1

حوار مع اسويح … قراءة شاملة للوضع في الصحراء المغربية

حوار مع اسويح … قراءة شاملة للوضع في الصحراء المغربية

A- A+
  • حوار مع اسويح … قراءة شاملة للوضع في الصحراء المغربية بمناسبة ذكرى المسيرة الخضراء

    أهلا قراءنا الأعزاء، في هذا الحوار الحصري مع المحلل السياسي المغربي ابن الأقاليم الجنوبية، أقاليم الصحراء المغربية، الأستاذ بلالي إبراهيم اسويح، عضو المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية (Corcas)، الذي كان قد أشرف على مبادرة الحكم الذاتي، شارك في العديد من الملتقيات الدولية في المجلس العالمي لحقوق الإنسان، كانت له عدة مشاركات في اللجنة الرابعة بالأمم المتحدة بنيويورك، حاصل على الكثير من الشواهد الجامعية العليا، من بينها شهادة الدكتوراه في القانون الدولي باللغة الفرنسية، وكذلك دكتوراه السلك الثالث في تخصص جغرافية التعمير، عايش الأستاذ بلالي جل الأحداث التي عرفها ملف الصحراء المغربية.

  • مرحبا بك الأستاذ بلالي السويح ضيفا على قناة شوف تيفي:

    ج: مرحبا وشكرا لشوف تيفي على الاستضافة وتحية للقراء الكرام.

    س: ماهي آخر مستجدات قضية وحدتنا الترابية ؟

    ج: أولا وقبل كل شيء لابد من التذكير بأن ما يجري حاليا من تطورات على الساحة الدولية، له تأثير مباشر أو غير مباشر على جميع مناطق العالم، وتحديدا البؤر التي تعتبر بؤرا حساسة، بما في ذلك منطقة المغرب العربي والساحل، وبطبيعة الحال أنه حتى نزاع الصحراء جاء نتيجة تفاعلات الحرب الباردة، التي كانت آنذاك والصراعات بين القطبين، لكن الديبلوماسية الملكية مؤخرا، ومن خلال نهجها، وباعتبارها ديبلوماسية ناعمة على المستوى الإفريقي، لعبت دورا كبيرا في الاستباقية لامتصاص هذه القطبية المنتظرة، لأن النظام العالمي كان نظاما قطبيا، ومع ذلك فإن المغرب حافظ على العلاقات المستمرة مع كافة الأطراف، وبالتالي حتى التداعيات المستقبلية لأي تأثير لنزاع قطبي محتمل، سيكون ضعيفا على منطقة المغرب والجزائر.

    كذلك هذا التأثير سيكون على الساحل، لأنها هي المنطقة المشتعلة، وما يقع حاليا في الصحراء المغربية، والمخاوف الدولية في اتجاه الانفلات الأمني، وعدم ضبط الأمور كما يجب أن يكون في مخيمات تندوف جنوب الجزائر، ستكون له انعكاسات على المنطقة عموما، وهي مخاوف تشترك فيها كل القوى العالمية، بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا والصين وغيرها، باعتبار أن العالم مع التعددية القطبية، يتجه نحو بناء مصالح اقتصادية مشتركة، تتطلب الاستقرار والأمن، ومنطقة الصحراء والمخيمات الموجودة الآن للمحتجزين جنوب تندوف، تنبئ بأن هناك انفلاتا كبيرا، وتدهورا أمنيا قد يؤدي إلى تعزيز الإرهاب، والجريمة المنظمة، وكذلك الهجرة غير الشرعية، وهذا ما تشير إليه بعض التقارير الأممية، وعدد من السياسيين العالميين، وكان آخرهم ريان بيرن البرلماني البريطاني، الذي وجه رسالة تحدير لحكومته، وكان ردها أنها تتقاسم معه نفس المخاوف، كل هذه التأثيرات العالمية الآن ربما تصب في مصلحة التوجه، الذي نهجته الديبلوماسية المغربية مؤخرا، والذي كان له تأثير مباشر على مستوى الامتداد الإفريقي، وعلى مستوى القنطرة التي يلعب دَوْرَهَا المغرب بحكم موقعه الاستراتيجي، وكذلك أهميته في لعب دور الوسيط، والمنصة الاقتصادية المهمة على الصعيد القاري، وعلى الصعيد الدولي، في تعزيز السلم والأمن العالميين.

