بوح الأحد: شكرا سي حموشي المغرب المستقر مدين لكم بالكثير…
بوح الأحد: شكرا سي حموشي المغرب المستقر مدين لكم بالكثير، مهندس استراتيجية التصدي للإرهاب من إجهاض مخطط “ذئاب الفاميليا” في حد السوالم إلى مدريد لتعزيز التعاون الدولي، أين المصابين بإسهال التدوين و اللغو…
أبو وائل الريفي
كنا صباح الأحد الماضي مع حدث يحمل أكثر من معنى ويستحق الوقوف عند دلالاته المتعددة. أحبطت المخابرات المغربية كعادتها مخططا إرهابيا وشيك التنفيذ لأن مراحل الإعداد له وصلت أشواطا متقدمة. تطلب إحباط هذه العملية تنسيقا ثلاثيا بين القوة الخاصة التابعة للمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، وعمداء وضباط المكتب المركزي للأبحاث القضائية، وبتعاون ميداني مع عناصر الفرقة الجوية والمركز القضائي للدرك الملكي.
أول ما يلفت الانتباه هو توقيت العملية. دلالة التوقيت تكتسي أهمية قصوى بحكم تزامن هذه المحاولة مع استحقاقات مغربية ذات صبغة قارية وعالمية، مع ما سيرافقها من انتعاش في قطاعات عدة وتطوير للبنيات التحتية التي ستعود بالنفع على المغاربة جميعا، ودخول الإعداد مراحل متقدمة مع بداية عام 2025. فمن أراد أن ينغص على المغرب والمغاربة هذه الاستحقاقات؟ وفي نفس الإطار تتزامن هذه المحاولة مع حالة فوضى في بؤر توتر كثيرة تبعث رسائل لدول عديدة بأنها معنية بالفوضى التي يمكن أن تعم المنطقة، ونتحدث هنا عما يحدث في سوريا والساحل الإفريقي وغيرها. فمن يريد أن يلحق المغرب بهذه البؤر؟ ومن له مصلحة في تحريك هذه الخلايا النائمة أو الذئاب المنفردة في هذا التوقيت بالضبط بالمغرب؟
لا شك أن الكل يعرف بأن المغرب مستهدف بالإرهاب لأنه كان واضحا منذ اليوم الأول بأنه شريك في محاربته وقدم خدمات عالمية لإحباط عملياته وكان مسارعا في التعاون الدولي لتطويق انتشاره، ولكن التوقيت واختياره كان مدروسا بعناية وهدفه إرباك مؤسسات الدولة في مرحلة غاية في الدقة وفي ذروة الاستعداد لربح رهان تنظيم مجموعة من الفعاليات التي يراهن عليها المغرب والمغاربة لوضعهم في مصاف الكبار.
من دلالات التوقيت كذلك محاولة صرف العالم عن الانتصارات التي يحققها المغرب بتصويره دولة مهزوزة ومخترقة وغير محصنة ضد الخطر الإرهابي، وإشغال المغرب عن تلك الانتصارات بمواجهة هذا الخطر وتصويره كدولة فاشلة ومؤسساتها ضعيفة.
من هنا تكمن قيمة إحباط هذه العملية التي لا يجب الاستهانة بها لو كتب لها، لا قدر الله، النجاح، لأنها كانت ستدخلنا في متتالية من التراجع عما عهد عن المغرب من نجاح في تدبير المخاطر الإرهابية. ومن أهم ما يؤكد هذا الرهان الإرهابي أن أعضاء الخلية وثقوا بشكل مسبق إعلان المسؤولية عن هذا المخطط الإرهابي الذي كانوا يعتزمون تنفيذه لنشر إعلان تبني المسؤولية مباشرة بعد تنفيذ مخططهم، وبذلك يحققون “الشو” الإعلامي الذي يفوق أحيانا أثرُه حجمَ العملية الإرهابية ويستغرق مفعولُه زمنا طويلا وينشر الرعب الدائم في أوصال المجتمع، وتزداد الخطورة إن علمنا طبيعة التدريبات التي تلقوها من داعش عبر الوسائل السيبرانية لتنفيذ عمليات محتملة للقتل والتمثيل بالجثث باستخدام أساليب التعذيب، فقد كانوا يتوصلون بأشرطة من تنظيم داعش توثق لعمليات الإعدام خارج إطار القانون باستخدام التعذيب وقطع الرأس، وغيرها من الأعمال البشعة، بغرض الاسترشاد بها في عملياتهم المرتقبة، علاوة على المراهنة على عمليات التفجير لإحداث أكبر خسائر ممكنة في الأرواح والممتلكات، وهذا كذلك يتضح من خلال المحجوزات التي تتكون من مواد لإعداد العبوات المتفجرة ذات الخطورة العالية والقوة الانفجارية المرتفعة والدمار الذي يمكن أن تلحقه بمكان الانفجار والأسلحة البيضاء التي كانت بحوزتهم.
