1

المعرض الدولي للكتاب: نجاحاتٌ واعدة لكن نطمح للأكثر

المعرض الدولي للكتاب: نجاحاتٌ واعدة لكن نطمح للأكثر

A- A+
  • المعرض الدولي للكتاب: نجاحاتٌ واعدة لكن نطمح للأكثر

    نعيش على إيقاع المعرض الدولي للكتاب، باعتباره محطة رمزية تتجاوز بيع الكتب لتتحول إلى فضاءات للحوار واللقاء والتثاقف، تُختبر فيها حرارة الوعي الجمعي، ويُقاس فيها نبض القراءة، كما تُمنح فيها الفرص الثمينة لإعادة وصل ما انقطع بين الكاتب والقارئ، بين الفكرة والمجتمع.
    وفي هذا السياق، برز المعرض الدولي للكتاب في المغرب، كتظاهرة سنوية ناجحة تستقطب جمهورًا واسعًا ومتنوعًا، يتوزع بين القرّاء المتعطشين، والطلبة، والعائلات، والمهنيين من ناشرين وكتّاب ومترجمين وصحافيين.
    هذا النجاح لم يأت من فراغ، بل بُني على تراكم مؤسساتي وتنظيمي دؤوب، جعل من المعرض لحظة ثقافية تُنتظر بشغف، خاصة مع تنامي دور القراءة الرقمية ومحاولات استعادتها من شِراك الشاشات العابرة.
    يكمن النجاح الظاهر للمعرض هذا العام من خلال عدة مستويات، في مقدمتها الإقبال الجماهيري المتزايد، حيث تسجل المعارض الأخيرة أرقامًا قياسية في عدد الزوار، ما يعكس تعطشًا ثقافيًا 
لا يزال حيًا، رغم كل التحديات. خاصة في ظل تزايد عدد الفئات الشابة في زيارة المعرض بشكل ملفت للانتباه وفي كثرة العنصر النسوي، وهو مؤشر دال على تحولات اجتماعية عميقة في بنية المجتمع المغربي تعزز من قيم المساواة ومواطنة النساء. إضافة إلى قوة تمثيلية المرأة والكتّاب الشباب في صالون الكتاب في دوراته الأخيرة، حيث بدأت أسماء جديدة تفرض نفسها ضمن المشهد، ويتم منحها مساحة للظهور والتفاعل، في خطوة تعكس تطورًا في الرؤية التنظيمية.
    وما ميز دورة المعرض التي تشرف على نهايتها هذا الأسبوع هو تنوع وغنى البرنامج الثقافي، إذ لم يعد المعرض سوقًا للكتب فقط، بل منبرًا للنقاشات الفكرية، وورشات للإبداع، وفضاءً مخصصًا للأطفال واليافعين، وحوارا بين الشرق والغرب، والشمال والجنوب، ما جعله أكثر شمولًا وجذبًا لمختلف الأعمار والفئات. إن الانفتاح على التجارب الدولية للمعرض الدولي للكتاب، من خلال استضافة دول كضيوف شرف وتنظيم ندوات عابرة للحدود، وسّع من دائرة التبادل الثقافي، وعرّف القارئ المغربي على عوالم أدبية مغايرة.
    ومع ذلك، فالعالمية ما زالت هدفًا لم يتحقق بالكامل. لماذا؟
    رغم كل هذه الإيجابيات، يبقى الحلم بأن يتحول المعرض إلى حدث مرجعي على المستوى العالمي مؤجلاً، ويعود ذلك إلى عدة نقائص يمكن إجمالها في ما يلي:
    غياب بُعد الترجمة كرافعة أساسية، ولكي يحظى الأدب الوطني بالانتشار العالمي، لا بد من استثمار قوي في الترجمة المتبادلة، ودعم حضور المترجمين والناشرين الأجانب، وربطهم بالمؤلفين المحليين. ما زالت الترجمة تعامل كهامش لا كأداة استراتيجية، رغم أهميتها القصوى.
    ضعف التغطية الإعلامية الدولية، فالمعرض، رغم زخمه، لايحظى بتغطية كافية من كبريات وسائل الإعلام العالمية، ما يقلل من إشعاعه خارجيًا، ويجعله حبيس صور محلية وبضع منابر دولية محدودة لا تعبر عن طاقاته الكاملة.
    والمشكل الأكبر في تقديري هو غياب الصناعات الثقافية المصاحبة، فالعالمية لا تتحقق فقط من خلال الكتب، بل من خلال تحويل المعرض إلى «مهرجان ثقافي متكامل»، تشارك فيه السينما، الموسيقى، الفنون البصرية، والتكنولوجيا الثقافية. هذا التداخل بين الفنون يعزز جاذبية الحدث ويوسع جمهوره، رغم أننا عشنا أول دورة فيها اهتمامات فنية مغايرة وغير تقليدية.
    ثم هناك نقص في استقطاب الأسماء الأدبية العالمية الكبرى، فحضور كتّاب عالميين من الصف الأول يمنح المعرض مكانة رمزية عالمية، ويجلب اهتمام الإعلام والنقاد والمترجمين، ويخلق تفاعلاً ثقافيًا خصبًا، وهو أمر ما زال محدودًا نسبيًا.
    كما أن هناك نقصا كبيرا على مستوى الهيكلة الاحترافية والعلامة التجارية، فالمعارض العالمية تتميز بهوية بصرية واضحة، وتقاليد تنظيمية صارمة، وعلاقات دبلوماسية ثقافية مستمرة مع كبريات دور النشر العالمية، وهو ما يتطلب مقاربة أكثر مهنية في تدبير المعرض. والدليل هو ما أثير من جدل حول ملصق هذه الدورة.
    نحن نعي حجم الإكراهات ونعي تراكم العديد من الإيجابيات، بل الأكثر من هذا نؤمن أن حلم العالمية بخصوص المعرض الدولي للكتاب بالمغرب ممكن، والشرط أن نُعيد طرح الأسئلة الكبرى.
    إن المعرض الدولي للكتاب ينجح كل عام في جمع شتات الثقافة داخل قاعة واحدة، في بلد واحد. لكنه يحتاج الآن إلى قفزة نوعية، لا كمية فقط. قفزة تبدأ بإعادة طرح سؤال: لماذا نُقيم هذا المعرض؟ هل ليكون تظاهرة احتفالية مؤقتة؟ أم ليكون منصّة دائمة لإعادة تموقع الثقافة في قلب المجتمع، وفي خارطة الأدب العالمي؟ الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد مستقبل المعرض، ومدى اقترابه من العالمية التي نطمح إليها جميعًا.

  • المصدر: شوف تي في
    تعليقات الزوّار (0)

    *

    التالي
    شرطة مراكش…توقيف شخص متورط في السياقة بطريقة استعراضية بالشارع العام