بوح الأحد: زيارة ماكرون للمملكة و نجاح ٱستراتيجية محمد السادس الندية…
بوح الأحد: زيارة ماكرون للمملكة و نجاح ٱستراتيجية محمد السادس الندية، ماكرون يقر بأخطاء فرنسا تجاه المغرب و مؤسساته، المتضررون من نجاح المغرب يفضحون أنفسهم و أشياء أخرى…
أبو وائل الريفي
يتضح يوما بعد آخر صواب المقاربة التي اعتمدها المغرب لتدبير علاقاته مع المحيط الدولي وصحة استشرافه للتحولات التي يعرفها العالم وحسن اختياره للوسائل الأنسب للحفاظ على مكانته والدفاع عن مصالحه. في كل مرة تأتي الشواهد الدالة على ذلك ليكتشف المغاربة، ومعهم العالم، أن المغرب مدرك لما يحيط به من إكراهات ويتقن استعمال ما يملك من أوراق ليؤمن مكاسبه ويحمي سيادته ويحول الإكراهات إلى فرص.
أكد المغرب دائما احترامه لكل شركائه ووفاءه بالتزاماته وحرصه على إدامة علاقات الشراكة مع الغير وفق مبادئ الندية والمساواة واحترام السيادة والحق في تنويع الشراكات والانفتاح على شركاء جدد حسب الحاجة والابتعاد عن الابتزاز.
يحسب لجلالة الملك أنه كان سباقا لتسطير هذه المبادئ وعدم التساهل بشأنها كيفما كانت الجهة الأخرى. حين وضع الملك ملف الصحراء المغربية أولوية قصوى واعتبرها النظارة التي ينظر بها المغرب إلى العالم والمعيار الذي يقيس به صدق الصداقات ونجاعة الشراكات كان يوجه رسالة لكل أصدقاء المغرب وشركائه مفادها أن الوحدة الوطنية خط أحمر. وها نحن نرى ثمار هذه الصرامة في وقت وجيز بتوالي الاعترافات بمغربية الصحراء وسحب الاعتراف بجمهورية وهمية وعزلة دولية لجارة وفضح لنواياها التوسعية ومشاريع تنموية وقنصليات بالأقاليم الجنوبية تجعلها بوابة لإفريقيا.
يحسب لجلالة الملك أنه كان أول من رفض الابتزاز والمساومة من طرف أشباه صحفيين وباحثين ألفوا هذا الأسلوب ويغتنون بشكل غير مشروع من ورائه. نتذكر جميعا قصة إريك لوران وكاترين كراسيي صيف 2015 حين حاولا ابتزاز الملك بالمطالبة بما قدره ثلاثة ملايين يورو مقابل التخلي عن نشر كتاب يسيء للمغرب. ماذا كانت النتيجة؟
لم يستسلم المغرب وأوقعهما في تهمة الابتزاز وألغت دار النشر Seuil نشر الكتاب وتعرضا معا لفضيحة أنهت مسارهما وعرت حقيقتهما. وللأسف لم ينتبه بعض من ألفوا الابتزاز إلى هذا الأمر ولم يحسنوا قراءته.
دخلت فرنسا مع المغرب في لعبة شد الحبل سنة 2014 وبعدها أكثر من مرة وكانت تصل دائما إلى الباب المسدود لأنها تجد حائط صد لا يتهاون بخصوص ما يهم سيادة المغرب ومصالحه، ولكن جهات لم تفهم الحقيقة فكانت تكرر الاستفزازات دون طائل.
