بوح الأحد: تحركات الملك تربك مشاريع و حسابات الطوابرية و الذين وراءهم
بوح الأحد: تحركات الملك تربك مشاريع و حسابات الطوابرية و الذين وراءهم، حجايات علي لملاوط تصل إلى الباب المسدود، سر ٱنزعاج البعض من مشروع المناورات العسكرية المغربية الفرنسية و أشياء أخرى…
أبو وائل الريفي
ٱهتمام الطوابرية بأخبار الملك وتحركاته وصحته وأحواله وصل مرحلة غير مسبوقة. تجاوز الأمر مجرد المتابعة والفبركة حتى أصبح مؤشرا مهما لفهم ما يعتمل في عقولهم من سيناريوهات وما يتمنونه للمغرب من كوارث. صار البعض يطلق أكاذيب لا تعمر إلا قليلا ويكتشف الرأي العام أنها إشاعات مغرضة هدفها التضليل والتشويش وإشغال مؤسسات الدولة بالرد عليها وإنهاكها بمعارك فارغة.
منذ توليه العرش، اختار جلالة الملك أسلوب عمل بقي وفيا له دائما. نقطة الارتكاز في هذا الأسلوب هي التواصل المباشر مع الشعب في كل ما يهمه، وعدم الالتفات إلى كل ما يشاع عنه، والتركيز على ما يهم المغرب وينفع المغاربة، وتخصيص الجهد كله في العمل والإنجاز. تأكد للعالم كله أننا أمام ملك يحب العمل ويؤمن بالإنجاز ومُقِلٌّ في الكلام والظهور ولا يحرص على الرسميات والبروتوكول إلا عند الضرورة لأنه يحب أن يكون على سجيته مع المغاربة، وهو الذي قال في مناسبات كثيرة أنه ملك إنسان ويعتز بمغربيته ويشعر بما يشعر به المغاربة ويشاركهم آلامهم وآمالهم.
كان الاختيار موفقا حتى أن هذا الأسلوب الملكي أسس لمجالات عمل واضحة واختصاصات محددة لكل مؤسسة من مؤسسات الدولة. يرجع الفضل للملك في هندسة دستور رسخ دولة القانون والمؤسسات، كما ساهم بقسط وافر في تنزيل مقتضياته الأساسية على أرض الواقع لأنه ترك مساحات اشتغال كبيرة لكل المؤسسات، ولم يتدخل في عملها إلا وفق الدستور وفي الحالات القصوى وباحترام تام للروح الديمقراطية للدستور.
لم يرق للطوابرية وبعض المتربصين بالمغرب هذا الأسلوب لأنهم ألفوا الانتعاش في مقولات جاهزة وقوالب تصنيف متجاوزة للنيل من المغرب مثل “الملكية المطلقة” و”التعليمات” و”استئثار الملك بكل السلطات”، ولذلك وضعوا أنفسهم في حالة تخلف عن التطور الذي يعيشه المغرب بكل مؤسساته وقوانينه ودستوره. وفّى الملك بوعده للمغاربة بشأن تحديث وتأهيل هياكل الدولة وإرساء مفهوم متجدد للسلطة وكرس المقاربة التشاركية والتشاور الموسع في كل المشاريع الاستراتيجية للمملكة.
لم يجد الطوابرية مدخلا جديدا ينتعشون فيه لممارسة هوايتهم المفضلة، أي الاصطياد في الماء العكر، سوى الوضع الصحي للملك. ومرة أخرى ينجح جلالته في إبطال مفعول هذا التوظيف الخبيث لحالته الصحية فكان التواصل الدائم والمفصل وبدون تحفظ عبر بلاغات رسمية مباشرة للرأي العام لإخباره ولقطع الطريق على هواة ترويج ما يظنون أنهم سيروعون به المغاربة.
حقق هذا الأسلوب مزيدا من الثقة في شخص الملك وزاد ارتباط المغاربة أكثر بملكهم وسد الباب على مروجي الإشاعات. لم يستسلم الطوابرية والمتربصون لأنهم لا بديل لهم عن الاستمرار في هذا الطريق بعد أن سحبت منهم كل الأوراق التي ألفوا الاشتغال بها للنيل من سمعة المغرب وملكيته.
