بوح الأحد: آن الأوان لتعرية الخطاب التضليلي لتجار مآسي الشعوب…
بوح الأحد: آن الأوان لتعرية الخطاب التضليلي لتجار مآسي الشعوب في ذكرى ٱنطلاق الربيع العربي، فشل مشروع تحويل الصحفي إلى فاعل سياسي داخلي و سقوط البعض في العمالة للخارج و أشياء أخرى
أبو وائل الريفي
نعيش هذه الأيام على إيقاع ذكرى بداية ما سمي بالربيع العربي من تونس. بقدرة قادر تحول الربيع إلى خريف وتحول الحلم إلى وهم وتحولت وعود التنمية إلى خراب للأوطان والإنسان. تونس مثال لحالة الإخفاق التي تسببت فيها نخب مغامرة لشعوب المنطقة. نخب ضحت بتونس من أجل مصالح ضيقة. نخب دغدغت عواطف فئات متعطشة للتغيير ولكنها ساقتها نحو حتفها. من يتابع أحوال تونس اليوم يرى حالة العزلة الإقليمية والقارية التي هي عليها، ويرى كيف باعت نفسها لنظام الكابرانات نظير مساعدات لا تغني ولا تسمن من جوع، وكيف سقطت في شعبوية مقيتة، وكيف يعاني التوانسة من تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وكيف ارتدت حقوقيا إلى القاع بأكثر مما كانت عليه زمن بنعلي. هل يمكن للنخبة التونسية أن تقدم تقييما وتعترف بفشلها؟ هل يمكن أن نشاهد اعتذارا من كل من دفع شعوب المنطقة إلى الهلاك؟
حصيلة الربيع اختزلت في الشعبوية وانتكاسة حقوقية واقتصادية واجتماعية في تونس، وحرب أهلية في سوريا وليبيا، وتمزق طائفي في اليمن، وضياع سنوات من عمر مصر التي تتخبط في تحديات اقتصادية ماتزال عاجزة عن تجاوزها. يجب أن يتحلى كل من كان سببا في تلك الاضطرابات بالشجاعة للاعتراف بالفشل، وقد مرت سنوات على الحدث واتضحت النتائج ولم يعد يجادل فيها إلا مكابر.
مرة أخرى يظهر الاستثناء المغربي في المنطقة بسبب استيعاب المغرب لخلفيات محركي تلك الأحداث وبفضل تدابير استباقية ملكية جنبت البلاد فتنة ووضعتها في سكة الإصلاح الذي كانت منخرطة فيه قبل ذلك.
لم يعد لذكرى الربيع العربي طعم لأن كوارثه على المنطقة وشعوبها أكبر من أن تخبأ. لن ينفع الخطاب التضليلي لتجار مآسي الشعوب في التغطية على معاناة شعوب تلك الدول التي دفعت أثمانا باهظة من أجل فوضى غير محسوبة ولا علاقة لها بالإصلاح.
في كل مرة يخرج فيها أحد أبناء العائلات المحظوظة التي احترفت الصحافة في زمن معين إلا ويؤكد عقدته تجاه انتمائه الطبقي. ابتليت الصحافة المغربية في أواخر التسعينيات وبداية الألفية الثالثة بأشخاص انتسبوا إليها وكل همهم هو النجومية ولعب أدوار سياسية وتأمين امتيازات خاصة. المعروف عن الصحافي أنه أبعد ما يكون عن مرض النجومية وأضواء الشهرة وواجبه المهني يفرض عليه تقديم خدمة إعلامية للقارئ.
في المغرب، وفي مرحلة انتقالية “تطاول” بعض أبناء العائلات على الصحافة بدون خبرة أو تجربة، وكان أغلبهم قادما من مجال المال والأعمال وفي سن باكرة لا تؤهلهم لتدبير مقاولات إعلامية، ورشحوا أنفسهم بدون إذن من أحد أن يكونوا مستشارين وفاعلين سياسيين ووسطاء. أحد هؤلاء هو أحمد رضى بنشمسي الذي احترف تزييف التاريخ وقلب الحقائق والتدليس على المغاربة بالتنكر لأصله العائلي كسليل لعائلة استقلالية وصهر لوزير سابق. بنشمسي مثل غيره من أولئك الشباب حينها فاقدي التجربة مصاب بعقدة “الانتماء للشعب” ويحاول أن يتعسف على الحقائق ليظهر أنه واحد من الشعب الذين كافحوا لتحقيق نجاح إعلامي. حالته تشبه سليل الجوامعية الذي يحرص في كل مناسبة على التذكير بأنه خريج مدرسة عمومية وعانى مثل باقي أولاد الشعب. ومثل علي الملاوط الذي اشتغل في السلك الدبلوماسي وفتح ذلك المجال واسعا في ذلك الزمن من الفوضى المهنية.
