات الجزائرية لترويج أطروحات انفصالية لا أثر لها في الواقع حول منطقة الريف المغربية.
تتجاوز الجزائر كل الحدود ولم يعد عندها ما تواجه به انتصارات المغرب السياسية والدبلوماسية سوى استضافة تجار الزطلة على أراضيها لتعيد نفس الخطأ الذي ارتكبته من خمسة عقود ولم تجن منه إلا الخسارات وتضييع الأموال وتخريب المغرب العربي. لم يعد أمام نظام فاشل خائف من تقديم الحساب لشعبه سوى افتعال عدو وهمي للتغطية على عزلته القارية والإقليمية والدولية وهو يرى المغرب يخترق قلاعه التي ظنها محصنة ولكنه اكتشف أن الدبلوماسية المغربية اخترقتها بمقترح جذاب يحصد يوما عن يوم أنصارا له مما يضعه في موقف حرج أمام الجزائريين.
الرهان على تجار الزطلة انتحار وجنون وهو تأكيد على أن نظام تبون لم يعد أمامه بدائل كثيرة. وهذه خطوة أبطلت كل ادعاءات تبون أمام الرأي العام التي عبر عنها عبر المونولوغ الذي يقدمونه كلقاء مع الصحافة مع أن شكله وإيقاعه ومحتواه وضيوفه يوحون بأنه مصنوع سلفا ومعد بعناية ليكون جزءا من البروباغندا التي يقصف بها الجزائريون صباح مساء لتعطيل احتجاجاتهم وامتصاص غضبهم. في هذا المونولوغ عبر تبون عن تمسك الجزائر بحسن الجوار ولم تمض أيام حتى استضاف ذوو سوابق وتجار مخدرات ومجرمين عابرين للحدود تحت مسمى حزب انفصالي ضد وحدة المغرب. هذا هو كلام الليل الذي يمحوه ضوء النهار أو ما يعبر عنه المغاربة بحكمتهم المعهودة “اتبع الكذاب….”.
هذا فقط مثال على حالة التخبط والارتجال التي تدبر بها الجارة والتي لم يعد نظامها يفكر في ما يصلح للشعب الجزائري ولكن أصبح كل تفكيره منصبا على ما يوقف عجلة المغرب.
قطار نجاحات المغرب لن يتوقف ولن توقفه مغامرات نظام فاشل أصابه اليأس. وما على أركانه وبيادقه سوى التأمل في احتفالات المغاربة بعيد العرش ليفهموا جميعا أن المغرب فاتهم بمئات السنوات الضوئية.
موعدنا بوح قادم.
