بوح الأحد: خطاب العرش و تحديات المستقبل، العفو الملكي و بعض خفايا القرار السامي
بوح الأحد: خطاب العرش و تحديات المستقبل، العفو الملكي الدلالات و السياق و بعض خفايا القرار السامي، بعد القرار الفرنسي يمكن لماكرون أن يزور المغرب و أشياء أخرى…
أبو وائل الريفي
ينتمي خطاب العرش، بمناسبة الذكرى الفضية هذه السنة، إلى خانة خطابات الصراحة مع الأمة والمكاشفة مع الشعب والتذكير بالأولويات التي يجب علينا كمغاربة الاشتغال عليها والانشغال بها لتحقيق مزيد من الثقة في الذات والأمل في المستقبل. استحضر خطاب العرش هذه السنة أهم تحديات المستقبل التي قد تغيب عنا كمغاربة أو قد نستصغرها مقابل استحضار أولويات أخرى لا تقل أهمية ولكنها بالتأكيد ليست في درجتها.
إشكالية الماء مع توالي سنوات الجفاف وتأثير التغيرات المناخية وندرة المياه صارت تهدد كل مشاريع المغرب المستقبلية لأن الماء هو أساس الحياة ومحرك كل المجالات، ولذلك اعتبرها الخطاب الملكي قضية مصيرية ومسؤولية وطنية وأمانة في عنق كل المواطنين.
لم يسترسل الخطاب الملكي في ذكر الإنجازات لأنها كثيرة ومعروفة وملموسة ولا ينكرها إلا جاحد، سواء في مجال الإصلاحات السياسية والمؤسسية وترسيخ الهوية المغربية، أو المشاريع الاقتصادية والتنموية والبرامج الاجتماعية، أو في مجال تكريس الوحدة الترابية وتعزيز مكانة المغرب جهويا ودوليا لأن الهدف كان مصارحة المغاربة بما يجب في مناسبة كبيرة مثل هذه يتوقف على النجاح في تدبيرها شكل المغرب مستقبلا ومكانته في العالم.
اقتضت هذه الصراحة تحميل المسؤولية لمن هو متعثر أو مقصر في تدبير هذا الملف، ولذلك فقد كان الملك صريحا وهو يتحدث عن “التأخر في إنجاز بعض المشاريع المبرمجة في إطار السياسة المائية”، وكذلك عن عدم ترشيد استعمال الثروة المائية بشكل معقلن مؤكدا أن “لا مجال لأي تهاون، أو تأخير، أو سوء تدبير، في قضية مصيرية كالماء”، وبأن “علينا أن نصارح أنفسنا، بخصوص عقلنة وترشيد استعمال الماء لأنه لا يعقل أن يتم صرف عشرات الملايير، لتعبئة الموارد المائية، وفي المقابل تتواصل مظاهر تبذيرها، وسوء استعمالها”.
كعادة الخطب الملكية، لم يكتف الملك بإثارة القضايا الاستراتيجية وتشخيص الوضعية، بل تضمن الخطاب وصفات متكاملة لربح رهان الأمن المائي والغذائي وخارطة طريق للإنجاز، وهو يطالب بالمزيد من الجهد واليقظة وإبداع الحلول والابتكار والحكامة في التدبير والحزم والتعجيل والتنسيق والانسجام بين السياسة المائية والسياسة الفلاحية والتنزيل الأمثل للبرنامج الوطني للتزويد بالماء الشروب ومياه السقي والتحيين المستمر لآليات السياسة الوطنية للماء وتطوير صناعة وطنية في مجال تحلية الماء وغيرها من المقترحات التي يقع تنزيلها على عاتق الحكومة والإدارات ذات الاختصاص وكل المغاربة من جهتهم فيما يعنيهم. وكم كان انشغال جلالته بالتوزيع المجالي المتوازن للموارد المائية الوطنية عميقا في دلالته ومبناه لأنه يعبر عن انشغال بكل المغاربة وكل التراب الوطني بشكل متساو، وبالمقابل، ولأنه خطاب الصراحة، فقد وضح بأن “المساهمة في تنمية الوطن، وفي الدفاع عن مصالحه العليا وقضاياه العادلة، هي مسؤولية جميع المواطنات والمواطنين”.