    كما أن قرار مجلس الأمن الاخير حول الصحراء، من حيث الجوهر يدفعنا لربط جهود الدبلوماسية الملكية والتوجه الذي أعلن عنه مؤخراً عاهل البلاد أمام ممثلي الأمة فيما يتعلق بمرحلة التغيير التي يعرفها تدبير هذا الملف يبدو أن القرار الجديد يعزز هذا المسار الانتقالي الذي تحدث عنه جلالة الملك سواء من حيث الشكل والذي حافظ على معظم ثوابت الحل السياسي بل وأدخل في الوقت نفسه بعض التعديلات تهدف إلى الضغط على الأطراف الأخرى لحثها على الالتزام بشكل أكبر بمتطلبات المسلسل وتسهيل عملية بعثة المينورسو، أو من حيث الجوهر الذي يتناسب مع الرؤية الملكية لمرحلة الأخذ بزمام المبادرة في ظل التجاذبات والسياقات الإقليمية والدولية التي تتحكم في كواليس صدور هذه القرارات من أعلى هيئة سياسية بالأمم المتحدة.

    س: ماهي قراءتك التاريخية لقرارات مجلس الأمن في سياقها الكرونولوجي وعلى المستوى الأمني ؟

    ج: أولا وقبل كل شيء خطة بيكر جاءت بعد فشل مسلسل التسوية الذي كان قد بدأ منذ سنة 1990، أي بعيد وقف إطلاق النار، وكان المغرب قد دخل في مسلسل التسوية السياسية، وفق القرارات المؤطرة 659، ثم بعد ذلك قرار رقم 660 سنة 1991، الذي حدد معالم هذه التسوية عبر تنظيم استفتاء، هذا الاستفتاء فشل على أرض الواقع، وجاءت خطة بيكر من أجل احتواء الوضع، وكان آخر عملية لإيقاظ عملية خطة التسوية الأممية، من خلال اتفاق الإطار الذي كان قد وضعه بيكر، وقد أشار فيه لأول مرة إلى الحكم الذاتي، بعد ذلك جاءت خطة بيكر الثانية التي سميت بخطة التسوية والتي رفضها المغرب؛ لاعتبارين:

    الأول على مستوى الحكم الذاتي، هناك عدم التوضيح على مستوى التداخل بين الحكومة المركزية والحكومة المحلية، أي على مستوى البرلمان الوطني، وعلى مستوى الجمعية التشريعية المحلية.

    الثاني؛ هناك تداخل أيضا على مستوى إعادة انتشار الجيش، وكذلك الآليات التي يمكن أن يتدخل فيها الجيش، في حالة وجود مخاطر تهدد المنطقة، سواء من الداخل أو الخارج، وكذلك على المستوى السيادي، لأن المغرب اعتبر أن هذه السيادة، هي سيادة انتقالية وليست سيادة دائمة، وبالتالي رفض المغرب هذا المقترح، على اعتبار أن المغرب ينطلق من خطوط حمراء، أولها هو السيادة على الأرض، والوحدة الوطنية، هي خط أحمر لا يمكن التفاوض عليه، وفي هذا الإطار نشير إلى أن المغرب هو الذي كان قد رد على مقترحات مجلس الأمن، من خلال الدعوة إلى الخروج من المأزق، الذي كان قد حدده القرار 1359، بالبحث عن حل سياسي، وفي الرسالة الموجهة من المندوب الدائم للمغرب في الأمم المتحدة، إلى الأمين العام آنذاك سنة 2001، أقر وكذلك بيان وزارة الخارجية بأن المغرب سيبحث جديا في اتخاد حل سياسي، لتجاوز المأزق الذي جاءت به خطة التسوية، والتي أكد من خلالها الوسيط الأممي بيتر فان فالسيوم، أن الاستفتاء لا يمكن تطبيقه على أرض الواقع، كما أن خطة التسوية التي كانت سابقا أصبحت متجاوزة، لذلك حتى الأمين العام الأممي آنذاك كوفي عنان سنة 2004، أشار في تقريره بالحرف إلى أنه يجب تجاوز الاستفتاء، لإنه يعطي منطق الغالب والمغلوب، وكذلك الصعوبات المالية واللوجستيكية، وكذلك على مستوى تحديد الهوية والتي كانت محط خلاف بين الأطراف طيلة تسع سنوات، فجبهة البوليساريو كانت تصر على إحصاء 1974، بينما المغرب يريد أن يشمل هذا الاستفتاء، كافة ساكنة الصحراء، خصوصا أولئك الذين طردوا أيام الاستعمار الإسباني، عبر ما يعرف بعملية المكنسة “إيكوفيون” سنة 1958، وعددهم بلغ أكثر من 230 ألف نازح، كذلك فئة البالغين سن 18 سنة 1991، والذين يقدر عددهم ما بين 35 و 40 ألف، كل هذه المعطيات بالإضافة إلى سكان مخيمات تندوف، الذين يجب أن يدلوا بأصواتهم خارج المخيمات، حيث تصر الجزائر على ضرورة عدم مغادرتهم للمخيمات، من أجل عسكرتهم وتقييد حريتهم في التعبير واستغلالهم.

