1

العبث السياسي في مواجهة التعقّل الاستراتيجي

العبث السياسي في مواجهة التعقّل الاستراتيجي

A- A+
  •                                                                                                              العبث السياسي في مواجهة التعقّل الاستراتيجي

    في اللحظة التي تتجه فيها أنظار العالم إلى مشروع قرار للكونغريس الأمريكي لتصنيف جبهة البوليساريو كمنظمة إرهابية، وفي ظلِّ تزايد الدعم الدولي لوجاهة الموقف المغربي في قضية الصحراء، اختارت الجماعة الانفصالية أن تُقدم على ما يشبه انتحارًا دبلوماسيًا، من خلال شن هجومٍ صاروخي على مدينة السمارة المغربية، هذا السلوك يكشف عن ارتباك داخلي و»بلادة سياسية» غير مسبوقة في صفوف البوليساريو، ويؤكد ـ بشكل غير مباشر ـ صحة التوجه الدولي نحو إدراجها ضمن لائحة المنظمات الإرهابية.
    تكمن خطورة الهجوم في توقيته الحساس: ففي الوقت الذي كانت فيه دوائر أمريكية تعمل على الدفع نحو تجريم العنف المسلح الذي تمارسه البوليساريو وتعاونها مع منظمات إرهابية، جاء الهجوم ليصب الزيت على النار، ويوفر المادة الملموسة التي لطالما كانت تُطلب كدليل على إرهاب الجماعة. فبدل أن تتحرك القيادة السياسية للجبهة باتجاه امتصاص موجة الضغط الدولي، اختارت الهروب إلى الأمام، في تصرفٍ يشي بافتقادها لأي استراتيجية تفاوضية ناضجة، واعتمادها منطقًا عبثيًا يخدم في المحصلة الرواية المغربية.
    الهجوم في هذا السياق لا يمكن أن يُفهم إلا كتعبير عن أزمة داخلية مركبة داخل صفوف الجبهة، خصوصًا مع تزايد انشقاقات في قياداتها، واستمرار الاحتجاجات داخل مخيمات تندوف، وانكشاف حالة من العجز البنيوي في ضبط التوازن بين جناحها العسكري المتطرف وجناحها السياسي العالق في الماضي.
    اختيار مدينة السمارة، الواقعة جنوب شرق المملكة، والهامة استراتيجيًا وعسكريًا، لم يكن عشوائيًا. فالمدينة ليست فقط نقطة وصل بين الأقاليم الصحراوية، بل تمثل رمزًا للوجود الحضاري والثقافي المغربي في الصحراء.
    من هنا، يمكن قراءة الاستهداف بوصفه محاولة لضرب هذا التمثيل الرمزي، وتشويه الصورة الإيجابية التي راكمها المغرب في ملف التنمية بالأقاليم الجنوبية.
    لكن هذا الفعل جاء بنتائج عكسية: فبدل أن يخلق الهجوم نوعًا من الضغط الشعبي أو السياسي على الدولة المغربية، دفع بالرأي العام الوطني والدولي إلى التفاف أوسع حول الموقف المغربي، وزاد من تعرية الطابع العدمي لتحركات البوليساريو، خصوصًا أنها لم تستهدف مواقع عسكرية، بل ضربت مواقع المدنيين، ما يجعل فعلها أقرب إلى «الإرهاب بالوكالة» منه إلى الفعل السياسي المسلح المشروع.
    رد الفعل المغربي كان متسمًا بالحكمة وضبط النفس، كما هي عادة الرباط في التعاطي مع استفزازات البوليساريو في السنوات الأخيرة. لم تسقط في فخ التصعيد، ولم تندفع نحو معارك إعلامية عبثية، بل اكتفت بتأكيد موقفها الثابت: أن المغرب في صحرائه، وأن أي اعتداء على أراضيه هو انتهاك للقانون الدولي.
