مغرب الانتصارات، مغرب الثقة
مغرب الانتصارات، مغرب الثقة
أكدت زيارة الدولة التي قام بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للمغرب بدعوة من جلالة الملك محمد السادس، على أن الأفق الاستراتيجي الذي اختطته المملكة المغربية بقيادة محمد السادس منذ ربع قرن، سليم ومبني على رؤية عميقة هي ما أهلت المغرب أن يصبح دولة فاعلة في محيطها الإقليمي والجهوي، دولة بالإضافة إلى نعمة الاستقرار والتطور الداخلي والخارجي، تعتبر شريكا معتدا وموثوقا به، ما ورد في خطاب رئيس دولة عظمى من حجم فرنسا عضو في مجلس الأمن وفاعل وازن في الاتحاد الأوروبي وعلى المستوى الدولي، برغم تغير قواعد اللعب في السياسة الجيو استراتيجية العالمية، يدل على أن المغرب أصبح له بالإضافة إلى موقعه الاستراتيجي الذي حباه الله به، لاعبا مركزيا في المنطقة، وبرغم كل الدسائس وأشكال التنافس المستعرة وغير الشريفة أحيانا كثيرة، حافظ على خط غير متذبذب في علاقاته مع شركائه، ولم يخل أبدا بالتزاماته، في كل المجالات من الأمن إلى الاقتصاد إلى صيانة تعاقداته مع شركاء متعددين، فبالأحرى مع الشركاء التاريخيين التقليديين.
لنتذكر قبل هذه اللحظة التاريخية، التوتر بين البلدين الذي تصاعد بشكل ملحوظ منذ عام 2021 عندما اتخذت فرنسا قرارا بتقليص عدد التأشيرات الممنوحة للمواطنين المغاربة كعقاب على ما وصفته بـ”عدم تعاون” المغرب في استعادة مواطنيه الذين هم في وضع غير قانوني بفرنسا. وكيف ظل محمد السادس يطالب فرنسا بالخروج من المنطقة الرمادية في قضية الصحراء المغربية، إذ امتنعت باريس عن دعم المغرب بشكل صريح، بعكس الولايات المتحدة التي اعترفت بسيادة المغرب على الصحراء في 2020، وإسبانيا التي عدّلت موقفها في 2022، مؤيدة لمقترح المغرب بمنح المنطقة حكما ذاتيا على أن تبقى تحت سيادة المملكة.
ثم جاءت قضية بيغاسوس التي اعتبرت بمثابة حصان طروادة لكل من له مصلحة في الحيلولة دون أي تقارب بين البلدين، ومنذ صيف 2023، تفاقمت الأزمة الدبلوماسية بعد بقاء منصب السفير المغربي في باريس شاغرا، وغياب السفيرة الفرنسية في الرباط لعدة أشهر، دون الحديث عن توجه ماكرون لخطب ود الجزائر نكاية في المغرب بعد أزمة الغاز المتزامنة مع نشوء الحرب الروسية الأوكرانية.
منذ تربع محمد السادس على عرش أسلافه، كان خطاب الرباط نحو فرنسا هو التعامل ليس على أساس أن المغرب زبون بل شريك، أي الانتقال نحو الندية والحفاظ على المصالح المشتركة وفق ما يعود بالنفع على البلدين، وأن المغرب ليس محمية استعمارية ولا دولة تمارس عليها فرنسا الوصاية.. البعض كان يعتبر موقف الملك محمد السادس تعنتا وعدم تقدير لحجم المملكة، وها هو التاريخ يؤكد الموقف السليم للمغرب في الدفاع عن مصالحه وعن وحدته الترابية، والموقف الفرنسي من السيادة المغربية على صحراء المملكة ليس إلا تأكيدا لواقع التاريخ والجغرافيا، لكن له وزنه الذي لا يقدر بثمن، على اعتبار أن فرنسا المستعمر السابق للجزائر والمغرب له إلمام بتفاصيل القضية وأبعادها بالإضافة إلى أنها فاعل دولي بمجلس الأمن.
لن نتكلم بمنطق تركيع المغرب لفرنسا، لأن تقاليد المملكة تنتصر لقوة المصالح المشتركة، ولمنطق قوة الحق الذي
لا يعلى عليه لا إلى منطق حق القوة، المغرب ليس له لا غاز ولا بترول حتى اللحظة، لكن لديه رجالاته ونساؤه، لديه نعمة الاستقرار وفضيلة الموقع الجيو استراتيجي الذي يجعل منه صلة وصل حضارية تمد الجسور والوشائج ولا تبني الجدران والأسلاك الشائكة التي ترسخ القطائع، لديه مؤسسات تتمتع بالمصداقية في الداخل والخارج، لديه ملك يضع قلبه على نبض شعبه، لديه حماة يذوذون عن مصالح الأمة بعزة نفس وروح وتفاني، وله تقاليد عريقة في تقدير الجوار دون تفريط في مبادئه وعقيدته التي تأتي في مقدمتها وحدته الترابية.
وها قد حصحص الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا، ولا يدوم إلا الصحيح، لقد فتح المغرب وفرنسا كما قال إيمانويل ماكرون في خطابه أمام نواب الأمة، كتابا جديدا بناء على شراكات وتعاقدات ملموسة تحفظ للبلدين مكانتهما وقوتهما ومصالحهما بشكل ندي دون وصاية، وهذا ما ينفع شعبي البلدين أما الزبد
فيذهب جفاء.