زيارة ماكرون للمغرب كانت مثالا حيا على نجاعة المقاربة المغربية. طبيعة العلاقات المغربية الفرنسية وتاريخها وحجم الشراكات بين البلدين والمصالح المتبادلة لا يقارن مع دول أخرى، وكان الأصل أن ينعكس ذلك إيجابا على الثقة والاحترام والاعتراف المتبادل بين البلدين. كان يلزم فرنسا استيعاب أن أزيد من ستة عقود بعد الاستقلال كافية لإحداث تغيرات كثيرة في وضعية كل دولة، ولذلك وجب التخلي عن النظرة الاستعمارية والاستعلائية ولا سيما في زمن يشهد تراجعا فرنسيا على المستوى العالمي والقاري مقابل تموقع متقدم للمغرب. لم يخطئ الكثير من المحللين قراءة خطاب الذكرى 69 لثورة الملك والشعب سنة 2022 حين استنتجوا بأن فرنسا هي من أهم المعنيين بما قاله جلالته بخصوص الصحراء المغربية. لم يكن الأمر مزايدة أو مطلبا غير واقعي ولكنه كان خطاب الصراحة والوضوح والحرص على علاقات مع فرنسا مبنية على الثقة المتبادلة والتقدير والاحترام المتبادل ولا سيما في ظل تلكؤ فرنسي غير مبرر وإصرار على اعتماد ازدواجية غير مفهومة وحرص على معادلة رابح خاسر التي لا تراعي مصالح المغرب. لم يشترط المغرب على فرنسا أو غيرها أن تكون العلاقة معه على حساب دولة أخرى لأنه يحترم سيادة كل دولة وحريتها في إقامة علاقات مع أي دولة أخرى، ولكنه اشترط على فرنسا الإنصاف والاعتراف الصريح بموقفها من قضيتنا الوطنية الأولى.
استعمل المغرب حقه في الدفاع عن مصالحه ومواجهة حملات التضليل التي تستهدفه، وطال ذلك كل الجهات التي كانت لها بصمة في ذلك في فرنسا، وفهمت فرنسا أن مقاربتها خاسرة وخاطئة، واستوعبت أن الأساليب التقليدية التي اعتادتها في التعامل مع شركائها التاريخيين لم تعد مجدية وكان يلزمها أن تؤدي أثمانا باهظة من أجل ذلك في افريقيا وغيرها حتى تصل إلى هذه الحقيقة.
لذلك يمكن اعتبار الاعتراف الفرنسي بمغربية الصحراء استدراكا متأخرا لخطأ كان يلزم تصحيحه منذ سنين لأن فرنسا هي أكثر الدول فهما لملابسات هذا الملف وحقيقته وأحقية المغرب في صحرائه وهي الأكثر قدرة على فهم المجهود الذي بذله المغرب في مبادرة الحكم الذاتي لإبداع حل واقعي وجدي يحفظ ماء وجه الجميع دون المساس بالسيادة المغربية على أرض مغربية بالقانون والتاريخ وروابط الولاء للعرش المغربي. وطبعا ينطبق الأمر نفسه على اسبانيا التي استدركت مبكرا خطأها رغم أن إكراهاتها أكبر بكثير من إكراهات فرنسا.
لم تنتبه بعض الجهات، على قلتها، في فرنسا أن ورقة الابتزاز بحقوق الإنسان تقادمت واستعمالها من طرف بعض المنابر الدعائية والمنظمات المأجورة لم يعد يخيف المغرب وأنه صار يتقن هذه اللعبة ويعرف طرق إدارتها وباستطاعته أن يدفع كل هذه الجهات ثمن ذلك بفضح خلفياتها وارتباطاتها؛ كما لم تنتبه بعض من هذه الجهات أن زمن تحريك “محمييها” في الداخل للضغط على الدولة لم يعد مجديا لأن المغاربة صاروا على دراية بهذه اللعبة كذلك والمغرب لا يتساهل مع أي كان والكل سواسية أمام القانون.
يمكن اعتبار زيارة ماكرون هذا الأسبوع اعترافا بالأخطاء ومحاولة لإصلاحها، ولم تجد من المغرب إلا ترحيبا لأن المغرب بالقدر الذي لا يتساهل فيه مع من يستهدف مصالحه فإنه منفتح على كل الحلول حين تصدر ممن أساء إليه، وخاصة إن كان من الدول التي تربطه بها علاقات وطيدة مثل فرنسا تتجاوز العلاقات الرسمية إلى وشائج مجتمعية يتداخل فيها التاريخ والاقتصاد والثقافة وغير ذلك.
