ذكرى الوفاء لتقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال
ذكرى الوفاء لتقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال
حلت الأسبوع الماضي الذكرى الواحدة والثمانون لتقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال، في 11 يناير 1944، إنه تاريخ قريب في عمر الشعوب، تاريخ قصير أيضا، لكنه كان مليئا بالأحداث الكبرى، كان العالم يقترب من إنهاء أكبر حرب كونية ثانية، وصحوة الشعوب المستعمرة تنضج أكثر، لفظت عصبة الأمم أنفاسها وبدأ التمهيد لميلاد الأمم المتحدة، وانقسم العالم إلى فسطاطين، العالم الاشتراكي والعالم الرأسمالي..
في هذه الأجواء قدم الشعب المغربي والملكية ملحمة نادرة للدفاع عن حوزة الوطن وجلاء المستعمر والخروج من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، علينا اليوم استعادة الدروس الكبرى من تاريخ مضطرب وهائج بسبب التقلبات الاقتصادية والسياسية الكبرى، ما الذي جعلنا اليوم كمغاربة لا نحمل جراح الذاكرة التاريخية وثقلها، يعود الفضل في ذلك لوجود كيان أمة، كما قال ليوطي وهو يدخل المغرب: «لقد وجدنا هنا أمة، وجدنا دولة».. كان هناك نظام سياسي قائم، دولة ذات تاريخ تليد، وأول جامعة في الكون، منبر العلماء التي منها انطلقت قراءة اللطيف ضد المستعمر الفرنسي، كانت هناك ملكية تحكم، وحتى مع وجود الحماية ظل حكم السلطان قائما وباسمه تصدر الظهائر الشريفة، التي حولها زعيم التحرير المغفور له محمد الخامس إلى أداة فيما سيصطلح عليه بـ«حرب الظهائر»، وكانت الملكية جزءا من الحركة الوطنية بل محورها، وكان هناك ملك فضّل المنفى على أن يكون مجرد دمية بيد المستعمر..
لم يعش المغرب أي عقدة نقص مع المستعمر الفرنسي، لأنه هو أيضا كان إمبراطورية كبرى ووصل حكمه إلى جنوب فرنسا وحتى تومبوكتو في إفريقيا، وحصل على استقلاله بسبب وجود حركة مقاومة بجانب التفاوض السياسي، وهو ما جعل المغرب يحصل على استقلاله بذكاء، بفضل ملحمة العرش والشعب، وتوحد الأمة حول رمزية الملك، لذلك بنى علاقة دبلوماسية مع المستعمر السابق دون أي توتر أو عقدة ذنب، برغم ما تجتاحها بين الفينة والأخرى من توترات وصدامات، كانت أعماق هذه العلاقة لا تصاب بالزكام، كان التعاون الأمني والعسكري والاقتصادي قائما، كان في المغرب أصدقاء لفرنسا، وكان في فرنسا أصدقاء للمغرب، كلما نشبت الحرائق في العلاقة بين البلدين يعمدون إلى إطفائها بحكمة وتبصر مايرجح مصالح البلدين وسيادتهما.
على خلاف الجزائر التي عاشت تجربة دموية في معركة تحريرها، ودام وجود المستعمر بها أكثر من قرن، وهو ما ينعكس اليوم على عقدة الذاكرة التاريخية التي يتاجر بها جنرالات الجزائر ويقتات عليها اليمين الفرنسي المتطرف، لذلك تنبري تصريحات من هنا وهناك ترسم هذا القلق «الأوديبي» مع الذاكرة الاستعمارية، بنى المغرب استقلاله عبر السلاح والتضحية، ولكن أيضا على مائدة الحوار والتفاوض، لذلك لم يعرف المغاربة عقدة كره لا للفرنسيين ولا للإسبان، وبعد الاستقلال، بنت الدولة نموذجها الحديث من قلب الدولة الاستعمارية وليس على النقيض منها، أي باستثمار واقع جديد وبنيات ناتجة عن المرحلة الاستعمارية سواء كانت إدارة أو تعليما أو قوانين.. لماذا؟
لأن الدولة والملكية عمادها ظل مستمرا في المغرب، لذلك، استطاعت المملكة، في كثير من الحالات، تجنب الوقوع في فخ «عقدة الذاكرة التاريخية» مثلما حدث في الجزائر، من خلال عملية بناء الدولة المستقلة التي قامت على التوافق والمصالحة مع الماضي، إضافة إلى الندية والدفاع عن السيادة الوطنية، لذلك كان الحوار والتفاوض عاملا حاسما في إرساء شراكات وتعاون يخدم مصالح البلدين دون أي وصاية من المستعمر القديم، حيث لم تكن بين المغرب وفرنسا أوجاع الذاكرة، وكان المسؤولون الفرنسيون يتعاملون مع المغرب خارج الوصاية، ولم يقل أحد منهم حتى اليوم إن فرنسا هي من أنشأت المغرب، وأنه لم يكن وجود للمملكة قبل أن تطأ قدمهم البلد، وحتى في لحظات التشنج والتوتر كان البلدان معا يختاران الإنصات لصوت الحكمة والاتزان ومراعاة المصالح الاقتصادية والذاكرة المشتركة، لذلك نلحظ اليوم تفضيل الفرنسيين المغرب لإقامتهم بعد تقاعدهم بأمان وثقة لا يجدونها في بلدان أخرى كانت فرنسا تستعمرها، لذلك فإن معنى الوفاء اليوم لذكرى تقديم وثيقة الاستقلال تتمثل أساسا في أن نحافظ على هذه القيم الأصيلة للمغرب، لهذه الروح العميقة من التسامح دون التخلي عن سيادة المغرب ومصالحه الحيوية..