دلالة مكان التنفيذ تكتسي أهمية لا تقل عن سابقتها. كشفت الأبحاث والتحريات نفسها أن عنصرين من الشبكة قاما بزيارات استطلاعية في أماكن متفرقة وفي أوقات مختلفة وثقوا خلالها بالصور وبتسجيلات الكاميرا العديد من الأهداف المحتملة لمخططاتهم الإرهابية، وقاما برسم تصاميم تقريبية للأماكن المستهدفة، وممرات الهروب المرتقبة، وكيفية هروبهم من مكان التفجير المفترض، وهذا كله يدل أن العملية كبيرة وكانت تستهدف أماكن متعددة حتى يكون الوقع أكبر. تؤكد المعطيات أن أعضاء الخلية كانوا يحضرون للقيام بعمليات تفجيرية تستهدف مقرات أمنية حساسة، فضلا عن أحد الأسواق الممتازة، ومحلات عمومية تستقبل الزبائن والأجانب.
يتعلق الأمر في هذه العملية التي أفشلتها القوات العمومية بمنطقة تشهد كثافة سكانية واستقطابا عمرانيا ملفتا. حد السوالم أصبحت مدينة قائمة بذاتها وقربها من العاصمة الاقتصادية ومن برشيد وسطات ومطار محمد الخامس يعطيها “جاذبية” كبيرة لهذه التنظيمات التي تفضلها على غيرها لإحداث الأثر المضر بالمغرب. تزخر هذه المنطقة بوحدات صناعية معتبرة، ولذلك فاستهدافها رسالة مبطنة بأن الهدف هو إيلام المغرب وإلحاق الضرر به اقتصاديا باستهداف القوة الاقتصادية والتجارية للمغرب. الهدف كان ضرب الاستثمار والصناعة، وخاصة أن هذه المنطقة تعرف استقطاب رؤوس أموال للاستثمار في منطقة واعدة.
يؤشر مكان الاستهداف على تحول نوعي في نمط اشتغال الإرهابيين لأن في ذلك عودة للمدن الكبرى وذات الكثافة السكانية والمرافق شديدة الحساسية، وهو ما يبين حالة الضرر التي يسببها المغرب للإرهاب ومن يقف وراءه، ولذلك فقد عمي بصرهم وطمست بصيرتهم ولم يعد أمامهم إلا بذل قصارى الجهد لإلحاق الضرر بنا.
وهذا ينقلنا إلى الشق الثالث اللازم فهمه لاستيعاب خطورة جريمة الأحد المجهضة والذي كان يمكن أن يسقطنا في حمام دم ويخيف المستثمرين لأن رأس المال جبان ويرعب السياح لأن دافع تفضيلهم للمغرب هو الاستقرار ويقلص الثقة في المؤسسات التي صارت أسهمها مرتفعة في عالم الحرب على الإرهاب. إنه طبيعة من أوكل لهم الراعي الإرهابي الدولي تنفيذ هذه العملية.