    س: ما هي الوضعية الأخيرة لقضية الوحدة الترابية في أروقة الأمم المتحدة ؟

    ج: بالنسبة للمقاربة الأممية الخاصة بقضية وحدتنا الوطنية، فهي تسير في اتجاه ترسيخ الثوابت السياسية لإيجاد التسوية، وهذه المقاربة ظهرت بشكل جلي، لأنه منذ سنة 2018 إلى الآن أي مرورا بقرارات 2602 و2654 و 1703، ثم القرار الأخير 2756 فكلها تزكي الطرح المغربي، رغم أنها متشابهة من حيث المضمون، لكنها أضافت مجموعة من التعديلات، التي رسخت أنه لا خيار إلا للحل السياسي المغربي، هذا الأخير الذي يرتكز على مبادرة المغرب، ودعوة الأطراف إلى المبادرة المبنية على اقتراح المغرب، والمغرب اقترح مبادرة الحكم الذاتي التي هي الآن قابلة للتفاوض، كما أن هذه القرارات زكت طرحا مهما وأساسيا، هو الاعتراف بأن الجزائر طرف رئيسي في النزاع، وهذا ما يدحض الادعاء الجزائري سابقا، بأنها ليست طرفا، وتمت دعوتها مباشرة وبالاسم، إلى المشاركة في مفاوضات، هذه المرة في إطار الطاولة المستديرة، والتي ستجمع مختلف فرقاء النزاع، وهنا بدأت الأمم المتحدة تركز على جوهر هذا النزاع، على أنه نزاع إقليمي وبالتالي فهو نزاع مفتعل، وحله سيكون بحضور الجزائر لأنها هي المسؤول الأول عن إيجاد تسوية سياسية مع المغرب.

    س: في ظل تحسن العلاقات الديبلوماسية بين المغرب وفرنسا كيف يمكن أن يفيد ذلك قضية وحدتنا الترابية ؟

    ج: فرنسا هي حليف استراتيجي للمغرب، وتقليديا لم تكن علاقتها مع المغرب، في يوم من الأيام إلا علاقة مميزة، فعلا هناك مطبات، هذه العلاقة مرت بمراحل يمكن القول بأنها عرفت بعض الجمود، ولكن مؤخرا هناك بداية رجوع الدفء لهذه العلاقة وتقوت أخيرا بزيارة الدولة التي قام بها الرئيس الأمريكي ماكرون وزوجته بريجيت للمغرب، فعلى مستوى قضيتنا الوطنية، كان موقف فرنسا دائما ثابتا في إطار دعم الحكم الذاتي، ودعمها لمغربية الصحراء وهو ما أكده ماكرون في خطابه من قلب البرلمان المغربي، فعلى مستوى الممارسة الديبلوماسية، ففرنسا تتجه دائما في اتجاه دعم وحدتنا الترابية، وهذا ظاهر من خلال المسار على مستوى المعالجة في مجلس الأمن، وكذلك فرنسا باعتبارها عضوا دائما في مجلس الأمن، للإشارة فإن المزاج الأوربي الآن أغلبيته يتجه إلى الاعتراف، بمشروعية المغرب على أراضيه أو أقاليمه الجنوبية، عبر العديد من القرارات التي همت ما مجموعه 14 دولة من مجموع 26، معنى أن 12 دولة الأخرى ليست ضد وحدة المغرب الترابية، بل إنها مقسمة إلى ثلاثة أجزاء، الجزء الأول ينتظر خلق الأجواء المناسبة للإعلان رسميا عن توجهها، عبر دعم مجهودات الأمم المتحدة في هذا الاتجاه، والأمور بدأت تتضح حتى من خلال قرارات مجلس الأمن، المجموعة الثانية هي التي بدأت تخرج من منطقة الظل والتضليل، والتي كانت مجموعة داعمة لجماعة البوليساريو، سواء على مستوى جمعيات المجتمع المدني أو البرلمانات الأوروبية، كانت تمرر المغالطات داخل المجتمع الأوروبي، عبر أكذوبة الانتهاكات الجسيمة التي يقوم بها المغرب، أو أن المغرب لا يحترم حقوق الإنسان، ومؤخرا ظهر بالملموس من خلال المقاربة الحقوقية، التي تبناها المغرب والتي كانت توازي المقاربة الديبلوماسية والسياسية، من خلال الإصلاحات الكبرى التي كانت قد بدأت منذ سنة 2011 عبر دستور المملكة، تبين أن المغرب أصبح على المستوى الدولي يربح معركة المرافعات على المستوى الحقوقي وآخرها، سويسرا مثلا أكدت مؤخرا من خلال مذكرة شفاهية للسفير المغربي في العاصمة بيرن، أنه لا وجود لتمثيلية جبهة البوليساريو داخل التراب السويسري، رغم أن سويسرا هي بلد محايد، كذلك مجموعة من الدول بما فيها فرنسا التي أكدت الاستثمار في الأقاليم الجنوبية، من خلال مشاريع ضخمة مهيكلة.