الحمد لله أن علي الملاوط بإرادته اعترف أنه ليس صحافيا ولم يعد يمارس الصحافة ويتعيش من مقالات عن الموسيقى ينشرها باسم مستعار. وبالمناسبة فإن علي المرابط ألف الكتابة باسم مستعار لأنه ينشر تحت الطلب. يعيش الملاوط عالة على أسياده ولم يعد بمقدوره إقناعهم بجدوى الاستثمار فيه، وتراجع روتينه السياسي بشكل ملحوظ، ولذلك فهو “يبشرنا” بأنه سيعود للصحافة هذه السنة وسيكتب عن التاريخ ويسجل فيديوهات وسيتولى الدفاع عن الطوابرية مرتكبي الجرائم التي يندى لها الجبين.
لماذا يتنكر أمثال بنشمسي لأصوله؟ لماذا يقفز على الحقائق؟ لماذا ينتقي من الوقائع ما يدعم رواية تعشش فقط في رأسه؟ لماذا كل هذا السعي للظهور بمظهر ولد الشعب ولو تطلب ذلك الكذب والتنكر للأصل؟
المسكوت عنه في أحاديث هذا الجيل من الصحافيين هو أنهم تصوروا أنفسهم أشخاصا فوق العادة ونجوم العهد الجديد وشركاء في الحكم ولم يقتصروا على أنهم صحافيين، ولذلك انتهى مشوارهم الصحافي بانتكاسة لم يستسيغوها فقرروا احتراف “التنوعير” ضد المغرب. هذا الجيل ممن انتسب لمهنة الصحافة كان منبهرا ببعض الأسماء وحاول تقليدها في كل شيء ولم ينتبه إلى أن المغاربة يمكن أن يكشفوا حقيقتهم.
أمام بنشمسي وأشباهه لحظة ذهبية لمراجعة الذات ومصارحة من يتابعه وتحمل مسؤولية إخفاقه في تدبير مقاولة إعلامية كان يظن أنها مؤمنة ضد عاديات الزمن بسبب صنبور الإشهار والأعطيات ولكن سرعان ما اكتشفوا أن دوام الحال من المحال وأن لكل أجل كتاب.
السبب الحقيقي لانتكاسة بنشمسي هو محاولته لعب دور باسم الصحافة في الحقل السياسي. كان يظن نفسه، كما هو حال أمثاله، المعارض الشرس للنظام، ويحل لنفسه كل شيء لابتزاز الدولة لأنه يرى أن انتماءه لعائلة محظوظة هو بطاقة الضمان.
مرة أخرى يسقط سمبريرو في الوحل. وينشر تخاريف ظنا منه أنها حقائق. عقدة الملكية فعلت فعلها في سمبريرو فصار ينام ويستيقظ بها لأنها كابوس جاثم على نفسه وعلى من يُشغله. في ظل دينامية ملكية ملحوظة يرى فيها المغاربة جلالة الملك حريصا على القيام بأدواره الدستورية ويقطع فترة نقاهته يأبى المسموم عبد الحق إلا أن يخرج من “الفريكو” أشياء لا تنبني على معلومات وبطريقة يصعب تصنيفها في جنس من الأجناس الصحفية. لا يتقن سمبريرو شيئا غير أمثال هذه الكتابات المبنية على توقعات تحركها أطماع وسخرة وتصفية حسابات وحقد.
الدستور واضح بشأن الاختصاصات ولكن سمبريرو يتعمد تجاهله لأن عقله تشكل على الأساطير التي يظن أن المغاربة عشاق لها.
مضى زمن عقدة الخواجة، وانتهت أسطورة أن حقيقة المغرب تعرف من الإعلام الأجنبي. اليوم كل ما يتعلق بالمغرب يعرفه المغاربة والعالم من خلال إعلام المغرب وبيانات مؤسسات المغرب.