يتعلق الأمر بشبكة من أربعة أشخاص مشتبه فيهم، ضمنهم ثلاثة إخوة، ولذلك يمكن أن تسمى بـ”خلية الأشقاء الثلاثة”. شبكة محدودة ومن الصعب انتشار خبرها أو كشف مخططها لأن اجتماع هذا العدد بمثل هذه المواصفات لا يثير الانتباه، وخاصة في محيط آهل بالسكان لأن المكان الذي اختاروه للإعداد شقة في السكن الاقتصادي بحد السوالم. تطرح هذه الخاصية إشكالا جديدا يرتبط بالاستقطاب الأسري كرافد للتجنيد يعكس تحولا في استراتيجية داعش، وهي واقعة متكررة تؤكد تواتر اعتماد هذا الأسلوب الذي صار الأنسب للاستقطاب الداعشي. المثير في هذه الخلية أن أعضاءها “اتخذوا تدابيرهم الاحتياطية؛ بما في ذلك حلق اللحى ومحاولة استخدام المنزل الرئيسي كمختبر لصناعة المتفجرات، ثم التنويع بين محلات العقاقير التي تم الولوج إليها. كما أن الشقيق الأكبر كان يريد نقل أبنائه إلى منطقة الساحل، في وقت تحاول المنظمات الإرهابية توفير الظروف المعيشية للعناصر التي تحاول استقطابها”. وهي كلها معطيات تفيد أن العملية كانت في مراحلها الأخيرة.
وبخصوص السن يبقى الرهان دائما على الفئة العمرية الذهبية في عرف التنظيمات الإرهابية حيث يبلغ الأربعة على التوالي 26 و29 و31 و35 سنة، مع التذكير بأن التحريات تثبت رهانا آخر على القاصرين لأنه يسهل تنشئتهم على الفكر المتطرف بالغسيل المبكر لأدمغتهم وخاصة إن ارتبطوا بعائلاتهم في مناطق التوتر ويعايشون فيها يوميا تلك المناظر المشمئزة. وقد أعلن مدير البسيج رقما مزعجا بهذا الصدد وهو يؤكد بأنه يوجد 382 طفلا، منهم أكثر من 50 قاصرا، رافقوا أسرهم إلى بؤر التوتر بين سنتي 2013 و2015، وقد بلغوا الآن سن الرشد، ومنهم من تلقى تدريبات قتالية كما هو حال القاصر ابن المقاتل إبراهيم الحلي، الذي شارك في سنة 2015 في مسابقة للفئات اليافعة من مختلف الجنسيات المنضوية تحت ما يسمى ب”أشبال الخلافة”، وكانت جائزته على تفوقه، هي القيام بإعدام جندي سوري أسير بواسطة مسدس أطلق منه رصاصتين بكل برودة على رأس هذا الأخير.
لم يحدث جديد حول الفئات الاجتماعية المستهدفة من الدواعش، فالملاحظ أن أعضاء هذه الخلية ينحدرون من أوساط اجتماعية بسيطة وتعليمهم متدني جدا لا يتجاوز السادس ابتدائي بالنسبة للأشقاء الثلاثة ومستوى البكالوريا للشخص الرابع، واثنين منهم فقط متزوجان ووضعيتهم المهنية بسيطة يكتفون بمزاولة مهن وحرف متواضعة وعرضية باستثناء شخص واحد انقطع مؤخرا عن مزاولة أي نشاط مدر للربح.
الجديد كذلك في هذه العملية الموءودة هو طبيعة الارتباطات بين هؤلاء الأربعة ومن سبقهم من الدواعش المغاربة وكذا الولاء لتنظيم داعش الإرهابي ورغبتهم في النفير الجهادي إلى الساحل الإفريقي والالتحاق ببؤر التوتر هناك. لقد وثق، عبر مقطع فيديو مصور، أعضاء الخلية بيعتهم المزعومة للأمير، كما كشفت المعطيات أن لهذه الخلية علاقات وثيقة بتنظيم داعش في دول الساحل. وهذه معطيات تؤكد الخطورة التي صارت تشكلها منطقة الساحل، فمنذ نهاية سنة 2022، تم رصد مغادرة 130 من المتطرفين المغاربة إلى ساحات “الجهاد” الإفريقية في الصومال والساحل، من بينهم معتقلون سابقون في قضايا الإرهاب، ومقاتلون سابقون في سوريا، كما تشير المعطيات الإحصائية بأن السلطات المغربية فككت أزيد من 40 خلية إرهابية على علاقة وطيدة بفروع القاعدة أو “داعش” بالساحل الإفريقي، بل إن الهجوم الذي شنه فرع “داعش” بالصومال على ثكنة عسكرية للقوات الصومالية بمنطقة بونتلاند بتاريخ 31 دجنبر 2024، شهد مشاركة مغربيين كانتحاريين في عملية التنفيذ.
