1

من أجل أضحية مستدامة
 دعونا نحيي سنة الوعي لا شعيرة الذبح فقط

من أجل أضحية مستدامة
 دعونا نحيي سنة الوعي لا شعيرة الذبح فقط

A- A+
  • ونحن على عتبة عيد الأضحى الذي نعتبره عيدا كبيرا، ارتأيت أن أخاطب القراء في هذه الزاوية لا كواعظ ولا كخبير اقتصادي، بل كمغربي مثلكم، يشاطركم حبّ الأرض ويشعر مثلكم أن البلاد تحتاج إلى لحظة نستعيد فيها ما هو جوهري في ديننا ومجتمعنا، ونعيد ترتيب أولوياتنا بما يخدم مصلحة وطنية عليا: الحفاظ على ثروتنا الحيوانية من أجلنا ومن أجل أبنائنا.
نحن اليوم أمام مناسبة عظيمة وأيضا أمام أزمة كبيرة، لا فقط لأن أسعار الأضاحي أصبحت تثقل كاهل المواطن الفقير والمتوسط، بل لأن القطيع الوطني يئن تحت وطأة الجفاف المتوالي لخمس سنوات، وغياب العلف الكافي، والمضاربات، والنفوق الجماعي للقطيع في بعض المناطق.
    إننا أمام خيار مصيري: إما أن نواصل عادتنا السنوية بالذبح الشامل، ونُفاقم وضعًا بيئيًا واقتصاديًا هشًا، أو أن نستيقظ على ضمير جماعي جديد يُعيد تعريف معنى «الأضحية» في ظل المستجدات.
إن الأضحية، في جوهرها، ليست الذبح في حد ذاته، بل تجسيدٌ للتقوى، والتضامن، والتكافل. أن يقول الله عز وجل: «لن ينال الله لحومُها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم» فهل من التقوى أن نُفرغ السوق من النعاج والأكباش في موسم يعاني فيه الفلاح والكسّاب؟
ما أحوجنا اليوم إلى أن نُفعّل سنة الوعي، بأن نلتزم بعدم الذبح من أجل حياة القطيع، بأن نُحوّل مال الأضاحي إلى دعم مباشر للفلاح الصغير، أو إلى صندوق وطني لإنقاذ الماشية، أو إلى مشاريع مستدامة في القرى التي تنتج هذا القطيع. ألا يمكن أن نبتدع هذا العام عيدًا مختلفًا؟ عيدًا نُعانق فيه القرويين، لا فقط بالزيارات، بل بالدعم الفعلي، ونمنح فيه القطيع فرصة للاستمرار بدل الانقراض؟
عيدًا لا نحزن فيه لأننا لم نذبح، بل نفرح لأننا أنقذنا آلاف الرؤوس من الهلاك، وفتحنا باب أمل للفلاح الصغير، هذه ليست دعوة لمقاطعة شعيرة، بل دعوة لأن نربّي أبناءنا على أن التضحية ليست لحمًا نتقاسمه، بل وعيًا نبنيه، واستدامة نصونها.
القطيع المغربي ليس مجرد ماشية، بل رصيدٌ استراتيجي وموروث فلاحي ومصدر عيش لملايين الأسر. القطيع ليس فقط كبش العيد، بل هو عمق اقتصادنا القروي، ورمز لصمود الفلاح الصغير. فكيف نرضى أن نذبحه جميعًا في موسم واحد، ونتركه دون إعادة إنتاج، في زمن الشحّ والندرة والاضطراب المناخي؟
فإن ضاع هذا القطيع، ضاعت معه القدرة على السيادة الغذائية، وازدادت تبعية المغرب للخارج، في زمن أصبح فيه الغذاء سلاحًا، والماء نبوءة، والفلاح آخر حارس للوطن.
لنؤجل الذبح من أجل حياةٍ أكبر. لنمنح القطيع عامًا إضافيًا.
إن الشريعة لا تنفصل عن المصلحة، فقد علمنا فقهاؤنا، أن مقاصد الشريعة تدور حول حفظ النفس، والدين، والمال، والعقل، والنسل. وحفظ المال، في معناه الأوسع، يشمل الثروات الجماعية التي يعيش منها الناس، ومنها القطيع الوطني. والذي إذا أُنهك، فلن يتضرر الفلاح فقط، بل سيتضرر الاقتصاد الوطني، وسترتفع فاتورة الاستيراد، وستتقلص فرص الاكتفاء الذاتي، وسنُفقد آلاف الأسر مورد رزقها الوحيد. حينها، لن نكون فقط قد ذبحنا الخروف، بل ذبحنا معه نموذجنا القروي، وأملنا في السيادة الغذائية.
الدين لا يطلب منا أن نُضحّي بما لا نملك. والشرع لا يُجبرنا على أن نذبح، إذا كان في ذلك إضرار بالأمة. ففي الحديث الصحيح: «إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم» ومن فقه الواقع، أن نُعيد التفكير في «سنة الذبح» هذه السنة، لتُصبح «سنة وعي»، نُعلن فيها أن من لم يذبح، فهو ليس مقصّرًا، بل متقدمًا على غيره في الرؤية، وفي مقاصد الدين الإسلامي وفقه الأولويات.
فلنُقدّم هذا العام تقوانا لا دماء الأضاحي. فلنبدأ بأنفسنا بأن نُعلن أننا هذا العام، لن نذبح، ليس بخلاً ولا ضعفًا في الإيمان، بل لأننا نؤمن أن أعظم قربى لله، أن نحفظ مخلوقاته، وأن ننقذ ما تبقى من هذه الأرض.
كل عام وأنتم بألف وعي. كل عام والقطيع بألف حياة.

  • المصدر: شوف تي في
    تعليقات الزوّار (0)

    *

    التالي
    شرطة مراكش…توقيف شخص متورط في السياقة بطريقة استعراضية بالشارع العام