بعد خروج فرنسا من المنطقة الرمادية ماكرون بالمغرب
بعد خروج فرنسا من المنطقة الرمادية ماكرون بالمغرب
القرارات الاستراتيجية لا تحتاج إلى الضجيج الإعلامي ولا إلى استدرار العواطف أو الحسابات السياسوية العابرة، بل إلى الإنصات العميق للتاريخ ووضع المصالح العليا للدول في علاقتها بكافة شركائها، هذا ما يحدث اليوم بين فرنسا والمغرب، فبعد أن وصفت القطيعة والتشنج الذي طبع العلاقة بين البلدين، بالأخطر والأطول من نوعهما، باستثناء ما حدث من قطيعة بين شارل دوغول والمرحوم الحسن الثاني في منتصف الستينيات، حتى تكهّن البعض بأنها لن تعود إلى سابق عهدها، ها هي العلاقات الفرنسية المغربية تعيش عصرا ذهبيا غير مسبوق. وهو ما عناه بلاغ الديوان الملكي في البيان الذي أخبر بموعد زيارة فرانسوا ماكرون إلى المغرب نهاية أكتوبر الجاري، حين قال: «تعكس هذه الزيارة عمق العلاقات الثنائية، القائمة على شراكة راسخة وقوية، بفضل الإرادة المشتركة لقائدي البلدين لتوطيد الروابط متعددة الأبعاد التي تجمع البلدين».
وقد تحسنت العلاقات بين المغرب وفرنسا بعد دعم باريس الواضح لسيادة المغرب على صحرائه المغربية. حين أبلغ ماكرون محمد السادس في رسالة وجهها له في 30 يوليوز أن مخطط الحكم الذاتي الذي تقدمت به الرباط هو «الأساس الوحيد» للتوصل إلى تسوية للنزاع المستمر منذ نحو خمسين عاما بشأن مصير الصحراء المغربية، وأن «حاضر ومستقبل الصحراء يندرجان في إطار السيادة المغربية».
وإذا كان الخارج يتفهم تشدد المغرب في المعيار الذي وضعه جلالة الملك لعلاقاته مع كافة شركائه، والمرتبط بالموقف من وحدته الترابية، والسير على حذو واشنطن التي اعترفت بسيادة المملكة على الأقاليم الصحراوية للمملكة أواخر عام 2020، بدليل ما كتبته مجلة «لوبوان» في عددها الأخير: «مع قدرة المملكة على التحدث إلى الجميع، باستثناء حالات الخلاف حول الصحراء المغربية، أصبحت المملكة المغربية أكثر قسوة دبلوماسيا وأكثر خشونة، وتتكيف مع إعادة التوزيع الجيوسياسي الجديد، والذي بدأ في 24 فبراير 2022»، وأضافت: «في بداية ولايته، حاول ماكرون التقرب من دول المغرب العربي، لكن الجزائر أغلقت الباب في وجهه مرتين.
وفي المغرب، ستكتب هذه الزيارة، إن لم تكن صفحة اقتصادية وسياسية جديدة، فعلى الأقل استمراريتها، فقبل أقل من ثلاث سنوات من انتهاء ولايته، يعود ماكرون إلى أساسيات الجمهورية الخامسة في المغرب العربي: الحليف هو المغرب». فلا يصح إلا الصحيح.
البعض منا في الداخل لم يفهم التشدد المغربي في علاقاته الدبلوماسية مع شركائه الكبار وجعل الصحراء هي المنظار الذي يقيم من خلاله علاقاته مع كافة شركائه، ونتذكر تعبيراتهم المستغربة لدولة عنيدة في ثباتها على مبادئها إزاء إسبانيا وفرنسا وألمانيا… بل إن بعضهم سخر مما أسماه بجنون دولة لا تقدر حجمها الحقيقي وتواجه الكبار.. نحن لن نشمت في هؤلاء، لنقول لهم انظروا ما حدث؟ انظروا القراءة السليمة لمعطيات التاريخ والتقدير الحقيقي للمبادئ الكبرى التي شكلت أنفة هذه الدولة وبنت تاريخها المجيد.
الأمر لا يتعلق بحسابات من انتصر ومن بقي ثابتا على مبادئه، بل في الذكاء الاستراتيجي الذي قاد هذه البلاد نحو كل هذه الانتصارات الكبرى، فبعض الجنون النابع من الصدق ومن المبادئ الجوهرية، على الأقل يحفظ كرامة أمة في استماتة الدفاع عن وحدتها الترابية ومصالحها العميقة.
زيارة ماكرون إلى المغرب هي حدث وازن في تاريخ العلاقات المغربية الفرنسية، يعكسه الوفد الوزاري الرفيع المستوى الذي من المتوقع أن يرافق فرانسوا ماكرون وسيضم وزراء الداخلية والدفاع والصناعة وغيرهم. على طاولة البلدين ملفات عديدة وشراكات اقتصادية عميقة واتفاقيات عسكرية وأمنية، على قاعدة رابح- رابح، وعلى أساس أفق مستقبلي واعد، فالمغرب بلد موثوق بشراكاته، مستقر ومتطور وغير متقلب، وفوق التاريخ والجغرافيا، هناك نظام يرأسه ملك هو الضامن المركزي الذي إذا عاهد وفى.
