1

بنسعيد…شجاعة وزير

بنسعيد…شجاعة وزير

A- A+
  • من النادر في المشهد السياسي والإعلامي المغربي، أن نجد مسؤولاً حكومياً يخوض معركة إصلاحية تتعلق بحرية واستقلالية مهنة الصحافة والتواصل، دون أن يقع في شَرَك الترضيات أو التواطؤات الصامتة. لم يسبق أن شاهدنا وزيرا للاتصال، خارج حكومة اليوسفي، يفتح ملفات حساسة كقانون التنظيم الذاتي للمهنة، ليس خلف أبواب مغلقة ولا عبر تسريبات مزاجية، بل من داخل ورش علني، مؤسساتي وتشاوري. أبدى الوزير الحالي للثقافة والاتصال، جرأة يُحسب لها ألف حساب، لأنها مبنية على رؤية تراكمية واضحة، بلا كولسة أو نقاشات في سراديب سرية، حيث يكون المهنيون والتنظيمات الصحافية آخر من يعلم.
    لسنا في مقام تمجيد للوزير محمد المهدي بنسعيد، فالواقع الثقافي والإعلامي لا يزال يئن من تبعات ما تركه أسلافه من قوانين وممارسات كبّلت المهنة وأغرقتها في الفوضى، لكن من الإنصاف ألا نضع الجميع في سلة واحدة. وعلى خلاف ما شهدناه في عهد وزراء سابقين، حيث تم تغييب المهنيين الحقيقيين عن لحظات الصياغة، أو استُخدمت ملفات الإصلاح كذريعة لتمرير الولاءات، بدت المقاربة الحالية مختلفة من حيث الجوهر.
    قالها بوضوح تحت قبة البرلمان: «نحن لا نُشرّع ضد أحد، بل نُشرّع مع من يمثل المهنة بصدق. لسنا أوصياء على أهل المهنة، بل شركاء في بناء استقلاليتهم». وذكّر بأن الوزارة لم تفرض نصًا من فوق بل اشتغلت مع المؤسسات والمنظمات المهنية الوازنة – وليس مع أصوات الهامش أو منابر الصدفة- وفق مقاربة ديمقراطية تشاركية، راعت تاريخ النقاشات السابقة وتجاوزت أعطابها البنيوية.
    لم يُجامل، ولم يساوم. رفض أن يكون الوزير الناطق باسم «توافقات الغرف المغلقة»، وفضّل أن يكون منصتًا لصوت المهنة من الداخل، وهو ما لم يكن يسيراً في واقع سياسي وإعلامي معقد. لقد بدت مداخلته في البرلمان كموقف سياسي حقيقي لا كمرافعة تبريرية. فيها دفاع عن حرية الصحافة، لكن أيضًا عن ضرورة التنظيم المسؤول، ضد الفوضى والاستغلال.
    وهذا هو جوهر الفرق، لم يقفز الوزير على المهنة ولم يختبئ خلف شعارات «الحرية» لتجميل الفوضى، بل خاض مواجهة متوازنة، تستند إلى المشروعية المهنية، والحس السياسي والشجاعة المؤسساتية. وما يحسب له أكثر، هو أنه لم يسعَ لتمرير مشروع التنظيم الذاتي كأنبوب قانوني فارغ، بل حرص على أن يكون حاملاً لرؤية تتوازن بين الاستقلالية المهنية والمسؤولية التنظيمية، بين حرية الصحافة وواجب التأطير، بين دعم المقاولات المهيكلة مهما كان حجمها ورفض الريع المقنع. لم يضع مشروع قانون التنظيم الذاتي للمهنة خارج السياق، بل جعله امتدادًا لمسار نضج لابدّ أن نبدأه، ولو تأخّرنا كثيرًا في اللحاق به.
    لقد كسر وزير الاتصال والثقافة والشباب، في أكثر من مناسبة، قاعدة الصمت المريب التي كانت تطوّق الوزارة سابقًا، حيث كان بعض الوزراء «الذين يصرخون الآن بدون سبب» يفضّلون التملص أو التأجيل أو الالتفاف حول القضايا. لا أحد ينسى كيف عشنا سنوات من الفوضى التنظيمية في عهد بنعبد الله حيث اختلطت حرية التعبير بغياب المراقبة، ووُزِّع الدعم وفق شبكة علاقات لا تُرى، لا تُحاسَب ولا تُراجع. خلفت تلك المرحلة مآسي حقيقية: إعلامٌ غير مؤهل، مقاولات ورقية صارت مجرد واجهات ملونة، وتضخّم في المنابر غير المهنية على حساب الصحافة الجادة، بل وأُهدرت الملايين من المال العام في مشاريع لم يُحاسب أصحابها يومًا .
    وما تم فتحه اليوم لا يعني أن الأمور اكتملت، لكنه يعني أننا أمام منهجية جديدة في الإصلاح، تضع الإصغاء فوق الإملاء، والحوار قبل القرار. وهذا وحده، في زمن الضجيج والتدجين، يُعد استثناءً يستحق التنويه، لا كعرفان لشخص الوزير بل كاحترام للحقيقة التي حجبتها الكولسة لعقود.
اختار الوزير الدفاع الواضح والصريح عن مشروع قانون التنظيم الذاتي، مؤكدًا أنه ثمرة نقاش موسّع مع المهنيين، لا نتيجة رغبة سلطوية أو أجندة حزبية. وهذه محاولة شجاعة لاستعادة التوازن، ولو ببطء، ولو وسط ضجيج الأصوات المعترضة بدون سبب. لم يتودد الوزير لمنابر معينة، ولم يتبنَّ خطابًا إقصائيًا، بل أدرك أن الإصلاح يُبنى عبر إرساء مرجعية مهنية واضحة، مستقلة، ديمقراطية، تحمي الحق في حرية التعبير وتنظم المهنة وفق شروط واضحة.
    لم يهرب الوزير محمد المهدي بنسعيد، في ملف التنظيم الذاتي للمهنة، إلى الخلف كما فعل من سبقوه، ولم يُداهن على حساب جوهر الإصلاح، بل تصدّى للمسؤولية بجرأة نادرة وشجاعة مسؤولة، واضعًا المصلحة المهنية فوق الحسابات الحزبية أو المزايدات الظرفية.
    منذ بدء إعداد مشروع القانون التنظيمي الخاص بالمجلس الوطني للصحافة، لم يختبئ وراء العبارات الفضفاضة أو الشعارات المريحة. دافع عن مشروعه بنَفَسٍ إصلاحي هادئ.
    وتبنّى منهجية التشارك والتشاور الحقيقي، مع المهنيين والهيئات ذات الوزن والشرعية، وليس مع المنابر التي ولدت من رحم المصالح أو اللحظة.
    ليس دفاعنا عن الوزير إذن تزكية مجانية، بل دفاع عن نموذج جديد في تدبير الشأن الثقافي والإعلامي، نقيض لما عشناه في سنوات القوقعة والتواطؤ والارتجال كما وقع في عهد الخلفي . قد لا يكون هناك إجماع على قرارات الوزير، لكن ما يجب أن نُجمع عليه، بعيدًا عن الحساسيات والانتماءات، هو أن لحظة الصدق المؤسسي تستحق الاعتراف. أننا إن لم ننصف من يحاول إصلاح الأعطاب، فلن نستطيع محاسبة من تسببوا فيها…

  • المصدر: شوف تي في
    تعليقات الزوّار (0)

    *

    التالي
    شرطة مراكش…توقيف شخص متورط في السياقة بطريقة استعراضية بالشارع العام