عندما تنفتح المؤسسة الأمنية على نبض المجتمع
عندما تنفتح المؤسسة الأمنية على نبض المجتمع
نظمت المديرية العامة للأمن الوطني بالمغرب الدورة الخامسة من أيامها المفتوحة بمدينة الجديدة، بين 17 و21 ماي 2025، تحت شعار «الأمن الوطني: ثقة، التزام، خدمة»، في لحظة وُصفت بالفريدة على مستوى العلاقة بين الدولة والمجتمع، مؤكدة من خلالها أن المؤسسة الأمنية لم تعد مجرد جهاز تنفيذي بل فاعلاً مدنياً منخرطاً في بناء الثقة المجتمعية، وترسيخ قيم الشفافية والتواصل.
فتواتر تنظيم الأيام المفتوحة وفي مدن متعددة بعيدة عن المراكز الحضرية المعتادة تدل على تحول كبير في علاقة المؤسسة الأمنية بالمجتمع، وهو ما يدل عليه الإقبال الكبير للمغاربة على هذه الأيام، حيث سُجل خلال هذه الدورة إقبال جماهيري استثنائي، تجاوز كل التوقعات، مع حضور يومي لعشرات الآلاف من المواطنين من مختلف الأعمار والمناطق المجاورة، حيث شكلت الأسر، الأطفال، والطلبة النسبة الأكبر من الزوار. لم يكن الحضور مجرد زيارة عابرة، بل تعبيراً عميقاً عن فضول معرفي، ورغبة في التفاعل مع من ظل يُنظر إليه، لزمن طويل، كجهاز مغلق وغامض.
منذ اللحظات الأولى، بدا واضحاً أن التظاهرة ليست مجرد عرض تقني لمهارات رجال الأمن ولا لمختلف الآليات الحديثة المتطورة التي يتوفر عليها الأمن الوطني بمختلف أسلاكه وتنوعات اختصاصاته، بل احتفاء بمعمار الدولة في صورته الحديثة، حيث تناغم التنظيم المحكم والتدبير اللوجستي الدقيق، مع هندسة فضاءات العرض، التي شُيدت لتُجسد روح القرب والتفاعل مع المواطن.
أقيمت التظاهرة على مساحة واسعة بمدينة الجديدة، التي تحولت إلى فضاء تفاعلي يجمع بين البُعد التثقيفي، الجمالي والمواطناتي، حيث انتظمت أروقة العروض وفق مقاربة بيداغوجية تبسط مفاهيم الأمن، وتشرح اختصاصات الفرق، وتُقدّم للجمهور عتاد المؤسسة الأمنية، من مختبرات الشرطة العلمية إلى وحدات التدخل السريع، مروراً بقاعات المحاكاة الرقمية والتحقيق الجنائي.
في الأروقة، كان مشهد الأطفال وهم يتعلمون كيف تشتغل الشرطة العلمية، أو يشاركون في محاكاة استجواب جنائي، دليلاً على أن المفهوم الجديد للأمن الوطني بالمغرب صار أكثر إنسانية ومرونة. كما شهدت العروض الميدانية، خاصة عروض فرق التدخل والكلاب المدربة، تفاعلاً جماهيرياً حماسياً، يجمع بين الدهشة والاعتزاز، وهو ما يؤكد أن خيار الانفتاح المؤسساتي الذي اختاره عبد اللطيف حموشي منذ توليه مسؤولية تدبير هذا القطاع، جعل الأمن رافعة للتربية والمواطنة إضافة إلى وظائفه التقليدية المعروفة في كل دول العالم. فقد برز البُعد التربوي من خلال ورشات التوعية لفائدة التلاميذ حول السلامة الطرقية، مخاطر المخدرات، والعنف المدرسي، وهي ورشات قامت بتنشيطها عناصر أمنية بكفاءات تواصلية بيداغوجية عالية. كما خُصصت لقاءات تفاعلية لشرح آليات التبليغ، وأهمية الشرطة المواطنة، وحقوق الموقوفين، في إطار يحترم مبدأ «الأمن في خدمة المواطن». لذلك تحولت الأيام المفتوحة للأمن الوطني إلى منصة تواصل عمومي بامتياز، حيث لم تكتف المؤسسة الأمنية بعرض تجهيزاتها وكفاءاتها، بل قدمت نموذجاً ناجحاً للانفتاح المؤسساتي الذكي، القائم على القرب، الإصغاء، والتفاعل.
تُمثل هذه الأيام المفتوحة، في بعدها الرمزي والمؤسساتي، لحظة فارقة في مسار تطور العلاقة بين الأمن والمجتمع بالمغرب. فهي تجسيد عملي للتحول من نموذج أمني تقليدي قائم على الردع، إلى نموذج حداثي يرتكز على الوقاية، التواصل، والخدمة. وهذا ما ينسجم مع التوجيهات الملكية الداعية إلى تحديث الإدارة الأمنية، وتعزيز الثقة بين الدولة والمواطن، من خلال مؤسسة أمنية متقدمة، تحترم الحقوق، وتؤمن بالتشاركية، وتشتغل بمنطق الخدمة العمومية.
إن اختيار مدينة الجديدة ليس اعتباطياً، بل يحمل دلالة على الرغبة في تجاوز المركزية في الأنشطة الاستراتيجية للأمن الوطني، والانفتاح على مدن وجهات أخرى، بما يعزز الإنصاف المجالي. الجديدة، بما تحمله من تاريخ باذخ، أصبحت في أيام قليلة رمزاً لتحول الدولة من سلطة رمزية صارمة، إلى مؤسسة تقترب من ساكنتها، تتواصل معها، وتحتفي بها.
إن الدورة الخامسة من الأيام المفتوحة للأمن الوطني بالجديدة ليست مجرد فعالية مؤقتة، بل تعبير عن تصور جديد للأمن كأفق اجتماعي وثقافي، حيث تُعاد صياغة العلاقة بين الدولة والمواطن على أسس الثقة المتبادلة، والمعرفة، والشراكة في حماية الأمن العام.
لقد انتصرت المؤسسة الأمنية، مرة أخرى، لا في مواجهة الجريمة فحسب، بل في ربح رهان المعنى والانتماء والإنصات لنبض المجتمع.