    س: جرى الحديث في وسائل إعلام فرنسية عن بيعها 4 غواصات من نوع باراكودا للمغرب لكن لم نسمع أي شيء عن الصفقة ؟

    ج: المغرب لم يكن سباقا للتسلح في يوم من الأيام، بل الجزائر هي التي سعت دائما إلى ذلك، لأن العقيدة العسكرية هي ركيزة وأساس نظامها، والفشل الذي منيت به الجزائر على المستوى الديبلوماسي، ليس فقط في ملف الصحراء المغربية؛ والذي أصبح واضحا وبالملموس، أن الجزائر هي التي افتعلت هذا المشكل ومنذ 1975؛ بل كذلك على مستوى بلدان الجوار مع النيجر ومع مالي، فالمشاكل أصبحت تتفاقم، لدرجة أن بعض المحللين بدأوا يرون أن هناك تهديدات حقيقية، وبأن الجزائر يمكن أن تقوم بالاعتداء على جيرانها عسكريا، المغرب بطبيعة الحال سارع دائما إلى تبني الديبلوماسية الناعمة، تهدف إلى خلق إشعاع على المستوى القاري من خلال تواجده في أكثر من 33 دولة إفريقية على المستوى الاقتصادي والديبلوماسي، كذلك حاول تجسيد إمكانية جلب الاستثمارات، خصوصا تلك المهيكلة، التي سيكون لها تأثير على المنطقة، وهو من أجل حماية هذا الاستثمار يجب أن يقوي دوره العسكري لغرض حماية هذه المكتسبات، بالطبع سيكون ذلك عبر السعي نحو عقد صفقات للتسلح، من أجل تحسين أداء القوات المسلحة الملكية، وتجديد الترسانة العسكرية لمواجهة هذه المخاطر، والمغرب في خطابه الرسمي لا ينفي هذا، بل بالعكس يقول دائما على أنه مستعد لأي حل سياسي متفتح على كل المبادرات السلمية، ولكن بالمقابل هو قادر بقواته المسلحة، وبمقوماته الوطنية على حماية ترابه من كل الأطماع، أو من كل تهديد عسكري، والمقصود بالدرجة الأولى هي البلد الجار “الجزائر”، التي تلوح دائما بهذا التهديد العسكري، وبهذه المناوشات، وكذلك تجر المنطقة إلى حرب، تهدد الاستقرار والأمن، ليس فقط على المستوى الإقليمي بل على المستوى العالمي.

    س: الى أي حد يؤثر الوضع الدولي المتوتر حاليا على المستوى الإقليمي خصوصا بين المغرب والجزائر ؟

    ج: المناخ العالمي مناخ مشحون، وهذا كما سبق أن قلت، له تأثيره على جميع بقع التوتر في العالم، والمعروف أن ديبلوماسية الجزائر فقدت البوصلة، وما يحكم أرضية هذا التوجه هي العقيدة العسكرية، التي تعتمد أساسا على إشهار سلاح المواجهة العسكرية، فهذا التهديد مستمر؛ وبحكم أن الجزائر عرفت مؤخرا طفرة في مبيعاتها من الغاز، بحكم الحرب الروسية الأوكرانية والحرب في الشرق الأوسط بين إسرائيل وحماس وحزب الله، والتي أثرت بشكل كبير على سوق الغاز بالعالم، التوجه الجزائري الحالي يتخد منحى نحو التسلح بوثيرة أكبر من أجل تهديد الجيران، وفي مقدمتهم المغرب، وهذا ليس جديدا على الجزائر، فآخر ما وصلت إليه ديبلوماسيتها هو قطع كل العلاقات مع المغرب، وهي الآن علاقات مجمدة على جميع المستويات، أما على المستوى العسكري، فلم تهدأ الجزائر يوما عن التهديد بمواجهة المغرب عسكريا، وهو سلوك ألفناه، لكن السؤال المطروح هنا هو: هل هذا التهديد في الواقع قابل للتنفيذ أم لا؟؟ فالمغرب على المستوى العسكري أصبح قوة عسكرية إقليمية لا يستهان بها.