أحيانا، يفهم من تصاعد تداول منشورات عن صحة الملك أن الهدف هو إجبار القصر الملكي على الرد والدخول في لعبة الردود الرسمية على شائعات أو دفع مؤسسات الدولة لتغيير طريقة اشتغالها نزولا عند رغبة هؤلاء ليتاح لهم المجال لترويج أطروحاتهم حول انفراد الملكية بالقرار وتغطية حضورها على حضور باقي المؤسسات وخرق الدستور وغير ذلك من الترهات التي لا يتقنون غيرها.
يتسرع الطوابرية كثيرا في كل ما يتعلق بالملكية والملك والسبب هو استعجالهم أن يروا المغاربة في حالة عدم رضى ليحققوا أحلامهم ويرضوا أسيادهم ويربكوا عمل المؤسسات.
في هذا الشهر الفضيل، ونقيض ما تم الترويج له من طرف من لم تعد تخفى ارتباطاتهم وولاءاتهم المعادية للمغرب ظهر جلالة الملك في أكثر من مناسبة كما هو مسطر في جدول أنشطته الرسمية، واتضح لكل متابع أن الملفات التي يباشرها جلالة الملك تسير بشكل عادي.
ولأنه شهر ليس كغيره من الشهور شاهد المغاربة الملك الأب وهو يمارس أبوته مع ابنيه ولي العهد الأمير مولاي الحسن والأميرة للاخديجة بتكليفهما بإعطاء انطلاقة العملية الوطنية “رمضان 1446” التي تنظمها مؤسسة محمد الخامس للتضامن بمناسبة شهر رمضان والتي تستفيد منها مليون أسرة كجزء من التحضير لهما سيرا على طريقة التربية العريقة وسط العائلة الملكية، بل لاحظ الجميع استمتاع جلالة الملك، مثل باقي المغاربة، بلحظات ما قبل أذان المغرب متجولا في أحياء الرباط متخففا من البروتوكول الرسمي، بل ينتقل من العاصمة الرباط إلى مدينة الدار البيضاء على مرأى من المغاربة بشكل عفوي باصطفاف على طول الطريق وسط المدينة بالمئات وبعبارات تظهر الود الذي يكنونه له وللملكية دون أن يكون لتساقط الأمطار تأثير على ذلك.
شاهد البيضاويون الملك يتجول قبل الأذان وكذلك بعد صلاة التراويح في أطراف المدينة، وهي جولات يعرف المغاربة جميعا أن فيها بعدا استجماميا يأخذ فيها الملك راحته ولكن هذا لا يخفي طابعها التفقدي الذي يتمثل في أنها جولات تفقدية يطلع فيها الملك على حالة المدينة وساكنتها ويدرك الجميع كم شكلت مثل هذه الزيارات والجولات من مؤشرات لتقييم أداء المسؤولين كل في مجال اختصاصه، كما نتذكر جميعا ما قاله جلالته في خطاب “إن الوقوف على أحوال الأمة، يتيح لنا الفرصة لتحديد مدى التقدم الذي حققناه، وذلك باستعمال جميع الآليات المعروفة، لقياس هذه التطورات”. تأمل مثل هذه المقولات تعطينا فكرة عن طريقة عمل الملك وإدارته لشؤون الدولة.
الحرص الذي يدير به جلالة الملك اختصاصاته والصرامة التي يتعامل بها مع كل المؤسسات للوفاء بالتزاماتها وعدم التساهل الذي يميزه في كل ما يرتبط بمصلحة المغرب والسلاسة التي تطبع كل تحركاته في الفضاء العمومي بين شعبه تبين أن الملك يفي بوعده للمغاربة ويحترم اختصاصاته واختصاصات كل المؤسسات ولا يتسامح في كل ما يضر المغرب، وهذا ما يصيب الطوابرية بالهوس لأنهم لم يستطيعوا مجاراة إيقاعه وفشلوا في كل خططهم للوقيعة بينه وبين المغاربة، أو بينه وبين المؤسسات السيادية التي تتولى حماية المغرب وأمنه واستقراره، أو بينه وبين الدول التي تعرف أن المغرب شريك فعال يحظى بالثقة والمصداقية.