بعض الطوابرية هم من لم يتخلص من عقدة الخواجة، وهؤلاء هم من تقاسم ما ارتكبه سمبريرو على أنه الحقيقة. يظن هؤلاء أن هذا “التشيار” والسرعة للترجمة سيعطيهم قيمة، ولكن الحقيقة أن المغاربة يحتقرون من يروج للأكاذيب ضد بلدهم.
ألف سمبريرو وبيادقه الاصطياد في الماء العكر. يظنون أن مقالا له القدرة على زعزعة المملكة الشريفة المتجذرة في التاريخ والحضارة. حال سمبريرو يدعو للرثاء فقد تقطعت به السبل وصار مضطرا إلى كتابة ما يملى عليه ممن يؤمن له ما يقتات به، وهو في هذا مثل غيره من الأبواق في إسبانيا المتضررة من التقارب المغربي الإسباني والتي لم تستوعب ما يحدث لها لأنها راهنت على استعداء المغرب فاكتشفت أن المغرب أقوى من أن يتأثر بما يفترونه عليه.
سمبريرو وكاريون من الأبواق التي يؤلمها التقارب المغربي الإسباني، ولا يستسيغون هذا التعاون الذي عبر عنه عاهل البلاد فيليبي السادس في خطابه أمام المؤتمر التاسع للسفراء الإسبان المعتمدين في الخارج، وهو يقول “سنواصل المضي قدما في دفع أجندتنا الثنائية مع المغرب، البلد الذي يجب أن نواصل العمل معه بروح من الصداقة والتعاون التي تحكم علاقات الجوار الخاصة بيننا”. لا يستسيغون التعاون الأمني غير المسبوق بين البلدين والذي شهد هذا الأسبوع استقبال عبد اللطيف حموشي للمفوض العام للاستعلامات الإسبانية، خافيير أنطونيو سوزين بيرسيرو، الذي زار المغرب على رأس وفد أمني رفيع المستوى. هم لا يستسيغون انكشاف كل مؤامراتهم ضد المغرب لتوريطه بتهم لا دليل عليها. هم لم يتصوروا أن يبلغ الحزم المغربي هذه الدرجة غير المسبوقة ضد كل من يريد الإساءة للمغرب.
أمثال هؤلاء لا غيرة لهم على وطنهم إسبانيا. هم سقطوا أسرى نظام الكابرانات، ويشذون عن حالة الرضى التي عليها المجتمع الإسباني جراء هذا التعاون الثنائي مع المغرب والذي تجني إسبانيا نتائجه.
عشنا هذا الأسبوع حالتي اعتداء على رجلي أمن خلف عندهما إصابات خطيرة. لم يكن مستغربا تفاعل عبد اللطيف حموشي السريع مع الحادثين إذ أصدر توجيهاته من أجل مواكبة وتتبع الحالة الصحية لهما من خلال تحمل نفقات التطبيب والاستشفاء وتوفير كافة أشكال الدعم النفسي والمواكبة الاجتماعية الضرورية لفائدتهما. مثل هذا الاهتمام والشعور بمعاناة عناصر الأمن غير مستغرب لأن عبد اللطيف حموشي ابن الشعب وابن المؤسسة الأمنية ويرى في الموارد البشرية الأمنية كنزا ثمينا. يلزم أن يستشعر المغاربة المخاطر التي يعرض لها هؤلاء الذين يسهرون على أمننا صحتهم. والمثير أنه رغم هذه المصاعب تشهد الوظيفة الشرطية إقبالا من الشباب وهو ما استدعى تقوية منظومة التكوين الشرطي بمدرسة جديدة بمراكش تحت اسم “مدرسة تكوين حراس الأمن”.
ربح رهان أمن المغاربة وتأمين المغرب من المخاطر ليس سهلا، وتحديث هذه المنظومة وأنسنتها هو المدخل لذلك. وهذا ما يتأكد من مثل هذه المبادرات من طرف عبد اللطيف حموشي الذي يؤكد بأنه يعيش مع هذه الفئة معاناتها ولا يدخر جهدا في تيسير ظروف اشتغالها. المسؤولية تقع كذلك علينا كمغاربة. يجب أن نعرف قيمة الأمان الذي نحن فيه وتقدير الساهرين عليه.
لا يمكن المرور على ذكرى السنة الأمازيغية دون التأكيد على الأجواء التي مرت فيها ببلادنا وهو ما يؤكد طابع التعايش الذي تتميز به هذه الأمة المغربية التي انصهرت مع الزمن وأنتجت منتوجا مغربيا أصيلا لا تخطئه عين المراقب الحصيف. لنا أن نقارن وضعنا مع وضع جارة السوء التي ما يزال نظامها العسكري جاثما على نفوس الجزائريين.