قيمة زيارة ماكرون للمغرب تكتسبها من كونها أول زيارة دولة يقوم بها لدولة في العالم منذ سنة 2018، ومن توقيتها الذي يتزامن مع منتصف ولايته الثانية بعد أن كانت زيارته الأولى مباشرة بعد انتخابه في الولاية الأولى فقد بدأ ممارسة مهامه كرئيس في 14 ماي 2017 وزار المغرب في يونيو من السنة نفسها. فما هو سبب هذا التأخر لزيارة ظلت منتظرة والكل يترقبها وتسربت شائعات متكررة عن تاريخها؟
بين يونيو 2017 وأكتوبر 2024 جرت مياه كثيرة تحت جسر العلاقة التي توترت لأسباب لا يتحمل فيها المغرب مسؤولية، وقد اتضح هذا جليا لدى الشعب الفرنسي ونخبه أثناء تغطية الإعلام الفرنسي لهذه الزيارة.
اكتسبت الزيارة أهميتها عند الفرنسيين لأنها أعادت الدفء إلى العلاقة مع الدولة المغربية التي لا يتصورون قطيعة معها ولا يمكن الاستغناء عن شراكتها، وقد اتضح هذا الأمر من حجم الوفد المرافق لماكرون وتنوعه ومدة الزيارة وبرنامجها وترتيبها البروتوكولي ومن حجم الاهتمام الإعلامي الفرنسي بالزيارة. واكتست الزيارة أهميتها عند المغاربة من إظهارها قوة المغرب واعتراف الكثير من النخب الفرنسية أن الزيارة تمت بالإذن المغربي واختيار التوقيت والمواضيع كان للمغرب فيها دور حاسم وأن المغرب أملى شروطه على ماكرون وخرج منتصرا من سنوات الخلاف. ويؤسفني أن أقول كذلك بأن قيمة الزيارة برزت كذلك من حجم “المندبة” لدى الجارة التي لم يتبق لها إلا إقامة خيمة لتلقي العزاء في نظامها الفاشل الذي لم يجد غير إشاعة الأخبار الزائفة والكذب للتشويش والتقليل من وقع الزيارة على الجزائريين الذين لا يرون فيها إلا فشلا لنظامهم الذي ظل يستجدي زيارة لتبون يلتقي فيها ماكرون دون نتيجة.
اكتست الزيارة أهميتها كذلك من طبيعة ومجالات الصفقات وشمولها لجهات الصحراء المغربية وهو ما يشكل ضربة أخرى لحكم المحكمة الأوربية وما قلناه بصدده بأن العلاقات الثنائية لن تتأثر بذلك الحكم المسيس ذو الخلفية الابتزازية للمغرب وأن المغرب له أوراقه كذلك للرد عليه. وها هو الرد لم يتأخر.
كانت الزيارة مناسبة أخرى أكدت تفوق المؤسسة الأمنية باعتراف فرنسي أكد فيه وزير داخليتها دور المغرب في تأمين الألعاب الأولمبية والبارأولمبية بباريس وفي مواجهة الإرهاب ومحاربة الهجرة غير الشرعية والجريمة والتهريب، وهو ما شكك فيه كثيرون حين كنا نذكر به حينها وقلنا بأن المغرب لا يخضع مثل هذه القضايا للخلافات الطارئة والتوترات الظرفية لأن الأمن والحرب على الإرهاب والجريمة فوق هذه الحسابات.
شكلت الزيارة فرصة أظهر فيها المغرب عراقته وحضارته وتقاليده، وقد تجسد ذلك في مراسيم الاستقبال الملكي والطابع العائلي الذي اكتسته وكل الجزئيات والشكليات التي رافقت الزيارة، وهو ما أظهر للمغرب جزءا من قوته الناعمة والتي تعطي لحضارته إشعاعا دوليا وتبرز إحدى خصائصه كأمة لها جذور ضاربة في التاريخ والحضارة. لا يمكن إلا الرثاء لحال بعض أشباه الصحافيين الذين لم يروا في الطابع الاحتفائي إلا ما يوافق أنفسهم المريضة متناسين أن مراسيم الاستقبال تندرج ضمن تقاليد الدولة المغربية وحفاوة استقبالها وثقافتها في التعامل مع ضيوفها ولا علاقة لها بماكرون وهي حق لكل ضيف للمغرب في زيارة دولة.