لقد أصبحت إذن منطقة الساحل مصدر تهديد حقيقي بالنسبة للمغرب حيث صارت علامة مشتركة بين أغلب المتطرفين الذين تم اعتقالهم منذ عام 2022، ومعظمهم خطط للقيام بمشاريع تخريبية بالمغرب قبل الالتحاق بهذه المنطقة، كما أن قياديين بارزين في تنظيم داعش بمنطقة الساحل كانوا يتولون مهمة التوجيه والتأطير عن بعد لصالح الخلايا المحلية، مثلما هو الشأن بالنسبة لخلية حد السوالم.
كل هذه معلومات تعكس تحولا في تفكير الذئاب المنفردة المتناثرة في الجغرافيا المغربية والتي صارت تحن للنفير الجهادي العالمي.
يكشف ما رشح حتى الآن أن هذه العملية لم تكن سوى مقدمة لهذا النفير الجهادي وأنها جزء من مخطط فتنة يراد منه إقحام المغرب في مواجهة مباشرة وميدانية مع الإرهابيين وتصويره كحقل لتفريخ الخلايا الإرهابية وكمصدر إزعاج للجيران الأفارقة في الساحل. ويكفي القول بأنه تم توقيف 600 متطرف منذ سنة 2016، من رواد منصات التوصل الاجتماعي، ممن كانوا يخططون لتنفيذ مخططات إرهابية على طريقة الذئاب المنفردة، الذي كان يشجع عليه داعش في إطار حرب الاستنزاف التي يخوضها ضد أعدائه. هذه الأرقام تبين كذلك كيف أصبح الفضاء السيبراني ساحة استقطاب وتجنيد ومصدر تهديد متنامي، وخاصة بالنسبة للقاصرين ما بين 14 و17 سنة، بسبب سعي التنظيمات الإرهابية إلى استغلال حداثة سن هذه الفئة العمرية التي يكون لها ارتباط وثيق بشبكات التواصل الاجتماعي، وطبائعها السلوكية المرتبطة بالرغبة في المغامرة والمجازفة، من أجل الزج بهم في عمليات إرهابية. وفي هذا الصدد يسجل على هذه التنظيمات تنامي إساءة استخدام تكنولوجيا المعلومات وتقنيات التواصل الحديثة لخدمة المشاريع الإرهابية، واستخدام الشبكات التواصلية لإنشاء تجمعات افتراضية.
هذه كلها معلومات تبين حقيقة الرهان الإرهابي على العملية المجهضة بحد السوالم نهاية الأسبوع الماضي، وتثبت التخوفات من تحول منطقة الساحل الإفريقي إلى مصدر تهديد دولي، وهذا يتطلب تظافر جهود كل دول المنطقة وأصحاب المصالح فيها لتطويق هذا الخطر.
الدلالة الرابعة ترتبط بصيغة التفكيك وطبيعة التدخل الأمني، وهي صيغة تثبت ما صار يشهد به العالم كله للمؤسسة الأمنية من مهنية واحترافية وكفاءة. أبان كشف هذا المخطط قبل انتقاله للتنفيذ المادي عن درجة اليقظة والاستعداد والاستباقية التي تطبع العيون الساهرة على أمن البلاد الذين يستعملون وسائل تتبع وتعقب ورصد غاية في الفعالية والنجاعة. رغم صعوبة الانتباه لعمل الخلية بحكم الروابط العائلية والجغرافية لأعضائها التي لا تثير الريبة فقد أسفرت عملية التتبع الدائمة أن المشتبه فيهم قاموا، في يوم واحد، بارتياد أربع محلات لبيع العقاقير بمنطقة حد السوالم واقتنوا منها مواد كيميائية أولية تستعمل في صناعة المتفجرات، قبل أن يعمدوا لتخزينها بمنزل أحدهم وتحضيرها للقيام بعمليات تجريبية لصناعة الأجسام المتفجرة. هذه من صيغ التتبع التي ينفرد بها المغرب وتؤكد نجاعة الوسائل التي يستعملها، وكان لها الفضل الكبير في كشف المخطط الإرهابي قبل تحوله إلى عمل دموي يفتك بالبشر والممتلكات.