ظلت ذكرى العاشر من رمضان كل سنة محطة تجسد الارتباط الشعبي بالملكية المواطنة التي بلغ ارتباطها بالمغرب والمغاربة حد التعرض للنفي في مشهد لا يقدر عليه إلا من كان ولاؤه فعلا للمغرب ويسترخص من أجله كل شيء. ذكرى هذه السنة كانت رسالة أخرى لكل مروجي الإشاعات عن صراع بين مؤسسات الدولة وفق هلوسات صراع المربعات والمثلثات والمكعبات.
كان ضريح محمد الخامس طيب الله تراه قبلة لكل ممثلي مؤسسات الدولة والمجتمع في رسالة أظهرت أن الجميع على قلب رجل واحد، وفي المقدمة زيارة جلالة الملك مرفوقا بولي العهد الأمير مولاي الحسن والأمير مولاي رشيد والأمير مولاي أحمد في مشهد متاح صوتا وصورة وهو كاف لإبطال كل الإشاعات المغرضة.
لم يمنع الكسر الذي أصاب الملك في كتفه الأيسر وخضوعه لفترة نقاهة أن يباشر مهامه ويظهر للعلن بدون مركب نقص لأنه أمير المؤمنين وملك إنسان ويعرف أن المغاربة يستوعبون هذه الدلالات، ولذلك ظل يمارس اختصاصاته بالشكل الذي لا يعطل مصالح الدولة ولا يضر بانتظامه في الخضوع للعلاج حتى التعافي. يحاول بعض مرضى النفوس تصوير ذلك وفق ما يخدم أحقادهم ولكن الأيام تثبت أن حبل الكذب قصير وتزداد كذبة على أخرى حتى يصير الطوابري كذابا لا يثق فيه حتى أقرب المقربين إليه، وهذا حال كثيرين ممن احترفوا هذه الأساليب.
هوس الطوابرية لا يوازيه إلا انفضاح انتقائيتهم وازدواجية شخصياتهم. لاحظنا هذا الأسبوع إشادة بعض دهاقنتهم بالقضاء وهم الذين شككوا دوما في استقلاليته، وهذا يذكرنا بالمتصابي فؤاد عبد المومني وشهادته عن حسن تعامل الفرقة الوطنية للشرطة القضائية معه طيلة مدة الاستماع إليه وتمتيعه بالسراح المؤقت بعد عرضه على وكيل الملك في المحكمة، وكذا تمتيع المعطي مول الجيب بالسراح المؤقت. أليس في هذه الشهادات تناقض وأنانية تبين طبيعة الطوابرية الذين يتصورون أنفسهم مواطنين بدرجة أعلى من غيرهم من المغاربة؟
امتنع المتصابي فؤاد الناعم بإقامة في سويسرا عن المثول أمام القضاء بمبررات واهية وكعادة الطوابرية، باشر بعد صدور حكم ابتدائي ضده إلى لعب ورقة العرائض التي توقعها العشيرة المتضامنة على الباطل لاستنكار حكم دون الاطلاع على حيثياته متناسين أن هذا الأسلوب متجاوز ولم يعد له مفعول.
تشتغل مؤسسات الدولة في احترام تام للدستور وللقوانين، والسلطة القضائية تتمتع باستقلالية، وهذا ما تؤكده قضايا كثيرة تروج في المحاكم بالآلاف، ولكن الطوابرية يركزون على القضايا التي تعنيهم وفق شعار “فري كلشي” و”تشديد القمع” و”تعميم المحاكمات” في كل مرة يعرض على القضاء واحد من مقاولتهم وكأنهم فوق القانون.
لم تعد تخفى عن المغاربة هذه الأساليب وأهدافها التي تجعلهم أول المتضررين منها لأن هناك يوميا مئات الأحكام تصدر عن المحاكم ولا أحد يشكك فيها بينما يقيم الطوابرية الدنيا ضد حكم هنا أو هناك بمنطق أن المدان “معارض” أو “حقوقي” أو “مناهض للتطبيع” أو غير ذلك من العناوين التي لا تعني في عرفهم سوى الإعفاء من تطبيق القانون والخضوع للمحاسبة.
