1

مغرب الأوراش الكبرى: البناء… ثم البناء

مغرب الأوراش الكبرى: البناء… ثم البناء

A- A+
  • مغرب الأوراش الكبرى: البناء… ثم البناء

    في قلب التحولات العميقة التي يعرفها المغرب منذ بداية الألفية الثالثة، تتصدر فكرة «مغرب الأوراش الكبرى» المشهد الوطني كرؤية استراتيجية ومشروع مجتمعي متكامل. لم يعد الأمر مجرد استثمار في البنية التحتية أو تحسين مؤشرات اقتصادية متفرقة، بل أصبح يمثل فلسفة دولة، واختيارًا واعيًا بأن لا سبيل للنهوض إلا عبر إرادة البناء المستدام: بناء الأرض وبناء الإنسان معًا. فمنذ مجيء الملك محمد السادس إلى سدة الحكم، انطلقت مشاريع كبرى مؤسسة وعملاقة شكلت نقلة نوعية، حتى أصبحنا أمام مغرب جديد برهانات كبرى.
    لقد أصبح البناء كقدر وطني، فحين نتحدث عن الأوراش الكبرى التي لم تقتصر على المراكز الحضرية الكبرى بل شملت الهوامش أيضا، لا نتحدث عن مشاريع إسمنت وحديد فحسب، بل عن فعل إرادي يستبطن قناعة بأن النهوض لايُهدى ولا يُستورد، بل يُشيد طوبة طوبة..
    هذه هي القناعة التي تتأسس عليها الرؤية الملكية البعيدة المدى.
منذ مطلع الألفية، أطلق المغرب سلسلة من المشاريع العملاقة: الموانئ الضخمة (طنجة المتوسط كنموذج)، شبكة الطرق السيارة الحديثة، الربط الطاقي (الطاقة الشمسية في ورزازات ثم ميدلت)، البنية الصحية والتعليمية، وبرامج الإسكان ومكافحة الهشاشة… كلها أوراش تستند إلى رؤية جعلت من البناء المستمر هوية وطنية جديدة.
    إن فلسفة البناء التي اختارها المغرب تقوم على القطع مع الانتظارية التقليدية. فبدل انتظار التحولات الخارجية أو الرهانات السياسية الدولية، أدار المغرب ظهره للتقلبات غير المضمونة، واختار أن يبني ذاته بنفسه. مشاريع كبرى ترى النور في كل جهة، لا باعتبارها زخرفة عمرانية، بل كأدوات لتحرير الطاقات المحلية ودمجها في المشروع الوطني الكبير. فالمغرب لا ينتظر المعجزات، في عز شح السماء كان البناء، في عز أزمة كوفيد- 19 استمر البناء، في ظل خريطة دولية متقلبة واقتصاد عالمي زعزع أركانه التضخم والتحولات العالمية الكبرى، اختار المغرب البناء، المغاربة لا ينتظرون معجزات استثنائية، والدولة تعي أن مغربا قويا وله حظوة دولية، يجب أن يكون ببنيات حديثة وتنمية مستدامة، ترسخ الاستقرار وتجلب الاستثمار.
    تاريخيًا، لم يكن البناء يومًا محايدًا.
    كل عمران عظيم هو ترجمة لصراع بين إرادات، بين مشاريع مستقبلية متنافسة. بهذا المعنى، فإن أوراش المغرب الكبرى تمثل معركة حضارية ضد الفقر، ضد التخلف البنيوي، وضد التبعية الاقتصادية. لم يكن بناء الطرق والموانئ والمصانع والجامعات مجرد مطلب مادي، بل هو عمل ثقافي، لأن بناء الجسور هو في العمق بناء لجسور ذهنية نحو المستقبل.
    فالعالم لا ينتظر المتأخرين. والقرن الواحد والعشرون لايرحم الشعوب التي تراهن على الحلول الترقيعية.
    في هذا السياق، يظهر إصرار الملك محمد السادس على التتبع الشخصي للإنجازات الكبرى، ويلح على تسريع وتيرة الإنجاز، كمن يسابق الزمن نفسه، مدركًا أن المستقبل لا يُتسول بل يُنتزع. والمثير أن العديد من الأوراش الكبرى المغربية تحققت في آجال قياسية، مما رسخ ثقافة جديدة داخل الإدارة والمجتمع، قوامها أن الإنجاز لا يعرف المستحيل إذا تسلحت الإرادة بالرؤية والتخطيط الجيد.
    في مغرب الأوراش الكبرى، يتردد الشعار البسيط العميق: «البناء، ثم البناء، ولا شيء غير البناء».. لأنه في النهاية، لاكرامة بدون تنمية، ولامستقبل بدون استعداد، ولاوجود حقيقي لأمة خارج الفعل الدؤوب، والإنجاز الملموس، والحلم الذي يُترجم على الأرض لا في الخطب والشعارات.
في المرحلة المقبلة، يبدو أن مغرب الأوراش الكبرى مدعو إلى الانتقال من أوراش البناء الفيزيائي إلى أوراش بناء القيم والمعرفة. فمشروع الدولة الحديثة لا يكتمل بالبنى التحتية وحدها، بل يكتمل بإطلاق أوراش فكرية وتربوية، ترسخ قيم الإبداع، والحرية، والانضباط، والتميز، والمواطنة الحقة.
    فكما تحتاج الأرض إلى جسور وأنفاق وموانئ، تحتاج الأرواح إلى قيم وأفكار وعقائد مدنية متجددة.
    مغرب الأوراش الكبرى يعلمنا درسا خالدًا: أن الهوية ليست فقط ما ورثناه، بل ما نبنيه بأيدينا، هنا والآن.

  • المصدر: شوف تي في
    تعليقات الزوّار (0)

    *

    التالي
    شرطة مراكش…توقيف شخص متورط في السياقة بطريقة استعراضية بالشارع العام