تفتح هذه الصيغة في تفكيك هذا المخطط الباب للحديث عن الاستراتيجية المغربية لمحاربة الإرهاب. ها هي مرة أخرى تثبت نجاعتها وفعاليتها وطابعها الوقائي الاستباقي. لا يمكن النظر لتفكيك هذا المخطط بمعزل عن الاستراتيجية العامة للدولة. هذه العملية تندرج في إطار الجهود المبذولة من طرف المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني من أجل مكافحة الجريمة الإرهابية والتصدي للخطر الإرهابي وهي جهود تتكامل مع جهود مؤسسات أخرى أظهرت نجاحها. وقد شكلت الندوة الصحفية التي عقدها المكتب المركزي للأبحاث القضائية “البسيج”، وسط الأسبوع، أمام وسائل الإعلام الوطنية والدولية مناسبة لعرض الحصيلة الوطنية والتي يستفاد منها أن الخطر الإرهابي قائم ولا يمكن الاستهانة به بدليل عدد المشاريع الإرهابية التي استهدفت المغرب خلال هذه المدة وعدد من تم توقيفهم، كما يستفاد منها أن المؤسسات الموكول لها حماية أمن المغرب والمغاربة يقظة وتتصدى بنجاح لهذه المخططات في الوقت المناسب وقبل تحولها إلى عمليات في الميدان.
ما يميز الاستراتيجية المغربية في محاربة الإرهاب هو استنادها على معطيات ومعلومات دقيقة ودراسات محينة للتحولات التي تعرفها التنظيمات الإرهابية وطرق اشتغالها ولذلك نكتشف عند تفكيك أي مخطط إرهابي تفوق المؤسسة الأمنية على منطق اشتغال هذه المنظمات الإرهابية. وهذه من أهم الأسباب التي تجعل المغرب مطلوبا في التعاون الدولي لأن كفاءته البشرية وخبرته الميدانية أثبتت غير ما مرة قدرتها على فهم أعمق وأسبق للعقل الذي يدبر هذه المنظمات.
ما يميز كذلك الاستراتيجية المغربية في محاربة الإرهاب هو انتصارها للمنطق الحقوقي واحترام القانون وسلطة القضاء. بمجرد كشف هذه الخلية وإحباط هذا المخطط وانتهاء التدخل الأمني تم الاحتفاظ بالمشتبه فيهم الأربعة الموقوفين تحت تدبير الحراسة النظرية، وانطلاق المرحلة الموالية من البحث القضائي الذي يباشره المكتب المركزي للأبحاث القضائية تحت إشراف النيابة العامة المكلفة بقضايا الإرهاب، والهدف هو تمكين المعنيين من حقهم القانوني والحقوقي وكشف جميع الارتباطات المحتملة لهذه الخلية بالتنظيمات الإرهابية الإقليمية والعالمية، وكذا تشخيص وتوقيف كل العناصر المرتبطة بها.
في هذه المقاربة إبطال لعمل من يبحث عن الاصطياد في المياه العكرة وتحميل المغرب ومؤسساته تكلفة حقوقية مرتفعة. يحسب لمؤسسات الدولة وعيها بهذا المجال وعدم إغفالها لتبعاته السلبية، واحترامها للتشريعات الجاري بها العمل ولدور كل سلطة على حدة. الملف الآن عند القضاء وهو وحده يباشر المساطر الخاصة بفك حيثيات هذا العمل الإرهابي وخلفياته ومن يقف وراءه.
ما يميز هذه الاستراتيجية هو شفافيتها وحرصها على التواصل وتزويد الرأي العام الوطني والدولي بكل العناصر والمعطيات لاستيعاب خطورة هذا التهديد دون المس بسرية البحث. وقد شكلت الندوة الصحفية وما راج فيها من معلومات كنزا ثمينا ومعطيات غزيرة ومفيدة وغنية للمهتمين بهذه الظاهرة للوقوف على حجمها ومخاطرها. ومرة أخرى تثبت المؤسسة الأمنية أنها تواصلية بامتياز، وهو ما يسد الباب على ترويج الشائعات ويبطل هدف من يريدون من هذه المؤسسة الانكفاء على الذات وترك الفضاء العام فارغا لترويج الأباطيل.