    س: ما هو تقييمك للوضعية الحقوقية التي يعيشها سكان مخيمات تندوف ؟

    ج: وجب أولا الانتباه لتوصية مجلس الأمن بضرورة إحصاء سكان تندوف ثم تحديد الإطار القانوني لوجود هؤلاء المحتجزين أو اللاجئين على مستوى جنوب الجزائر، فحالة هؤلاء حالة فريدة من نوعها، لأن حالة اللجوء عادة في المنظومة الدولية، تتطلب من الدولة المستقبلة أن ترفع طلبا تلتمس من ورائه إما إعادة اللاجئين إلى دولتهم الأصلية، أو توطينهم في بلد آخر، فاللاجئون بالجزائر يعيشون حالة قانونية مغايرة على التي ألفناها، لدرجة أن هؤلاء اللاجئين يعيشون في مخيمات بالجزائر، تمارس فيها شتى صنوف الانتهاكات ضد حقوق الإنسان، والولاية القضائية التي أوكلتها الجزائر لجبهة البوليساريو، هي ولاية تتحمل فيها الجزائر المسؤولية القانونية والأخلاقية أمام المنتظم الدولي.

    على مستوى المساعدات هناك رفض جزائري لإحصاء السكان، فمنذ 2018 من خلال تعيين المفوضية السامية للاجئين، لجنة لإحصاء هؤلاء الساكنة، حيث تم حصر عددهم في 173 ألفا و 600 لاجئ، هذا الرقم هو الذي يؤخذ إلى حد الساعة بعين الاعتبار، فمنذ تاريخ 2018، إما أن هذه الساكنة تتطور، أو أن هناك تلاعبا في هذا الإحصاء والمعطيات المتعلقة به، كما أنه منذ سنة 2009، حيث طالب المغرب بإحصاء هؤلاء المحتجزين بتندوف، كانت الجزائر ترفض ذلك دائما، كما أن بعض أعضاء مجلس الأمن لا يرغبون في الدخول في هذا الأمر باعتباره يمس الجزائر، سنة 2011 كانت هناك فقرة أشار لها قرار مجلس الأمن، وهي مطالبة المفوضية السامية لحقوق اللاجئين، بإجراء تسجيل لساكنة هذه المخيمات بشكل آني واتخاد إجراءات لذلك، هذه المبادرة تطورت في السنة الموالية بالدعوة للقيام بهذا الأمر، ثم جاء أخيرا القرار 26/54 وأشار إلى ذلك بالحرف الواحد، وألح على المطالبة الآنية والفورية، بتسجيل وإحصاء هؤلاء اللاجئين، فقط أريد أن أشير إلى قضية الأطفال والنساء، بحكم أن ما يجري في المخيمات، هو أحد نقط القلق على المستوى العالمي، وهو ما أشار إليه عضو مجلس العموم البريطاني آيان بيرن، الذي قال بأن هناك قلقا على مستوى تجنيد الأطفال، بحيث أن ما يجري في المخيمات يخالف تماما القرارات الملزمة لمجلس الأمن، والنظام الأساسي لمحكمة الجنايات الدولية، وكذلك المعاهدات والمواثيق خصوصا معاهدة 1989 الخاصة بالأطفال، وكذلك القرارات غير الملزمة الخاصة بالإعلان عن مبادئ الطفل، والإعلان العالمي لحقوق الطفل، ولكنها خروقات تتحمل فيها الجزائر المسؤولية الأخلاقية والقانونية، كما أن هذا التجنيد يحرم هؤلاء الأطفال من الدراسة، ويحرمهم من فرص التربية بالشكل الذي يناسب أعمارهم، وكل هذا يدخل في العقيدة العسكرية، التي تلوح وتروج لأطروحة الانفصال، من خلال ترسيخ مبادئ المواجهة العسكرية، وكذلك مبادئ الصدامية لدى هؤلاء الأطفال في سن مبكرة، وهذا يذكرنا بالمعسكرات التي كانت أثناء الحرب الباردة خصوصا المعسكرات الشرقية.

