محاربة الشناقة طريقنا لخفض الأسعار
فرحة المغاربة لا تقاس هذه الأيام، فمع إلغاء شعيرة الذبيحة لهذا العيد، تم تخفيف عبء كبير على جزء واسع من الطبقات المحرومة بالمغرب، فأصحاب الدخل المتوسط والمحدود وجهوا ما كان يأخذه منهم كبش العيد وذبيحته من مصاريف نحو مجالات تُحسن مستوى العيش على الأقل وتخفض تكلفته، وجاءت رحمة السماء بما حبا الله المملكة من أمطار الخير في شهر مارس الذي يقيس به الفلاحون مستقبل منتوجهم وجودة الصابة، لتكون رحيمة بالفلاحين ومربي الماشية لا الوسطاء الذين كانوا يكتنزون الأرباح «بلا موجب ولا شرع»، سوى الربح الذاتي والأناني على حساب المواطنين البسطاء، بحيث إلى جانب تحسين الفرشة المائية وإثراء خزينة السدود، شرعت الأمطار الوفيرة التي عرفتها مختلف مناطق المغرب أبواب الأمل في موسم فلاحي جيد، بعد أن خرجنا من عنق الزجاجة أي من أخطر مرحلة جفاف عرفته بلادنا لخمس سنوات متتالية، وهو «جفاف التربة» …
هذه الأمطار ستساهم بشكل كبير في تخفيف العبء على الفلاحين ومربي المواشي بما تخلقه من كلأ طبيعي بدل تكلفة العلف الباهظة، خاصة أن عدم بيع المواشي بمناسبة العيد الكبير سيؤدي إلى تحسين وضعية قطيع الأغنام والأبقار بالمملكة. لكن مع ذلك هناك من ينغص على المواطنين هذه الفرحة وهم الشناقة أي وسطاء أسواق الأغنام والخضر والفواكه وغيرها، أي الأشخاص الذين يتوسطون بين الفلاحين أو المنتجين والمستهلكين، حيث يقومون بشراء المنتجات الزراعية مثل الخضر والفواكه والمواشي بأسعار منخفضة ثم يعيدون بيعها بأسعار أعلى في الأسواق.
الشناقة لا يمتلكون لا المنتجات الزراعية ولا المواشي، بل يتعاملون مع الفلاحين والمربين كمستثمرين أو وسطاء لنقل المنتجات إلى السوق. يقدمون أنفسهم كمساعدين للفلاحين في تسويق منتجاتهم بأسعار أعلى من أسعار البيع المباشر، وبذلك يتحكمون في الأسعار من خلال تقديم منتجاتهم إلى الأسواق عبر عدة مراحل قبل وصولها إلى المستهلك النهائي، بأسعار متفاوتة وفقًا للعرض والطلب. وهو ما يتسبب في رفع الأسعار بشكل غير مبرر على المستهلكين خاصة من الطبقات المحدودة الدخل، مما يجعلهم عرضة للانتقاد من طرف المواطنين الذين يشعرون بارتفاع أسعار المواد الأساسية، إذ أن الهاجس الأساسي للشناقة من نقل السلع بين الأسواق هو تحقيق الأرباح، حيث يقومون بشراء السلع من مناطق بعيدة بأسعار منخفضة، ثم نقلها إلى الأسواق الأكثر اكتظاظًا وبيعها بأسعار مرتفعة. لذلك يساهمون في رفع أسعار الأغنام والخضر عن طريق زيادة هوامش الربح، ما يؤدي إلى الضغط على الطبقات الفقيرة والمتوسطة في المجتمع.
في بعض الحالات، يسيطر الشناقة على سوق معين من المنتجات الزراعية أو الحيوانية، ما يؤدي إلى الاحتكار وتحديد الأسعار وفقًا لرغباتهم، مما يضر بالتنافسية في السوق. فقد يبيع الشناقة المنتجات ذات الجودة المنخفضة بأسعار مرتفعة أو العكس، مما يؤدي إلى خداع المستهلكين في الكثير من الأحيان.
وهو ما يفرض ضرورة البحث عن سبل ناجعة للقضاء على سلبيات دور الوسطاء والشناقة عبر تعزيز الرقابة وتنظيم السوق، من الضروري أن تتدخل السلطات المحلية لفرض رقابة صارمة على الأسعار وجودة المنتجات في الأسواق. كما يمكن وضع قوانين تنظم دور الوسطاء وتمنع الاحتكار أو الممارسات التجارية غير النزيهة، وتشجيع البيع المباشر بين الفلاحين والمستهلكين، بحيث يمكن إنشاء أسواق محلية أو معارض تُتيح للفلاحين بيع منتجاتهم مباشرة للمستهلكين دون الحاجة إلى وسطاء. هذا سيقلل من تكاليف الوساطة ويساهم في خفض الأسعار.
ولعقلنة توريد السوق المحلية والتحكم في أسعار عادلة يجب على الدولة تشجيع إنشاء تعاونيات فلاحية تساهم في تحسين القدرة التفاوضية للفلاحين في تسويق منتجاتهم، وبالتالي يمكنهم بيعها بأسعار مناسبة بعيدًا عن تدخل الشناقة الذين يرفعون الأسعار بشكل مفرط. كما يجب إبرام عقود واضحة بين الفلاحين ومربي المواشي والوسطاء، تحدد الأسعار بشكل عادل وتحمي حقوق الفلاحين من الاستغلال، وتحسن مستوى الشفافية في التعاملات التجارية.