لقد نجحت المؤسسة الأمنية في ربح رهان التواصل والتوعية بخطورة هذا العمل الإرهابي بكفاءة وحرفية تزيد المغاربة اطمئنانا أن هذه المؤسسة غنية بالكفاءات في المجال الأمني بمفهومه الحديث الذي لا يقتصر على العمل الشرطي التقليدي ولكن يتعداه لمجالات أخرى تتطلب تكوينا صلبا تتلقاه الموارد البشرية المكلفة بمهمة حماية أمن البلاد. وهذه بعض من ثمار التحول الهادئ والعميق الذي تشهده المؤسسة الأمنية.
الدلالة قبل الأخيرة المرتبطة بهذا الحادث هي عناصره في الميدان التي تفاعلت معه مباشرة وحتى بعد انتهائه. يسجل أن الموجود في الميدان هو الشعب والقوات الأمنية فقط.
حضر في عين المكان وقت الحادث المغاربة ذوو الفطرة السليمة المؤمنون بالوطن، هؤلاء هم من تجاوبوا بشكل مذهل مع التدخل الأمني واستنكروا بشعارات معبرة هذا العمل الإرهابي ومن يقف وراءه ووقفوا وقفة احترام للمخاطرة التي عرضت لها القوات العمومية نفسها لإحباط مخطط إرهابي كان يمكن أن يحول المنطقة إلى بحر من الدماء والخراب.
أكد الشعب بحضوره في عين المكان أنه الحاضنة الشعبية للمؤسسة الأمنية، وأنه يعي جيدا خطورة هذا المخطط وأهدافه وانعكاساته السلبية على المنطقة خاصة والمغرب بصفة عامة. يؤكد هذا الحضور الشعبي هذه الحقيقة التي سبق أن ذكرنا بها في أكثر من مرة، ويتأكد كذلك أن المؤسسة الأمنية ربحت رهان الثقة الشعبية وأصبح المغاربة يرون فيها مكسبا وطنيا استراتيجيا وضامنا لاستقرار البلاد ولأمنهم.
العنصر الثاني الذي كان في الميدان هو عناصر القوات الأمنية بمختلف تشكيلاتها وتجهيزاتها الذين استرخصوا أرواحهم من أجل أمن وعزة المغرب. تؤكد تلك الأعداد وتنوعها والتجهيزات التي رافقتها حجم الخطورة التي يكتسيها المخطط المجهض، وتؤكد كذلك الجاهزية الأمنية للمغرب، ولذلك فقد كان يوم الحدث مناسبة أخرى أرسلت فيها الدولة المغربية رسائل لكل من يهمه الأمر أنها على أتم استعداد لإحباط أي مخطط إرهابي يستهدف النيل من المغرب ويريد التنغيص على المغاربة ويروع زوار المغرب ويشوش على الاستحقاقات التي سيعرفها المغرب مستقبلا.
غاب عن الحدث كالعادة بعض المصابين بإسهال التدوين ضد المغرب من المحسوبين على المغاربة. لن ينسى المغاربة الصمت الذي أصاب الكثير من الطوابرية وتجاهلهم للحدث وكأن استقرار المغرب وأمن المغاربة لا يعنيهم، أو كأنهم كانوا ينتظرون الفرح الذي غاب عن صفوفهم منذ مدة.
الدلالة الأخيرة لهذا الحدث ترتبط بشخص يؤكد في كل مرة جدارته بالثقة الملكية التي وضعها فيه جلالة الملك. مهندس هذا التصدي ليس إلا عبد اللطيف حموشي الذي قهر الكل بعمله في صمت واختياره أن يتحدث عنه عمله وإنجازاته. يؤمن حموشي بأن عمله هو تأمين استقرار المغرب وراحة المغاربة بنكران ذات وعدم مبالاة بما يشاع ويروج ضده من أكاذيب لأن الأهم عنده هو ثقة الملك والشعب ومؤسسات الدولة. يعي حموشي جيدا أنه في فوهة المدفع وقد اختار ذلك طواعية لأنه ابن بار لهذا البلد ومقتنع بأن المغرب يستحق أكثر من التضحية. يجسد حموشي نموذج القامات الكبيرة التي لا تنشغل باللغو ولا يؤثر فيها نباح بعض الكائنات وانشغالها ينحصر فقط في العمل ولا يهمها المدح أو الذم فكلاهما سواء لأنه منشغل بعزة المغرب وإعداد الرجال وبناء المؤسسة التي تحقق هذه العزة.