    س: الى أي حد يمكن اعتبار موريتانيا دولة استراتيجية بالنسبة للمغرب ؟

    ج: بالنسبة لموريتانيا هي أولا بلد استراتيجي في المغرب العربي ككل، ولها علاقات جد متميزة مع المغرب، بحكم الجغرافيا والمصالح الاقتصادية والمصير المشترك، الجزائر حاولت منذ افتعال هذا النزاع في أواسط السبعينات، أن تعكر الأجواء ما بين المغرب وموريتانيا، وربما نجحت في فترة معينة، لكن الرؤساء الذين تعاقبوا مؤخرا على رئاسة القطر الموريتاني، يرون بأن المصلحة الاستراتيجية هي مع المغرب، لذلك تعززت العلاقة مؤخرا على عدة مستويات، فأرقام المبادلات والتعامل الاستراتيجي، أي أن موريتانيا ارتبطت في عدة مجالات مع المغرب، ما حدث أن هناك معبرا آخر تم فتحه في الجهة الشرقية مع الجزائر، لكن هذا لن يؤثر تماما على معبر الگرگرات.

    س: لماذا تحاول الجزائر إغراء موريتانيا اقتصاديا؟؟

    ج: للعديد من الأسباب، فالنظام الجزائري الحالي يسعى إلى بناء مغرب عربي يقصي فيه المغرب أو يضعف دوره، وهو ما جرى مع تونس وليبيا ورفضته موريتانيا، لأنها تدرك وبحكم حجم العلاقات الموريتانية المغربية، عدم إمكانية مسايرة الجزائر في هذا الأمر، والنقطة الثانية وهي جد هامة، حيث تحاول الجزائر أن تدفع بموريتانيا على الأقل أن تستمر في حيادها الإيجابي، وهو ما يخدمها مثلا على مستوى قضية الصحراء المغربية، لأنها تعرف أن هناك مجموعة من الأصوات من داخل موريتانيا، تسير في الاندماج مع المغرب، على مستوى الاعتراف بمغربية الصحراء من بينها جمعيات المجتمع المدني، وبعض الأحزاب وشخصيات سياسية وازنة، المثير للاهتمام أن نفس الوسائل التي تتعامل بها الجزائر حاليا، هي نفسها التي استعملتها في التعامل مع بعض الدول الإفريقية، ما يجري الآن هو ظرفي وليس له بعد استراتيجي، الهدف منه معاكسة مصالح المغرب، فالمغرب دخل إلى مرحلة حاسمة مهمة، هذه المرحلة هي بعيدة المدى على المستوى الاستراتيجي، تسعى إلى خلق نوع من التوازن الاستراتيجي، على مستوى ضمان استمرار المصالح، وموريتانيا ستلعب فيه دورا كبيرا، سواء على مستوى خط أنبوب الغاز الذي سيأتي من نيجيريا إلى المغرب، وموريتانيا هي محطة جد مهمة فيه.

    س: لماذا حاولت الجزائر سابقا التسويق لمعبر تندوف الزويرات؟ وهل له تأثير اقتصادي على المنطقة ؟

    ج: بالنسبة لمعبر تندوف الزويرات، هو معبر على مستوى الانسيابية، وإلى حد الساعة وعلى مستوى التقديرات، لن يكون له التردد بالشكل الحالي لمعبر الگرگرات، فهذا المعبر يغطي كافة دول إفريقيا الغربية وبالتالي فهو مستثمر، كما أن البنية التحتية، والتي ستعزز بالطريق السريع، ما بين تزنيت والداخلة ستساهم في إعطاء دفعة قوية للمعبر، على مستوى المعبر الآخر (معبر تندوف الزويرات)، فهو يمر عبر خط صحراوي يتجاوز 1000 كلم، وإلى حد الساعة فنسبة التردد عليه جد منخفضة، كما أن حجم المبادلات الممكنة في هذا المعبر حسب الدول التي ستستفيد منه لا زال قليلا بالمقارنة مع معبر الگرگرات.

    وقد يكون لانفراج قريب في المسألة السياسية، انعكاس على هذا المعبر، وربما يستمر في التنمية الشمولية لكافة الأقاليم.

    س: ماهي أبعاد المبادرة الأطلسية التي جاء بها الملك محمد السادس والتي تحدث عنها ماكرون ؟