يهدف الطوابرية بمثل هذه الأساليب إلى التأثير على القضاء حتى يعطل تنفيذ القانون، وغايتهم تعطيل عمل المؤسسات حتى يخلو لهم الجو لبث الفوضى في المجتمع لأنهم يحنون لزمن السيبة، ويرغبون في مصادرة حق المتضررين من أفعالهم في تقديم الشكايات ضدهم واللجوء إلى القضاء وترهيب وسائل الإعلام واحتكار وسائط التواصل الاجتماعي وملئها بالتشهير والأخبار الزائفة التي تصور المغرب دولة بدون قانون أو مؤسسات.
سليمان التونسي -“الحاصل” في المنزلة بين المنزلتين- بلغ به اليأس حد كراء حنكه لكل الأبواق الحاقدة على المغرب. صار متخصصا في نشر الترجمة الآلية عبر محركات البحث لكل ما يكتب ضد المغرب دون تثبت من احترامها للمهنية واعتمادها على معطيات صحيحة. ينسى أنه بنشره لتلك السموم يفضح هذه المنابر من حيث يريد تقديم خدمات لها لعلها تخصص له حيزا في المستقبل لأنه يشعر بأن النسيان يطويه ولم يعد يتواصل معه أي منبر نظير دريهمات يغطي بها بعض احتياجاته لأنه ألف العيش “بيليكي”. على سليمان أن يفهم أنه ليس الأول ولن يكون الأخير الذي ذاق مرارة السجن وأن عليه أن “يعري عن أكتافه” كما جميع أصحاب السوابق لتأمين لقمة عيشه وأسرته وليس انتظار “أعطية” أو الاستفادة من ريع اللجوء الذي يحلم به، وما على “الشريف” إلا أن يفهم أن “اليد العليا خير من اليد السفلى”. إن لم يفهم دلالة هذا الحديث فليرجع للشرفاء ليشرحوها له طالما أنه يذكر دائما بنسبه.
كيف يعقل أن جريدة لوموند تستسلم لمعايير بعيدة عن أبسط شروط المهنية وتقتصر على رأي واحد ومصدر معلومات ورطها في أكاذيب وتبنتها الجريدة بدون تمحيص أو تثبت؟ كيف لها أن تتبنى روايات “استهداف المعارضين السياسيين الأكثر شهرة بإجراءات قانونية تهدف إلى تشويه سمعتهم واتهامهم بالاغتصاب أو الاعتداء الجنسي أو الاختلاس”؟ هل حققت في هذا الأمر ولم تجد مشتكين؟ أو لم تجد أدلة مادية؟ لماذا هذه الاستهانة بحقوق الضحايا والمشتكين وعدم التواصل معهم لعرض روايتهم؟ هذه بضعة أسئلة تؤكد أن هذا المنبر ما يزال يكتب بوحي من جهات حاقدة ومن محبرة مسمومة ضد المغرب وهذا ما يجعل محتواه غير مهني ويصنفه ضمن المقالات المأجورة التي تخدم نفس الأجندة الطوابرية.
هذا النوع من المنابر مدعوّ أن يجري تحقيقا عن عدد القاصرين الموجودين تحت تدابير الحراسة في مراكز رعاية شؤون الأحداث وحماية الطفولة بفرنسا، كما يلزمها التحلي بالمهنية والتواصل مع المعنيين بهذه الملفات ومنحهم حق التعبير إن أرادت أن تكون صحيفة محترمة.
علي الملاوط الغارق في أسطورة البنية السرية وصل إلى درجة فقد فيها حاسة التمييز بين الحقيقة والخيال، ونزل إلى الحضيض وصار يهرف بما لا يعرف وينطق بما هو مقتنع أنه كذب. يستمر الملاوط في الغي غير مبال بما يوجه إليه من انتقادات ليؤكد أنه قلم مأجور لمن يدفع له ويرضي بعضا من غروره لأنه في ظنه يزوده بسكوبات ولكنها كلها مغالطات.