نال ماكرون حظوة مخاطبة نواب الأمة، وهو تقليد معمول به وسبق للمرحوم الملك الحسن الثاني أن خاطب الفرنسيين من خلال البرلمان كذلك بباريس، ولعلها فرصة ليتذكر الجميع صواب موقف المغرب حين استنكر على ماكرون مخاطبته للمغاربة عبر مواقع التواصل بمناسبة زلزال الحوز بدون استئذان مؤسسات الدولة المغربية. لا حرج عند المغرب في مخاطبة المغاربة ولكن بعد الاستئذان ومن خلال منصة رسمية مسؤولة لأننا مأمورون أن نأتي البيوت من أبوابها وليس التلصص من النوافذ.
أكد جلالة الملك خلال هذه الزيارة أنه ملك إنسان وهو ما أراد دائما أن يصل إلى العالم، وشكل ظهوره بعكاز طبي حدثا أضفى على الاستقبال لمسة إنسانية مؤثرة استحسنها المغاربة وأكدت صواب رؤية جلالته وتقديره للثقة التي تربطه بالمغاربة. لقد قلناها في أكثر من مناسبة بأن الملك هو الذي جعل صحته شأنا يهم المغاربة ويتواصل بشكل رسمي وفوري بشأنها مع شعبه، وهو من أزال القداسة من الدستور وفضل أن ينظر إليه كملك إنسان يتعرض كغيره لوعكات صحية ولكنها لا تحول دون أدائه لواجباته الدستورية التي اقتضت أن يكون في استقبال ماكرون لأنها زيارة دولة.
لقد لاحظ المغاربة استغناء جلالة الملك عن ذلك العكاز في فقرات من برنامج الزيارة بما يؤكد أن صحته بخير وأن استعمال العكاز كان لأغراض وقائية وليس هناك ما يثير القلق لأنه مجرد شد عضلي مؤقت وهو يتداعى للشفاء بسرعة. وبالمناسبة فهذه ليست المرة الأولى التي استعمل فيها جلالته عكازا طبيا فقد سبق أن استعمله في نونبر 2012.
ستبقى عبارات الثناء التي تضمنها خطاب ماكرون -المختارة كلماته بعناية فائقة- عن تاريخ المغرب وحضارته ودوره في بناء فرنسا ما بعد الحرب العالمية خالدة في ذهن نظام جارة السوء وعليهم أن يقارنوها بما قاله عنهم. ستبقى تلك العبارات غصة في حلق نظام الكابرانات لأنها تذكرهم بما قاله منذ 3 سنوات -في أكتوبر 2021- حين شكك في وجود أمة جزائرية قبل الاستعمار الفرنسي للجزائر سنة 1830. هنا يكمن الفرق بين نظامين، ملك يقود المغاربة إلى العز و ذلك الذي يقود الجزائريين إلى الذل.
تكرار الاعتراف الفرنسي بمغربية الصحراء أمام نواب الأمة مسألة لا تخفى دلالتها وهي تصدر من رئيس فرنسا، وخاصة العبارات التي كانت حاسمة “لا مستقبل للصحراء إلا في إطار السيادة المغربية” والحكم الذاتي هو الحل الوحيد لهذا النزاع والتزام فرنسا بالدفاع عن هذا الحل في المنتظم الدولي والأجرأة السريعة لهذا الاعتراف وسط كل المؤسسات الفرنسية، كما عبر عن ذلك وزير الخارجية وهو يقول بأنه “تم اليوم استبدال جميع الخرائط في إداراتنا بخريطة المغرب بصحرائه كاملة”.
