نحو أمن استراتيجي وتنموي متعدد الأبعاد
نحو أمن استراتيجي وتنموي متعدد الأبعاد
في زمن تتزايد فيه الاضطرابات الجيوسياسية، وتتعاظم التحديات المناخية والوبائية، برز مفهوم الأمن الاستراتيجي بوصفه أحد أهم مفاتيح استقرار الدول واستدامة نموها، فلم يعد الأمن محصورا في مجالات الدفاع أو الأمن الغذائي فقط، بل تعداه إلى مفاهيم أوسع تشمل الأمن الطاقي، الصحي، المائي، والتكنولوجي… وفي هذا السياق، تندرج الرؤية الملكية البعيدة المدى، كما جسدها مشروع إحداث منصة المخزون والاحتياطات الأولية بجهة الرباط- سلا -القنيطرة كمبادرة طموحة تهدف إلى إرساء بنية تحتية صلبة لحماية النسيج المجتمعي والاقتصادي من أية صدمات مفاجئة، وكمنصة استراتيجية في قلب الجغرافيا الحيوية للمملكة.
إن اختيار جلالة الملك لجهة الرباط-سلا-القنيطرة، باعتبارها القلب الإداري والسياسي للمغرب، لإحداث هذه المنصة ليس صدفة، قبل تعميمها على باقي جهات المملكة في إطار العدالة الترابية والجهوية الموسعة وتكافؤ فرص المواطنين المغاربة عبر كل جهات المملكة، إن إحداث أول منصة المخزون والاحتياطات الأولية بجهة الرباط سلا القنيطرة نابع من كونها تتمتع بموقع استراتيجي يربط بين الشمال والجنوب، وتتوفر على بنية تحتية لوجستية ومينائية وطرقية مهمة، وتحتضن كثافة سكانية عالية، فضلاً عن كونها حاضنة للعديد من المؤسسات السيادية والصناعية.
فالمنصة الجديدة، وفق الرؤية المتقدمة التي أعلن عنها، ليست مجرد مخزن تقني للسلع أو الأدوية أو المواد الطاقية، بل هي فضاء متعدد الوظائف، يعمل وفق نظم ذكية للمراقبة والرصد والإنذار المبكر، وتتكامل فيه التكنولوجيات الرقمية والأنظمة الإدارية الحديثة لتدبير الأزمات.
ستمكن منصة المخزون والاحتياطات الأولية من تنظيم سوق المواد الأساسية، وتفادي المضاربات والندرة، كما ستساهم في تحفيز الاستثمار في سلاسل التوريد المحلية والجهوية، وخلق فرص للشراكة بين القطاعين العام والخاص، كما إن هناك إدارة ذكية للمخزون من شأنها أن تقلل من الكلفة الاجتماعية والمالية لأي أزمة مفاجئة، وتمنح الفاعلين الاقتصاديين هامشا من التوقع والتصرف.
من خلال توفير الاحتياطات الضرورية من الأغذية والأدوية والمواد الحيوية، تكرس المنصة بعدًا إنسانيًا واجتماعيًا مهمًا يعكس اهتمام جلالة الملك بحماية الفئات الهشة في فترات الأزمات، وتعزيز ثقة المواطن في مؤسسات الدولة. وستكون المنصة جزءا من شبكة وطنية لوجستية تتجاوز منطق التخزين إلى منطق الجاهزية والتوقع.
ضمن مقاربة الاستدامة، سيتم تصميم المنصة باحترام المعايير البيئية وتكنولوجيا الطاقة النظيفة، بما يتلاءم مع التزامات المغرب المناخية..
كما أن تهيئة فضاءات لتخزين الأدوية والمعدات الطبية تعكس وعيًا بضرورة الجاهزية الصحية، خصوصا بعد تجربة جائحة كوفيد- 19.
ففي عالم يتجه نحو إعادة تشكيل خرائط النفوذ وسلاسل الإمداد، تشكل منصة المخزون والاحتياطات الأولية رافعة نحو تعزيز السيادة الوطنية في تدبير الاحتياجات الأساسية، وتقليل الاعتماد على الخارج في لحظات الأزمات والكوارث.. إنها بنية سيادية بامتياز، تترجم وعي الدولة المغربية العميق بحتمية التأهب الاستباقي بدل الاكتفاء برد الفعل.
تمثل منصة المخزون والاحتياطات الأولية بجهة الرباط-سلا-القنيطرة نواة لتحول استراتيجي في عقل الدولة، حيث يصبح الاستباق رهانا أساسيا في التخطيط للغد، إنها تجربة رائدة سيتم تعميمها وطنياً، وتؤسس لاقتصاد مقاوم، ومجتمع صامد، ودولة يقظة في عالم يسير نحو المجهول.
لا تخلو هذه المبادرة من تحديات وهذا يستلزم من باقي الفاعلين الوعي بأهمية ضمان حكامة رشيدة لعمليات التخزين والصرف..
رقمنة سلاسل التوريد وربط توقع الأزمات والكوارث بمنظومات الإنذار المبكر، بالإضافة إلى إشراك القطاع الخاص المحلي في منظومة التموين والتوزيع ثم ضمان العدالة المجالية في التزود داخل الجهة وخارجها.