    هذا التماسك في الرد المغربي يُحسب له، خصوصًا أنه يشتغل على جبهتين: الأولى، جبهة القانون الدولي والشرعية الأممية، والثانية، جبهة التنمية الداخلية التي تجعل من الصحراء نموذجًا للاستثمار في البنية التحتية والاقتصاد الأخضر والاندماج الاجتماعي. وبالمقابل، تظهر الجبهة الانفصالية كجماعة مرتهنة للأوهام الأيديولوجية، تُدار من الخارج، وتفتقر إلى أدنى شروط العمل السياسي المعاصر.. ويبرز ضعفها لا السياسي ولا العسكري من خلال هجمات صاروخية في الخلاء بلا دقة تسديد ولا إصابة مواقع مهمة.
    قد يكون الهجوم الإرهابي على السمارة نقطة تحول في المسار الدبلوماسي للقضية الصحراوية. فهناك الآن مبرر سياسي وقانوني أقوى أمام العواصم الدولية لتصنيف البوليساريو كمنظمة إرهابية، لا سيما أن الهجوم استهدف مدنيين، وهو ما يُخالف ميثاق الأمم المتحدة واتفاقيات جنيف، فضلاً عن كونه يتنافى مع مبادئ «حق تقرير المصير» التي تدّعي الجبهة تمثيلها.
    هذه التطورات ستؤدي حتما إلى تضييق الخناق الدبلوماسي على الجبهة، بما في ذلك تقليص الدعم المالي واللوجستي من بعض الدول المعروفة. ودفع نظام عسكر الجزائر نحو موقف أكثر حرجًا، باعتبارها الداعم الأساسي للجبهة، واتهامها ضمنيًا بالرعاية غير المباشرة للإرهاب. إضافة إلى تقوية الجبهة الداخلية المغربية، من خلال تعبئة سياسية وإعلامية تُظهر صواب الخيار التنموي الذي اعتمدته الدولة في الأقاليم الجنوبية.
    ما يجب الانتباه إليه هو أن مثل هذه القرارات، خصوصًا تلك المتعلقة بالهجوم على أراضٍ مغربية، لا يمكن اتخاذها داخل البوليساريو فقط، بل تتم غالبًا بتنسيق مباشر أو غير مباشر مع الدوائر الأمنية والسياسية في الجزائر.. فهل كان هذا الهجوم مجرد تعبير عن «يأس انفصالي»؟ أم أنه رسالة جزائرية غير معلنة كردّ على تزايد الاعتراف الدولي بمغربية الصحراء، وتوسع رقعة الدعم للمبادرة المغربية للحكم الذاتي؟
في الحالتين، يتضح أن البوليساريو لم تعد تملك زمام المبادرة، وأن قرارها السياسي مرهون بمزاج النظام الجزائري وتوازناته الداخلية، وهو ما يُفقدها أي صفة تمثيلية سياسية ذات مصداقية، ويدفع بها نحو مزيد من العزلة. فالهجوم على مدينة السمارة ليس سوى حلقة جديدة في مسلسل الانحدار السياسي والأخلاقي لجبهة البوليساريو.
    وقد يكون ـ بوعي أو دون وعي ـ القشة التي قصمت ظهر الجمل. إنه فعل يائس يعكس انعدام الأفق، وانفصال القيادة عن الواقع، ورهان خاسر على لغة السلاح في زمن تتسيد فيه الدبلوماسية الهادئة والشرعية الدولية.
    أما المغرب، فبقدر ما أظهر من حزم قانوني وتعقل سياسي، فإنه يُراكم الآن أوراق قوة جديدة، ستكون حاسمة في المرحلة القادمة من المعركة، التي لم تعد فقط حول «السيادة»، بل حول منطق الدولة مقابل منطق الفوضى، والتعقل مقابل الانفلات، والتقدم مقابل التكلّس الأيديولوجي.

  • المصدر: شوف تي في
    تعليقات الزوّار (0)

    *

    التالي
    شرطة مراكش…توقيف شخص متورط في السياقة بطريقة استعراضية بالشارع العام