هي حكاية لم يكن يتمناها ممثل الجزائر في الأمم المتحدة عمار بن جامع في هذه الذكرى. من سوء حظ الجزائر أنها تترأس هذا الشهر مجلس الأمن. توصل هذا الممثل بطلب من أجل فتح نقاش داخل مجلس الأمن حول “تقرير مصير منطقة القبائل” بالجزائر من طرف فرحات مهني، زعيم حركة استقلال هذه المنطقة. من اطلع على تلك الرسالة يفهم حجم المعاناة لأن أكثر من 13 ألف ناشط قبائلي تم اعتقالهم، وصدر في حق 38 منهم أحكاما بالإعدام وحكام قصر المرادية يستعملون هؤلاء كأوراق ضغط على الحركة القبائلية في إطار سياساتها المساومة مع فرنسا. هذه عينة من فشل نظام الكابرانات في بناء دولة يتعايش فيها الجزائريون. وهذا ملف آخر يفضح حقيقة شعار دعم تقرير مصير الشعوب الذين يتعاملون معه بانتقائية.
أصبح النظام الجزائري عنصر توتر في المنطقة ويستثمر في إثارة النعرات الانفصالية ويستبيح لنفسه التدخل في شؤون الجيران بدون موجب حق. هو نظام مهووس بأطماع توسعية في كل الاتجاهات.
آخر سقطاته هي استضافته في تندوف لحركة روجافا الكردية التي تشكل تهديدا لسوريا وتركيا معا ولا تخفي علاقاتها مع حزب العمال الكردستاني PKK.
لا يخرج نظام الكابرانات من ورطة إلا ليدخل في ورطة أكبر منها، ولم يعد له أجوبة عن مشاكل الجزائريين سوى افتعال صراعات مع الجميع. لم يتخلص هذا النظام من مساندته لنظام بشار الأسد ويتخوف من مصير يلاحقه يشبه مصيره.
يتصرف هذا النظام بمنطق لا علاقة له بالدولة. ما تزال تداعيات افتعاله لصراع مع فرنسا لم تنته. الرأي العام الفرنسي مصدوم من تسخير هذا النظام لخلاياه النائمة للتشويش على الداخل الفرنسي. كشف هذا الحدث أن نظام الكابرانات لا يتقن غير افتعال صراعات وصناعة أعداء وهميين لتسكين الداخل الجزائري الذي يغلي على وقع انتشار كالنار في الهشيم لهاشتاغ مانيش راضي.
انتهى زمن خداع الشعب. صار متاحا للجزائريين كل الوسائل للاطلاع على الحقائق. الكل يعلم من يحتكر ثروات البلاد من الجنرالات ويهربونها للخارج. الإخفاق التنموي لجارة السوء لم يعد يحتاج إلى أدلة.
هل بمقدور نظام الكابرانات توقيف عقارب الساعة؟ هل بإمكانه إقناع فرنسا بالتراجع عن الاعتراف بمغربية الصحراء؟ هل تجدي وسائل الابتزاز والبلطجة التي يحترفها هذه الأيام في المنطقة؟
كل المعطيات تؤكد أنه نظام فاته الركب، ولم تعد له قدرة على التأثير في الأحداث، وأفضل ما يمكن أن ينتجه هو مصارحة الذات والقيام بعملية تقييم لمسيرته خلال أكثر من نصف قرن ومراجعة كل خياراته. نظام الكابرانات أمام اختبار شعبي حقيقي مع الجزائريين، ولن ينجح دون التخفيف من العبء الذي يتحمله من احتضان جبهة البوليساريو وتخصيص تلك الإمكانيات لإقلاع تنموي للدولة والانفتاح على دول الجوار ولن يجد من المغرب إلا اليد الممدودة كما كان المغرب دائما مع كل جيرانه.
لن ينجر المغرب إلى حضيض ألفه نظام ينتعش في التنوعير وقطع الأرحام وابتزاز الجيران. سيبقى المغرب مثال للدولة التي تراعي جوارها وتبادر لتقوية القارة الإفريقية بمبادرات خلاقة. والشهادات بهذا الشأن بلغت حد التواتر.
موعدنا بوح قادم.