لقد أراد الملك أن يعطي لهذه الذكرى طعما خاصا، ويتيح لفئة من المغاربة كذلك فرصة هذه المساهمة في تنمية البلد والدفاع عن قضاياه، ولذلك اقتضت إرادته العفو عن عدد من المحكومين والمتابعين في قضايا حق عام ولكن صفاتهم أو سياقات متابعاتهم تكتسي بعض الخصوصية أو هناك طلبات التماس العفو منهم أو من ذويهم أو من شخصيات وطنية ذات تقدير خاص تلتمس من الملك منحهم فرصة أخرى.
تجاوب جلالة الملك مع هذه الطلبات أدخل الفرحة على قلوب المعنيين وعلى عائلاتهم، وهم يرون تباعا خبر وصور الإفراج عن العشرات من المستفيدين من العفو الملكي، وضمنهم أعداد لم يكن يعرفهم أو يتحدث عنهم أحد دخلوا السجن في صمت وخرجوا في صمت لأنهم لا بواكي لهم ولا سند ولكنهم يستحقون العفو بعدما تأكد أنهم استفادوا من أخطائهم.
كعادة بعض هواة الاصطياد في الماء العكر وتعكير صفو البهجة والفرح، انبرى بعض أشباه المحللين لإعطاء تأويلات غريبة للعفو بعيدا عن حقيقته، والتي نعيد التأكيد عليها لتترسخ في الأذهان. العفو اختصاص سيادي للملك بمقتضى الدستور، وهو ينطلق من مبدأ الرحمة والرأفة والصفح، والغاية منه منح فرصة للمستفيدين منه بعد تحقيق جزء من العقوبة، ولا يعني إطلاقا التدخل في اختصاص القضاء أو الحلول محله أو مراجعة أحكامه، ولا يبرئ المستفيد منه من جريمته، وقد يكون بمبادرة من الملك أو باستجابة منه لطلب من المعني أو غيره ممن نص عليهم القانون “بطلب من المحكوم عليه أو من أقاربه أو أصدقائه ومن النيابة العامة أو إدارة السجون”، وقد يكون الدافع إليه أسباب إنسانية أو غيرها أو تحقق المراد من العقوبة الحبسية بقضاء جزء منها.
لمن استباح كل النصوص القانونية والمبادئ الحقوقية للتمكين لقراءة شاذة للعفو يلزم تذكيره بأبجديات القانون. العقوبة قد تتضمن عقوبة حبسية وغرامة مالية وتعويضا. يشمل العفو فقط العقوبة الحبسية، كليا أو جزئيا، وأحيانا الغرامة المالية، وهناك استثناءات لا يسقط فيها العفو الغرامة، ولا يتجاوزهما إطلاقا ليشمل التعويض لأنه حق أصيل للمتضرر أو الضحية ولا يمكن للعفو أن يطاله بنص القانون “لا يلحق العفو في أي حال من الأحوال ضررا بحقوق الغير”، وأستغرب لمن يتصور ذلك بحسن نية لأنه غير متوقع أن يحرم الملك متضررا/ضحية/صاحب حق من حقه الذي حكم له به القضاء وفق القانون، أما من ينتصر لهذه القراءة بسوء نية فلا يخفي هدفه الخبيث في الإيقاع بين الملك وفئة من المواطنين وتصوير جلالته على أنه ليس ملك الجميع بشكل متساو.
لا يصادر الملك حقوق الضحايا التي يضمنها لهم الدستور، ولهم وحدهم صلاحية التقرير بشأنها، ولا يمنعهم أحد من الاستمرار في المطالبة بها وفق ما هو منصوص عليه قانونيا. أما العقوبة الحبسية فقد تم إيقاف نفاذها بشكل جزئي بعدما قضى المستفيدون منها مددا متفاوتة واقتضت الإرادة الملكية منحهم فرصة أخرى. وهذا هو الشق الثاني الذي يريد البعض القفز عليه. لا يمنح العفوُ المستفيدَ منه حصانة مستقبلية أو ضوءا أخضر للتصرف خارج القانون. ما هو مُجَرَّم سيبقى مجرما اليوم وغدا لأن للقانون السيادة والسمو ولا مجال في مغرب اليوم والمستقبل لمواطنة امتيازية لأي فئة. والعفو لا يشمل إلا الجريمة والعقوبة التي صدر من أجلها ولا يتجاوزها إلى جرائم أخرى.