صار الملاوط يملك القدرة على تحويل موظف مدني إلى عسكري بل يرقيه بسرعة البرق ليمنحه صفة عسكرية عالية بدون تثبت، ويسمح لنفسه أن يكتب بوجه مكشوف بأن الوظيفة العمومية مفتوحة لمن هم في سن 16 سنة، ويجيز لنفسه أن يستعمل الفوطوشوب لإضفاء مصداقية على كذبه مما يسقطه في فخ التلفيق المتعمد لتضليل من يتابع روتينه السياسي، ويتحدث عن مؤسسة سيادية وهيكلتها الإدارية بدون اطلاع وهو الجاهل بأبسط أبجديات اشتغالها وتنظيمها. يظن الملاوط أن “حجاياته” تستهوي جمهور مواقع التواصل الاجتماعي حين يضفي عليها طابع النكتة التي تضحك المشاهد منه ومن سذاجته وتفضح عمالته لمن يدفع له من العالم الآخر، ولكنه سرعان ما يرى الحقيقة التي تعري كل أكاذيبه.
يعبر علي الملاوط بأكاذيبه عما يجول في خاطر مشغليه من العالم الآخر الذين يتمنون أن يحصلوا على ما يسوقونه ضد المغرب. ليطمئن الملاوط ومن يشغله أن المؤسسات السيادية تعمل وفق ضوابط تجعل الترقي داخلها يخضع لمعايير صارمة، وأساليب الإثارة والتخويف والترميز لبعض الجثث وتحويلها إلى بعبع وادعاء أنها تملك مفاتيح المغرب لن تنطلي على المغاربة وغير المغاربة. وبيننا الأيام وسيرون أنهم يسكبون الماء في الرمل بدون طائل، فهذه المملكة الشريفة محصنة من أي اختراق وحماتها أوفياء لها ولملكها وشعبها ومؤسساتها.
حالة السعار الذي يصيب الطوابرية هي ترمومتر لقياس درجة التصدع والانزعاج الذي يصيب نظام الكابرانات الذي أصبح مصابا بفوبيا المغرب، ويطلق كل أدواته للنيل منه ولو بالأكاذيب وإحياء “الموتى” وترميز مجهولين كما يحدث مع كاريون الإسباني الذي قضى حاجته بأمثال سليمان وزيان ويبحث عن ضحايا جدد لإرضاء نظام الكابرانات.
يعيش نظام جارة السوء محنة غير مسبوقة، وصار يرى في كل ما يقوم به المغرب استهدافا له وتهديدا لأمنه رغم أنه لا يعنيه. آخر انزعاج عبرت عنه الخارجية الجزائرية هو مشروع المناورات العسكرية الفرنسية-المغربية المبرمجة في سبتمبر المقبل بالراشيدية التي لا جدال في أنها جزء من التراب المغربي، وقرار المناورات شأن سيادي للدولتين المعنيتين به، ولذلك يستغرب من هذا الانزعاج الجزائري الذي يتجاهل سوابق جزائرية أكثر استفزازا مما يعتزم المغرب القيام به. هل تناست الخارجية الجزائرية مناورات “اكتساح 2018” زمن كان أحمد قايد صالح هو رئيس أركان الجيش الجزائري، واستعملت فيها الذخيرة الحية، وتمت بمحافظة بشار غرب الجزائر قرب الحدود المغربية؟ هل تناست تمرين “طوفان 2018” بوهران المجاورة للمغرب والذي وصف حينها بالأكبر في تاريخ البحرية الجزائرية؟ هل تناست مناورات “درع الصحراء 2022” بولاية بشار بشراكة مع روسيا على الحدود المغربية؟ أين يمكن تصنيف هذه المناورات بمنطق الخارجية الجزائرية؟
هذه بضعة أمثلة تبين أن فوبيا المغرب تمكنت من هذا النظام فأصبح يرى في كل عمل سيادي مغربي تهديدا له لأنه يبحث عن تهييج الجزائريين باصطناع عدو خارجي يوحد به جبهته الداخلية للتغطية على فشله وإخفاقاته وعدم وفائه بوعوده للجزائريين وكذبه الذي يفضح في مدة قصيرة، ومن ذلك انكشاف كذب وزارة الفلاحة التي ادعت سابقا أنها لن تستورد أضاحي العيد بسبب توفر المنتوج المحلي ثم سرعان ما تراجعت لتعلن قرار البدء في إجراءات استيراد مليون رأس ماشية لتغطية الخصاص بمناسبة عيد الأضحى.