إعلان ماكرون في خطابه عن استلهام تجربة المغرب في الساحل كانت اعترافا فرنسيا آخر بخطأ المقاربة الفرنسية في تدبير علاقاتها مع دول هذه المنطقة وعدم استشعار خطورة تداعيات هذا الخطأ وهدر مجاني للزمن السياسي. لقد أكدنا في أكثر من مناسبة في هذا البوح الطابع الاستراتيجي والعبقري لمبادرة الأطلسي التي أعلنها الملك -بمناسبة الذكرى 48 للمسيرة الخضراء سنة 2023- لتسهيل ولوج دول الساحل إلى المحيط الأطلسي، وها هي فرنسا تريد استلهام طريقة تفاعل المغرب مع المنطقة والتي تنطلق من مبدأ أساسي هو احترام سيادة هذه الدول وعدم التدخل في شؤونها كما تفعل جارة السوء التي فضحتها مالي وغيرها والحرص على التعاون البناء ومنح الأولوية للتصدي للإرهاب والجريمة وتجارة الممنوعات التي تهدد استقرار المنطقة كلها وتمكين هذه الدول من فرص التنمية المستدامة. لقد أكد ماكرون أن الشركات الفرنسية يجب أن تستثمر في الصحراء المغربية واعتبر خروج بعض الشركات من القارة الإفريقية في السنوات الأخيرة خطأ يلزم استدراكه. ألم أقل لكم أن هذه كانت زيارة الاعتراف بالأخطاء؟
كشفت زيارة ماكرون حالة اليتم التي يعيشها الطوابرية بعد العزلة التي يعيشها النواعرية في فرنسا. جزء من المنابر المعادية للمغرب على قلتها وبعض خدامها لم تخف انزعاجها من عودة الدفء للعلاقات بين البلدين. أخطر ما لفت الانتباه هو حجم الهجوم على هذه الزيارة بشكل متكرر ومن أكثر من جهة من الطوابرية وكأنهم يؤدون واجبا وينفذون أمرا صادرا من جهة لا تريد للتقارب المغربي الفرنسي أن يتطور. من هي الجهة صاحبة المصلحة في هذا؟ وما هي هذه المصلحة؟
يتخوف أشباه الحقوقيين من دعم فرنسي ألفوه وانتعاش يحققونه في هذا الخلاف، ولذلك فإنهم فقدوا الصواب كما هو حال رفاق غالي الذين اشتد حنينهم لطروحاتهم الانفصالية وهم يطالبون ماكرون باحترام حق الشعب المغربي في تقرير المصير!!! وجعل حد لدعم الاستبداد!!. أليس هذا استقواء بالأجنبي؟
الوضع الطبيعي أن تراسل الجمعية بشأن قضايا حقوقية وبأسماء وحيثيات دقيقة ولكن هذا التعميم يؤكد أنها انحازت للتسييس وتتخفى وراء العمل الحقوقي لتلعب دور الحزب السياسي متجاهلة أن القانون صريح وواضح بهذا الخصوص وهو يميز بين الجمعيات والنقابات والأحزاب ولكل مجال إطاره القانوني المنظم له، وهذا الموقف يبين أن ظلال الموقف المناهض لمغربية الصحراء ما تزال تحكم رفاق غالي وتتحكم في تفكيرهم، وهم لا يرون في الاعتراف الفرنسي بمغربية الصحراء أي قيمة وأهمية في تسريع إيجاد حل لهذا النزاع الذي ينبغي أن يكون الشغل الشاغل لجمعية حقوقية لو كان اهتمامها ينصب على حقوق الإنسان ولا سيما أن هناك في المخيمات محتجزين محرومين من أدنى شروط العيش الكريم.
