1

ماذا بعد البكالوريا؟

ماذا بعد البكالوريا؟

A- A+
  •                                                                                                                                      ماذا بعد البكالوريا؟

    بعد أن تم الإعلان عن نتائج البكالوريا، ودخل الناجحون وأسرهم في عمق دوامة جديدة، أشبه بالانتقال من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، عبر البحث عن التسجيل في مؤسسات التعليم العالي وفق المعدلات المحصل عليها، حيث تتباين الفرص ويدخل الطلبة الذين حصلوا على معدلات لابأس بها متاهة إيجاد ما يوافق رغباتهم وإمكانياتهم في ذات الوقت. فهل اهتمت الوزارة الوصية بهذا البعد المفصلي في حياة المغاربة الذين يرون في البكالوريا حاجزا: لحظة انتصار أو لحظة فشل، بدل أن تكون مجرد محطة مهمة في مسار تكوينهم العلمي؟
    في خضم دوامة الجهاد الأكبر الذي يواجهه خريجو البكالوريا وعائلاتهم بعد إعلان النتائج، تبرز حقيقة واحدة لا قِبل بتجاهُلها وهي أن البكالوريا ليست محطة نهاية، بل هي البداية الفعلية لمسار جديد، تحديدًا مسار التعليم العالي الذي برغم التوسع الكمي في الجامعات والمؤسسات المهنية، إلا أن الفجوة النوعية ما تزال تتسع، وقد باتت تتأرجح بين أحلام التكوين الملهم ومأزق الواقع المحبط، خاصة في ظل تباين التحصيلات والفرص.
    لا أحد يمكنه إنكار تطور البنية التعليمية في الجامعات والمعاهد العليا وكذا مستوى البرامج التكوينية في المغرب، لكن الفجوة الكبرى تكمن في الانتقال إلى التعليم الجيد ذي الأثر النوعي. وفقًا لاستراتيجية Pacte ESRI 2030 هناك رغبة قوية في بعث النهضة الجامعية، لكن التنفيذ يعاني من هشاشة كبيرة في الموارد، والتنسيق المحلي وأساسيات البيداغوجيا الرقمية والنفسية. إذا أرادت الوزارة تحويل الكم إلى نوع وتحقيق الأثر التنموي المنشود، فلا بد من الانتقال من الخطابات الطموحة إلى العمل بتقنيات محددة: تقويم منتظم، إرادة سياسية واضحة، ربط حقيقي بسوق الشغل، وعقلية تربوية تنبني على الفاعلية والكفاءة أكثر من النتائج المؤقتة.
    في وضع كهذا، تصبح شهادة الباكالوريا ليست نهاية مشوار، بل بداية حقيقية محفزة لمسار أكاديمي ومهني يزدهر بالجودة، دون ضغوط نفسية غير مبررة أو عوائق بنيوية صمّاء يحتاج الأمر إلى ربط الكفاءة بخطاب تربوي جديد، واستراتيجيات فعلية. فلا معنى لشهادة عالية إن لم تكن مدخلًا فعالاً لفرص قيمة، ولا معنى للتوسع الكمي إن بقي دون أثر تنموي.
    إنها لحظة حاسمة لنعيد التفكير في التعليم عامة والتعليم العالي خاصة، شكلًا ومضمونًا، لتنتقل معها البكالوريا من شهادة يهتم بها المجتمع بأثرها النفسي والاقتصادي، إلى إنجاز تربوي واقتصادي يستحق أن نصحبه بالخطاب الملهم والعمل الجاد من خلال تصميم برامج التعليم لصالح احتياجات السوق، وخلق انجذاب خاص نحو مجالات مرتبطة بالتنمية المستدامة خاصة في قطاعات: الماء، الصحة، الصناعة، الخدمات الرقمية.
    وإنشاء معاهد تخصصية حول قضايا وطنية مثل الأمن الغذائي والطاقة والرقمنة مع إشراك كل الفاعلين المحليين في تنفيذ الإصلاح، إشراك القطاع الخاص، الجماعات المحلية، والمجتمع المدني في تصميم الدورات والشهادات المعترف بها.
    هناك نقص في الموارد البشرية والمادية تجعل إصلاح التعليم العالي سطحيا، مع ضعف التغطية والمراقبة الشاملة للأساتذة والطلاب في الجامعات الكبرى مما يجعل الآليات المعلنة للإصلاح عرضة للفشل.
    إذا كانت الباك محطة، فماذا بعدها؟ في ظل خطاب تربوي يتجه نحو نتائج مؤقتة ونظام يقدّر الكم أكثر من الكيف، هنا يجب أن نفكر بعمق لإصلاح أحوال تعليمنا، ولا نكتفي بالتجريب والترقيع والحلول السهلة والشعارات الكبرى بدون أثر في أرض الواقع.

  • المصدر: شوف تي في
    تعليقات الزوّار (0)

    *

    التالي
    شرطة مراكش…توقيف شخص متورط في السياقة بطريقة استعراضية بالشارع العام