من يطلع على طريقة اشتغال عبد اللطيف حموشي يرى أن طريقه واضح وهدفه أوضح ولا شغل له سوى استقرار وعزة ومكانة المغرب وراحة المغاربة. وقد نجح أمام المغاربة في تحقيق المعادلة الصعبة، إذ بالقدر الذي يتأكد فيه للمغاربة أن الخطر الإرهابي حقيقي وقائم وشائك فإن عمل حموشي وفريقه يزيد ثقتهم في المؤسسة الأمنية وقدرتها على التصدي بنجاح واستباقية لهذا الخطر.
كل الدلالات التي تحدثنا عنها سابقا فيها بصمة عبد اللطيف حموشي. نجح الرجل القادم من عمق المغرب والمؤمن حتى النخاع بقوة المغرب في تحديث المنظومة الأمنية المغربية وتحقيق التجانس بين مختلف تشكيلاتها وتحفيز مواردها البشرية وملاءمة استراتيجية عملها مع أولويات مغرب المستقبل وربح رهان الثقة الشعبية بأنسنة عمل هذه المؤسسة وسياسة تواصلية سدت الباب على تجار الإشاعة الذين دأبوا على بناء رمزية حقوقية بالافتراء على عمل هذه المؤسسة.
أصبح حموشي مثالا لمن لا يلتفت لما يكتب عنه وينهش في لحمه بالباطل لأنه مؤمن بأن المذمة التي تأتي من الناقص والكاذب والمختلس والمتآمر ليست إلا عنوان الكمال ومؤشرا على درجة الألم التي تصيب أعداء المغرب من جراء عمله.
إيقاع عمل حموشي صار مزعجا للكثير من الجهات في الداخل والخارج. لا يحقق منجزا إلا ويدخل في تحدي آخر لأنه يعرف طبيعة ما ينتظر المغرب ويستقي التوجيهات من جلالة الملك الذي يعرف الوجهة التي يجب أن ينحو نحوها المغرب والسرعة التي يجب أن يسير بها لربح رهانات المستقبل.
مباشرة بعد هذا الإنجاز حل حموشي ضيفا بإسبانيا في زيارة عمل، بطلب من المدير العام للشرطة الوطنية الإسبانية، على رأس وفد أمني هام يضم مدراء ومسؤولين بالمصالح المركزية لقطب المديرية العامة للأمن الوطني والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، للمشاركة في اجتماعات ثنائية لتوسيع مجالات التعاون الأمني وتعزيز تبادل الخبرات في مختلف القضايا ذات الاهتمام المشترك، فضلا عن المشاركة في اجتماعات أمنية ثلاثية تضم كلا من المدير العام للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني بالمملكة المغربية، والمدير العام للشرطة الوطنية بإسبانيا، ورئيس الشرطة الفيدرالية بدولة ألمانيا الاتحادية.
تقوية التعاون الأمني المغربي الإسباني، وتقييم مستوى الشراكة الأمنية بين البلدين في مجال مكافحة الإرهاب والتطرف العنيف ومختلف صور الجريمة العابرة للحدود الوطنية، بما فيها الهجرة غير الشرعية والاتجار غير المشروع في المخدرات والمؤثرات العقلية والجرائم المرتبطة بالتكنولوجيات الحديثة وبالأمن الرياضي، وكذا استعراض التحديات والتهديدات المحدقة بأمن البلدين وسبل مكافحتها من منظور مشترك، والاتفاق على توسيع نطاق التعاون ليشمل مضاعفة عمليات التسليم المراقب للمخدرات، وإحداث فرق مشتركة لمواجهة مختلف التهديدات الإجرامية الناشئة، فضلا عن التفكير في خلق لجنة أمنية مشتركة لاستشراف مختلف التحديات الأمنية المرتبطة بالتنظيم المشترك لكأس العالم في سنة 2030. كلها مواضيع تصدرت جدول عمل الزيارة وعمل فرق العمل المتخصصة من الجانبين.