لقد حاول التيار الخاطف للجمعية تصوير المغرب وكأنه جمهورية موز خاضع لاستعمار مباشر ويطلب تقرير مصيره، وأنه في قبضة نظام مستبد مع العلم أن الجمعية وحدها مثال على ديمقراطية المغرب فهي تشتغل بشكل عادي في الدولة رغم مواقفها المناهضة للوطن وإجماعه وتتمتع بصفة المنفعة العمومية ولم تسحب منها رغم المخالفات الكثيرة التي وقعت فيها، ولكن انحرافاتها تتزايد حتى أصبحت الناطقة بلسان جارة السوء وانفصاليي البوليساريو. أليس في الجمعية عقلاء وحكماء؟ هل كل مكوناتها متفقة على هذه المواقف؟ لماذا لا نسمع لهم قولا وموقفا؟ هل ستبقى الجمعية مختطفة من طرف انفصاليين متخفين يمارسون التقية الحقوقية والسياسية والإيديولوجية؟ ولعل هذا من أسباب إعجاب غالي بحزب الله وإيران التي أصبح وكيلها في المغرب ويتسابق مع ويحمان حول من يحظى بهذه الصفة. هل تريد الجمعية أن تتراجع فرنسا عن اعترافها بمغربية الصحراء أم تريد استمرار الخلاف لتنتعش هي فيه مع جهات ومنظمات ترى في استعداء المغرب هدف وسبب وجودها؟
فاشل آخر يعيش متسكعا في مارسيليا بعد أن لفظته ساحات النضال في المغرب مثل غيره من مخلفات مجموعة 20 فبراير حاول كذلك التنقيص من الزيارة فوقع في المحظور وعرض نفسه للسخرية وللمتابعة بسبب ما جناه على نفسه من اتهامات للدولة واختراع لوقائع لا توجد إلا في مخيلته المريضة.
المحفوظ هو من حفظه الله بحفظه من الزلات وإلا فحمزة مخذول في كل شيء ولم يحسن حتى اختراع نص مكالمة بين الملك وماكرون بما يجعله مقبولا ومنطقيا. استسهل المخذول الكذب على قائدي دولتين وكأنه كان يشغل وظيفة السطانداريست الذي حول المكالمة وتلصص على مضمونها ونقله عبر صفحته. وهذه مناسبة أخرى للتحذير مما يجنيه التدوين على بعض المتسرعين ومن ضمنهم العجوز المتصابي فؤاد عبد المومني الذي “تصيد” في آخر عمره وورط نفسه في متابعة سببها صبي فاشل في عمر ابنته، وما عليه إلا أن يبرر إشادته وتبنيه لما ادعاه من وقائع والثناء على ناقلها “برافو حمزة”.
لم يجد أمثال فؤاد ما يناهضون به زيارة ماكرون إلا التذكير بالأسطوانة المشروخة لبيغاسوس التي اختبأت فيها المنابر الفرنسية إياها وراء شكليات قانونية للتهرب من المواجهة القضائية وتقديم الأدلة التي تورط المغرب في استعمال هذه البرمجية. هل كان ممكنا أن ينسى ماكرون التنصت على هاتفه بهذه السهولة؟ و لماذا تعمد ماكرون أن يسلم بحرارة على حموشي و محمد ياسين المنصوري و قادة القوات المسلحة الملكية و يطيل في السلام عليهم مع ٱستعمال عبارات ودية ؟ لماذا يتم عمدا تجاهل كل التقارير الرسمية التي برأت المغرب من امتلاك واستعمال بيغاسوس؟
هذه مناسبة لتدشين عدم التساهل في ترويج شائعات لا يتوفر من يروجها على الأدلة الكافية لأن استسهال تشويه سمعة المغرب والنيل منها لا يمكن أن يمر دون تحريك المتابعة القانونية وأمام القضاء سيكون كل مشهر ملزما بنشر أدلة اتهامه. هل يمكن التجاوز عن اتهام المغرب بالعمالة لإسرائيل وتقديم معطيات عن فرنسا جمعها المغرب بالتجسس؟ أليست هذه اتهامات تستوجب من فؤاد أدلة؟ من قال له بأن فرنسا تعتبر أن أخطر ما في تجسس المغرب عليها أن إسرائيل هي من تستغل معطياته؟.
لذلك فحين تحرك النيابة العامة الدعوى ضد مصدري هذه الاتهامات يجب أن تشكر لأنها تقدم خدمة للرأي العام وتوفر منصة لهؤلاء لترويج أدلتهم. أليست هذه هي الشفافية التي يدافع عنها عبد المومني؟ لماذا التخوف إذن من القضاء؟
نلتقي في بوح قادم.