    ج: أبعاد المبادرة الأطلسية هو الانخراط في التوجه العالمي، بمعنى أن المغرب أصبح يفكر بشكل استراتيجي في توجه المزاج العالمي، الذي يتوجه نحو الكونية، فعلا هناك صراعات قطبية، هناك تنافس على مناطق النفوذ، لكن ليس كالسابق باستغلال الثروات، بل استغلال منصات جديدة للاستثمارات، والمغرب كان سباقا في هذه الفلسفة، والمرحلة التي بلغها من خلال المبادرة الأطلسية، هي مرحلة جد متقدمة، بمعنى أننا حسمنا في المراحل القاعدية من حيث الشرعية والادعاء والافتراءات، التي كانت محط مناورات الخصوم، إلى مرحلة حاسمة باستغلال هذا الفضاء المغربي الاستراتيجي، خصوصا الأقاليم الجنوبية بإشعاع يتجاوز ما هو جهوي إلى ما هو قاري، هذه المبادرة تمتد على طول 3600 كلم أطلسية، و1200 كلم على مستوى الأقاليم الجنوبية، امتدادها الإشعاعي على مستوى التنمية، وهنا تتضح الرؤيا المولوية حينما أشار إلى أن ما يقع في بلدان الساحل، هي مشاكل التنمية، وأن الحل ليس بالمقاربة العسكرية، وهو يقصد أن هناك دولا قامت بالتدخل عبر المعالجة الأمنية العسكرية، وفشلت؛ ذلك لأن المقاربة الناجعة هي مقاربة التنمية، والمغرب ما يمكن أن يقدمه عبر هذه المبادرة الأطلسية، عبر مشاريع مهيكلة؛ وهي تتطلب بنيات تحتية ستكون في الأقاليم الجنوبية، ولن تكون بنيات تحتية عادية، ستكون بنيات تحتية على مستوى إشعاعي كبير، لها قدرات على مستوى الاقتصاد البحري والشحن، يتجاوز ما هو وطني إلى ما هو قاري، وبالتالي المستفيد منه بالدرجة الأولى إفريقيا الغربية وبلدان الساحل، وسيصبح للمغرب دور على المستوى الإفريقي كقاطرة؛ وكبوابة؛ وكمنصة، لجلب الاستثمارات من الحجم الكبير، لتستفيد منها إفريقيا الغنية بطبيعة الحال، عبر استثمار ثرواتها المادية والبشرية، كذلك على مستوى الاستفادة سيستفيد أكثر من 400 مليون نسمة، من هذه المبادرة الكبيرة، ولنأخذ بعين الاعتبار، ونأخذ كمثال الميناء الأطلسي، الذي بلغ مراحل متقدمة في إنشائه، وله قدرات هائلة سواء على مستوى الشحن؛ أو على مستوى الرصيف؛ أو على مستوى السفن، وستتجاوز قدرته الاستيعابية ما هو وطني إلى ما هو دولي، وقس على ذلك الموانئ الأخرى والمطارات وكذلك البرامج التي يسعى المغرب لتطبيقها، على مستوى المشاريع سواء إعداد التراب الوطني، أو مشاريع التنمية الكبرى، وربما سيسخر المغرب كل إمكاناته في هذه المشاريع التي ستغير وجه المغرب والمنطقة.

    س: كيف جرى تهيئة مدن الصحراء المغربية لتواكب المبادرة الأطلسية وغيرها من المخططات المستقبلية ؟

    ج: المراكز الحضرية بالأقاليم الجنوبية، مرت بمراحل متعددة إلى أن وصلت إلى ما هي عليه اليوم.

    المرحلة الأولى كانت مرحلة الاستعمار الإسباني، فالمجالات الحضرية كانت صغيرة جدا، ولا تتوفر على أدنى مقومات العيش الكريم، بالمفهوم الحضري مفهوم التمدن الحقيقي، وبعد استرجاع هذه الأقاليم نهجت الدولة سياسة إرادية، في تعمير هذه المدن، كانت هناك تحديات لا على مستوى التجهيزات، ولا على مستوى السكن، ثم جاءت بعدها مرحلة التخطيط، من خلال رسم المعالم الكبرى لهذا التوجه، وتغيير نمط الاستهلاك، من الريع إلى الإنتاج ثم إلى جلب الاستثمارات، الآن دخلنا إلى مرحلة حاسمة، حيث أصبحت هذه المدن أقطابا، فمن يتحدث اليوم عن العيون أو الداخلة، يتحدث عن أقطاب بمفهومها الحضري الكبير، وأنها ليست أقطابا جهوية وحسب، بل يمكن أن تلعب أدوارا ليس فقط على الصعيد الوطني، بل على الصعيد القاري أيضا، لذلك فإن التوجه الرسمي للدولة الآن لدعم الاستثمارات، من خلال البنيات المهيكلة والمشاريع ذات البعد القاري، وتوطينها في هذه المدن، وهي أيضا مدن ساحلية، بمعنى أنها منفتحة على ساحل المحيط الأطلسي، ومن الممكن أن تستفيد من حصة الأسد في هذه المشاريع، كما لا ننسى أن هذه المدن، وبفضل النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية، والذي كان قد أطلق صاحب الجلالة، أهم معالمه سنة 2015، تغيرت على مستوى هيكلتها وتهيئتها على كافة المستويات، من حيث حجم الاستثمارات التي أصبحت في كافة القطاعات، وأيضا على مستوى التجهيزات، التي أصبحت الآن تجهيزات كبيرة في جميع الميادين، سواء الصحية من خلال المستشفيات ذات الإشعاع، كذلك مراكز التكوين وتوطين المؤسسات الجامعية، وفي القطاع السياحي أصبحت هناك استثمارات، تتجه نحو خلق سياحة شاطئية تتناسب مع خصوصيات المنطقة، وبدأت تلوح في الأفق بأن لها إشعاعا دوليا، فالسياحة الشاطئية أصلا مرتبطة بالرمال وبطبيعة المنطقة الصحراوية.