ومما ميز هذه الزيارة، التي تندرج في إطار مشروع كبير لتوسيع الإشعاع الأمني للمملكة يقوده عبد اللطيف حموشي منذ مدة، تأسيس ائتلاف ثلاثي مغربي إسباني ألماني لتعزيز التعاون المشترك في المجال الأمني بعد اجتماع ثلاثي ضم كلا من حموشي والمدير العام للشرطة الوطنية الإسبانية ورئيس الشرطة الفيدرالية بدولة ألمانيا الاتحادية، وهو ائتلاف مرشح للنجاح بسبب تطابق وجهات نظر الوفود الأمنية الثلاثة وتأكيدها على أهمية وضرورة تعزيز التعاون المشترك في مختلف المجالات الأمنية، بما يسمح بتحييد ودرء سائر المخاطر والتهديدات المتنامية على الصعيدين الإقليمي والدولي.
العز للمغرب على يد من يؤمن بأن المغرب لا يستحق إلا أن يكون عزيزا. المؤسسة الأمنية صارت عنوانا لقوة المغرب، والشراكة معها صارت محط أنظار دول كبرى.
لله ذر أمثال هؤلاء الرجال المؤمنين بأن المغاربة والمغرب يستحقون الأفضل دائما. هؤلاء لا ينشغلون عما يقوي المغرب بالسفاسف، ولا يلتفتون إلى القيل والقال، وجدول عملهم وتفكيرهم لا يتضمن إلا ما يسمو بالمغرب نحو مصاف الكبار.
كنت تنبأت بأن هذه السنة ستكون نهاية النهاية للطوابرية. لم يكد يمر شهرها الأول حتى بدأت الأدلة تتواتر على ذلك. علي الملاوط من “برتوشه” الإسباني يعطي الدليل على فشل كل محاولاته لاستعادة بعض جمهور روتينه أو الرفع من أسهمه لدى نظام الكابرانات لتأمين ما يسد به “حاجياته”. صار شغله الشاغل التهريج و”الحبة” و”السنت” و”الكريمات/المأذونيات”. سقطت أسهمه في سوق الطوابرية، ولم يعد اليوتوب يدر عليه مداخيل، ولم تعد مكتوباته تحظى بقبول المواقع التي راهنت عليه، وفقد من كان يرتزق بهم بعد انصراف بعضهم عنه واكتشاف الطابع الجرمي والابتزازي لبعضهم الآخر. هذه الحالة يمكن قياسها على التخبط الذي يعيشه الكثير من الطوابرية لنعرف أن سنة 2025 ستكون سنة النهاية، وأن الطوابرية ليس أمامهم إلا الاستمرار بالشائعات والكذب وإعادة تدوير الأراجيف. وحبل الكذب قصير ولن ينفع طويلا لأن الزمن كشاف للحقائق التي تقض مضجع الطوابرية.
عدلاوة المتضررون من اتفاق وقف إطلاق النار بغزة لم يجدوا غير مدونة الأسرة مرة أخرى ليظهروا حضورهم للأتباع الناقمين على القيادة. يعجب المتابع لحالة الإسهال التي أصابت عدلاوة حول قضية لم يصدر بعد ما يدعو أن تفردها الجماعة بوثيقة طالما أن لجنة الصياغة الحكومية لم تفصل في طبيعة المقترحات العامة التي وضعتها اللجنة في خطوط عريضة للمراجعة.
الخفة والتسرع صار لازمة لعمل عدلاوة. يسابقون الزمن للبقاء في الصورة. يتحينون كل فرصة لاستهداف إمارة المؤمنين وتغليط الرأي العام بإصدار وثيقة هي أشبه بسكيتش زوجة سمحمد رغم أن لا شيء يستحق إصدار وثيقة إلا أن يكون الهدف هو التنفيس الداخلي لحالة الاحتقان لتبرير الفشل والتراجع والمزيد من إشغال الصف الداخلي.
البعض يرى في هذه المراجعة مناسبة لاسترجاع قوته الانتخابية، وآخرون يريدونها فرصة لمنازعة الدولة مشروعيتها، والبعض أعفى نفسه من الملف نهائيا متكئا على الدولة لتقوم مقامه. وحدهم المغاربة ينتظرون مآلات هذه المراجعة وهم واثقون أنها خطوة ضرورية للأسرة المغربية وللمغرب كله.
موعدنا بوح قادم.