قطع المغرب أشواطا في الجهوية المتقدمة وتفعيل اللامركزية واللاتمركز. يقتضي هذا الأمر تحمل هذه الوحدات الإدارية مسؤوليتها في مجال ونطاق اختصاصها إعمالا للمبدأ الدستوري الذي يربط المسؤولية بالمحاسبة.
ما عشناه هذه الأيام التي أكرمنا الله فيها بأمطار خير بعد فترة انقطاع طويلة كان يلزم أن يكون مناسبة للفرح بهذه النعمة التي سترفع نسبة حقينة السدود الوطنية، وتمنح للفلاحة المغربية فرصة للانتعاش في بعض المجالات، وتسد خصاصا لدى الكسابة بما يرتبط بالعلف مما سيرفع عدد المواشي في المغرب إن نحن أحسنا تدبير ذلك، ولكن ما رافق هذه التساقطات من نقائص يفتح الباب أمام تساؤلات كثيرة حول الدور الذي تضطلع به الكثير من هذه المؤسسات.
لنبدأ من أوضاع ضحايا زلزال الحوز التي تفاقمت مع هذه التساقطات مما جعلهم عرضة للبرد والأمطار. من يتحمل مسؤولية هذا الوضع؟ لماذا لم تنجز بعد مساكن لهؤلاء وفق ما تم التعهد به أمام جلالة الملك في اجتماع مبكر مباشرة بعد كارثة الزلزال؟ من له المصلحة في الإساءة للمغرب الذي كان المغاربة فيه نموذجا عالميا للتضامن والتماسك خلال تلك الكارثة؟
يلزم أن تجعل الحكومة هذا الموضوع أولوية بتسريع وتيرة استكمال بناء وإيواء المتضررين من الزلزال ومراعاة مشاعر المغاربة الذين تتفطر قلوبهم حزنا مما يرونه من مشاهد، بل إنه يجب على كل السلطات أن تحدد سقفا زمنيا لذلك وتتعهد أمام المغاربة بالإنجاز.
وضعت المؤسسات لخدمة المغاربة ونالت ثقة الشعب في انتخابات من أجل ذلك، والمنطق الانتخابي يجب أن لا يرهن عمل هذه المؤسسات فتدخل في حسابات انتخابوية قبل الأوان، وقد سبق أن حذرت في بوح سابق من انزلاق انتخابوي يجعلنا نعيش سنة بيضاء ينشغل فيها من يتحمل مسؤولية إدارة الشأن العام إلى كائن انتخابي يحسب فقط الزمن الذي تبقى عن انتخابات 2026.
ما ينشر من كوارث في الكثير من الجماعات الترابية بعد الأمطار يلزم السلطات الوصية باتخاذ إجراءات صارمة لتفعيل المراقبة والمحاسبة لأن المغرب المقبل على استضافة تظاهرات عالمية لا يقبل هذا التقصير والتهاون براحة الساكنة التي تستحق عيشا كريما وبنية تحتية في المستوى. لنتذكر قولة ملكية مهمة يمكن اعتبارها ميزانا لوزن حصيلة كل مؤسسة: “أنا لا تهمني الحصيلة والأرقام فقط، وإنما يهمني قبل كل شيء، التأثير المباشر والنوعي، لما تم تحقيقه من منجزات، في تحسين ظروف عيش جميع المواطنين”. يلزم أن تتواصل كل هذه المؤسسات بشكل منتظم ودائم مع المغاربة لتوضيح أسباب أي تأخر أو تعثر فهذا حقهم عليهم وواجب هذه المؤسسات تجاههم وهو الذي يعزز الثقة في المؤسسات والعملية الانتخابية.
الخشية أن نصبح في مغرب واحد ولكن بإيقاعات مختلفة لأن بعضا من غير القادرين على مواكبة إيقاع التطور متمسكون بمناصب المسؤولية بحجة المشروعية الانتخابية.
يطرح هذا أكثر من سؤال على طرق الانتقاء الحزبي والمواكبة الحزبية لهؤلاء المنتخبين، كما يطرح سؤالا على الأدوار الرقابية لمؤسسات المجتمع المدني لتفعيل الآليات التشاركية المتاحة دستوريا وقانونيا.
ونلتقي في بوح قادم.
