ميساج لمحترفي الريع …مالكم مخلوعين
ميساج لمحترفي الريع …مالكم مخلوعين
في خضم النقاشات السياسية والقانونية التي تعرفها الساحة الإعلامية، برز مشروع قانون إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة كإحدى المبادرات التي تستهدف تطوير المنظومة الإعلامية وضبط أداء الصحافة، وهو أمر لا خلاف عليه من حيث أهمية النقاش العمومي في صلب القضايا الحيوية. إلا أن هذا المشروع سرعان ما وجد نفسه في مواجهة انتقادات متسرعة ورفض مسبق، حتى قبل أن تُتاح الفرصة لدراسة نصه أو مناقشته بشكل جاد وموضوعي.
من المؤسف أن نرى أن النقاش العام حول القوانين والمشاريع يتم في أجواء من التشنج والسرعة التي تمنع التفكير الموضوعي. وهذا بالضبط ما حدث مع مشروع إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة. فقد سبقت التصريحات والبيانات التي اتسمت برفض المشروع بشكل صريح، حتى قبل أي محاولة حقيقية لفهم محتواه وأهدافه وآلياته. مثل هذا التسرع في إصدار الأحكام يعكس جملة من الإشكاليات:
أولها، هو غياب ثقافة الحوار المؤسسي الذي يسمح بمناقشة القضايا بموضوعية والاستفادة من آراء مختلف الفاعلين.
ثانيها، هو ظاهرة تسييس كل قضية إعلامية وإطلاق الأحكام مسبقًا، لأغراض قد لا تتصل بالمصلحة العامة أو التطوير المهني. وثالثها، هو بروز صوت “الدجالين” الذين يستغلون الفرص لإطلاق حملات رفض لا تستند إلى حقائق، بل إلى حسابات سياسية ضيقة.
كان من المفترض، في مشروع بهذه الحساسية والأهمية، أن يتم تنظيم مناظرات وندوات بخصوصه تستهدف الإعلاميين، الحقوقيين، المهتمين بالصحافة والقانونيين، للتباحث في تفاصيل المشروع، وتقديم الملاحظات البناءة بل والمقترحات التي قد تساهم في تحسينه. لكن للأسف، لم نشهد هذا المستوى من النقاش المفتوح والشفاف. بل على العكس، غاب هذا الحوار، وهو ما ترك فراغًا كبيرًا استغله من لا يريدون الإصلاح الحقيقي، أو من يريدون التشويش والعرقلة لينشروا مواقف رفض غير مبنية على دراسة وأحيانًا على معلومات مغلوطة.
في تقديري المتواضع، قبل إصدار الأحكام المسبقة، لا بد من التأكيد على أن إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة خطوة ضرورية في زمن تهيمن عليه تحديات كبرى على حرية الصحافة ومصداقيتها، بدءًا من انتشار الأخبار الزائفة، مرورًا بتداخلات من جهات تخريبية، ووصولًا إلى هشاشة عدد كبير من المؤسسات الإعلامية .
يحتاج المجلس الوطني للصحافة، إلى مراجعة عميقة تضمن استقلاليته وكفاءة أعضائه، وقدرتهم على التصدي للتحديات الجديدة، وكذلك تطوير آليات الرقابة الذاتية التي تحمي المهنة من تجاوزات بعض الممارسات الخارجة عن المهنة والقانون. هذا المشروع القانوني، إذا تمت دراسته بتأنٍ ونقاش، يمكن أن يساهم في إرساء قواعد واضحة تضمن حرية الإعلام مع احترام المسؤولية، وتوازن الحقوق مع الواجبات.
إن السباق المحموم إلى رفض المشروع قبل دراسته قد يكون دافعًا للتعبير عن مخاوف حقيقية لدى بعض الأطراف غير المهنية، التي ترى أن بعض مقتضيات المشروع تمس مصالحها أو تحد من نفوذها. وهذا أمر مفهوم في أي عملية إصلاحية تواجه مقاومة من يفضلون الحفاظ على الوضع القائم. لكن، في نفس الوقت، لا يمكن تجاهل أن بعض الأصوات التي رفضت المشروع مبكرًا، اعتمدت على شعارات رنانة وحملات إعلامية تستهدف تشويه الصورة العامة، دون تقديم بدائل أو مقترحات واضحة. وهذا النوع من الرفض لا يخدم مصلحة الصحافة ولا الصحافيين، ولا يحترم حرية النقاش والاختلاف، بل يعزز الاستقطاب ويعطل الإصلاح.
إذا أردنا أن نرى صحافة قوية ومهنية في بلادنا، فإننا بحاجة إلى ثقافة نقاش جديدة، تترك مساحة للحوار الموضوعي بعيدًا عن التشنج والتسييس المفرط. مشاريع مثل إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة تستحق دراسة متأنية، وفتح ورشات حقيقية. على الصحافيين والمهتمين بالشأن الإعلامي أن يتحلوا بالموضوعية، وألا يندفعوا خلف الحملات السطحية، بل أن يساهموا في بناء مشروع إعلامي يتناسب مع تطلعات العصر، يحمي حرية التعبير ويعزز المهنية.
ففي عالم الإعلام الحديث، تبرز الحاجة الملحة إلى تحديث الأُطر التنظيمية التي تحكم الصحافة، لضمان استقلاليتها، وتعزيز مهنيتها، وحمايتها من الدخلاء والمتطفلين التي قد تُضعف من مصداقيتها. ومن هذا المنطلق، جاء مشروع قانون إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، مبادرة تهدف إلى تطوير هذه المؤسسة الوطنية وتحديث آلياتها بما يتلاءم مع متطلبات العصر. للأسف، قبل أن تتاح الفرصة لمناقشة المشروع بعمق، واجه موجة من الانتقادات والتشكيك من طرف نفس الوجوه وبنفس الأسلوب، أطلقت مواقف رفض متسرعة، دون إتاحة مساحة للحوار البناء أو تنظيم ندوات ومناقشات تُبرز مزايا المشروع وتفسر مكوناته.
هذا التسرع في إصدار الأحكام يُعد ظاهرة مقلقة، لأنه يحول دون خلق بيئة حوارية مثمرة تتيح لكل الأطراف التعبير عن وجهات نظرها، وتقديم ملاحظات بناءة تسهم في تحسين المشروع بدلاً من رفضه بشكل مبدئي. للأسف، استغل بعض أصحاب المصالح هذا الجو من التوتر ليطلقوا حملات رفض مبنية على حسابات ضيقة، أو معلومات جزئية لا تعكس حقيقة المشروع.
يُعد المجلس الوطني للصحافة الركيزة الأساسية التي تدير وتراقب المتطفلين وتدافع عن حرية الصحفيين والصحافة، وتُعزز مصداقية المؤسسات الإعلامية. ومع تطور المشهد الإعلامي وتوسع منصات التواصل الاجتماعي، أصبحت الحاجة ملحة لمراجعة قوانين وضوابط المجلس بما يواكب المتغيرات. إن رفض المشروع دون مناقشة أو تقييم حقيقي، قد ينبع من مخاوف غير مفهومة من فقدان نفوذ أو مصالح فئات معينة كانت تستفيد من الوضع الحالي وكانت هي أصل الإشكال، أو يحركها خوف عام من التغيير لا يؤطره وعي كافٍ بأهمية الإصلاح. لذلك، من الضروري بناء ثقافة إعلامية قائمة على الوعي والاحترافية ترفض التحزب الأعمى وتقبل النقاش المفتوح بقلب مفتوح إن كان للبعض قلب أصلا…