    س: هل العامل البشري في الصحراء المغربية مؤهل لمواكبة الرؤية الملكية المستقبلية؟

    ج: على مستوى العامل البشري، أول مبادرة كانت هي خلق تمثيلية لسكان المناطق الصحراوية، على اعتبار أن البوليساريو كانت تدعي أنها الممثل الوحيد لساكنة الصحراء.

    المغرب نجح إلى حد ما في خلق هياكل أرضية ديمقراطية، من خلال إفراز عنصر بشري تمثيلي آت من الانتخابات، وبالتالي أصبح لدينا على مستوى جميع الأقاليم الصحراوية منتخبون، جاءوا عن طريق استحقاقات لديهم مجموعة من القدرات في تدبير الشأن المحلي، القضية الأخرى على المستوى السياسي إفراز نخبة سياسية قادرة على إسقاط التوجهات المستقبلية، سواء من خلال الحكم الذاتي الذي قطعت فيه الجهوية على مستوى الأقاليم الجنوبية مراحل متقدمة، والآن نحن في مرحلة تثبيت أهم الأسس، وربما المبادرة الأطلسية ستسرع هذا المعطى، هذا التوجه في تكوين هذا المسار السياسي يسير الآن بخطى ثابتة، من أجل تكوين نخبة صحراوية قادرة على خلق المناخ السياسي العام المناسب، ومن أجل ترجمة التوجهات الرسمية على المستوى الوطني في هذه الأقاليم، وإعطاء صورة مشرفة من أجل بناء مغرب الغد الذي يجمع كل مكونات الشعب المغربي، مع الحفاظ على خصوصية هذه الأقاليم الجنوبية.

    س: هل توجد مواطن ضعف فيما يخص تكوين العامل البشري ؟

    ج: أي مسار فيه مواطن قوة ومواطن ضعف، فيه اختلالات، وهذه الأخيرة هي التي دفعتنا إلى إعادة قراءة وتقييم، وبالتالي نحن في مسار آخر، مسار الهدف منه هو خلق كفاءات، ذات قدرات عالية من أجل مواجهة التحديات المستقبلية، وأكبر هذه التحديات هو ترجمة التوجه الاستراتيجي، وأركز هنا على كلمة استراتيجي، الذي في مقدمته المبادرة الأطلسية على أرض الواقع، من خلال نخبة محلية قادرة على إعطاء صورة مشرفة للبلاد.

    س: كيف استقبل سكان الأقاليم الجنوبية خبر استضافة المغرب لمونديال 2030 ؟

    ج: سكان الأقاليم الصحراوية كباقي سكان المغرب، استقبلوا نبأ تنظيم المونديال بالمغرب بفرح كبير، لأنهم يعرفون أهمية مثل هذه التظاهرات على العديد من المستويات، كالمستوى الرمزي من خلال إقرار الدور الريادي المغربي على مستوى الرياضة، اليوم كأس العالم ليس بالحدث السهل، على المستوى الاقتصادي وعلى المستوى السياحي، وهذه مناسبة للرفع من هذين الميدانين في المغرب، وستعم الفائدة جميع المغاربة سواء في الشمال أو في الجنوب، وسكان الأقاليم الجنوبية هم مرتبطون دائما بالتوجه الرمزي الوطني المغربي، سواء في الاقتصاد أو في الرياضة، والدليل على ذلك المشاعر الجياشة، التي صاحبت مقابلات المغرب في كأس العالم، والتي كانت شوارع العيون والداخلة شاهدة عليها في فترة مونديال قطر.

  • المصدر: شوف تي في
    تعليقات الزوّار (0)

    *

    التالي
    شرطة مراكش…توقيف شخص متورط في السياقة بطريقة استعراضية بالشارع العام