سيخطئ من يتصور العفو انتصارا له أو هزيمة لضحاياه، ومن هؤلاء من يبخس مطالَبات بحقوق الضحايا وإنصافهم جميعا. هؤلاء لم يفهموا حقيقة العفو ودوافعه وفلسفته وأثره. ويزجون بهذا الاختصاص في مجال سجالي خاطئ يفرغه من معناه النبيل الذي شرع من أجله وقد اتضح أثره بعد هذه الخطوة وسط المغاربة الذين فرحوا به وتيقنوا مما يكنه الملك للمغاربة من احترام ورحمة وتوسم خير كيفما كانت خطورة أفعالهم الجرمية لأنه مقتنع بأن الوطن في حاجة لكل أبنائه للمساهمة في تنميته، وخاصة إن تعهدوا بذلك أو توسط لهم من يضمن ذلك ممن له اعتبار عند جلالته.
من النقاشات المغلوطة التي حاول البعض إشغال المغاربة بها كذلك تضخيم جزئيات وشكليات من قبيل أن البعض لم يطلب العفو. هؤلاء يريدون إفساد الفرحة والتنقيص من دلالة العفو الملكي وتحريف الموضوع عن سكته الحقيقية. هؤلاء يشترطون على الملك ما يفعل ويريدون أن يحكم وفق رغباتهم ويبحثون عن الاستفزاز لمعرفة تفاصيل قصد التشويش على المبادرة أو التنقيص من بعض المستفيدين منها في سياق تنافسية مريضة على الزعامة و”التجذر” التي لا تقودهم إلا إلى مزيد من البؤس والعزلة. العفو أسمى من كل هذه الترهات، والخوض في هذه التفاهات نزول إلى الحضيض الذي يرى المغاربة أنهم في غنى عنه. لن يبيض العفو صفحة سوداء في حق المستفيدين ولكنه فرصة لهم لتصحيح صورتهم أمام المغاربة إن تم إرفاقه بخطوات مواكبة لهذا العفو، كما أن العفو لا يعتبر تنقيصا من الضحايا أو إهدارا لحقوقهم.
وكعادة المتضررين من أي خطوة جادة في المغرب، هناك من وجد الفرصة مواتية للانتقام من المؤسسات السيادية وتصويرها كرافض لهذه الخطوة بدون تقديم أي دليل على ذلك. لا يخفى الهدف من وراء هذه الادعاءات، وهي تندرج في خانة مساعي متكررة ويائسة للوقيعة بين الملك وهذه المؤسسات، وكذا التأثير على حجم الثقة والقبول الشعبي الذي تحظى به وسط المغاربة. في يوم من الأيام ستظهر الحقائق كاملة بشأن تفاصيل هذه المبادرة وحقائق حول دور كل جهة في إنجاح هذا المسعى وتوسيع فئات وعدد المستفيدين منها بعد أن كانت تقتصر على قلة قليلة لا تتجاوز أصابع اليد. ستبقى المؤسسات السيادية حامية للوطن والملكية بما يقتضيه ذلك من صرامة ومن استحضار لكل مستويات الحماية وتفاصيلها. والأهم أن هذه المؤسسات لا قرار لها فوق السلطة السياسية، بل هي آلية من آليات تنفيذ سياساتها العامة في هذا الإتجاه أو ذاك و لها صرامة في الإنضباط و العمل من أجل تفعيل القرار السياسي في إطار الحفاظ على هيبة الدولة.
فركائز الدولة و أعمدتها كانت و لازالت و ستبقى لأنها صانعة الإستقرار و آلية من آليات دوام الدولة و هيبتها.
فشكرا لجلالة الملك و لكل من ساهم في هذه الخطوة النبيلة لكن من يسعى إلى قلب الحقائق فليأذن ببسط كل الأدلة أمام الرأي العام التي ٱعتمدتها المحاكم و آنذاك ننتظر حكم الرأي العام التاريخي الذي لن يكون أبدا في صالحهم و إلى الأبد.
توسع البعض في مدلول العفو الملكي بما يخدم أهواءه، فمنهم من تحدث عن مقدمة لانفراج حقوقي ومنهم من تجاوز ذلك للحديث عن انفراج سياسي، وهناك من تجاوز الخيال ليتحدث عن مصالحة، وهناك من ربطه باستحقاقات مستقبلية مثل تنظيم كأس العالم أو ما شابه. ينطلق هؤلاء من أن المغرب خارج للتو من حرب أهلية أو كأنه كان في أزمة سياسية أو تطاحن واقتتال. العفو الملكي كما ينص القانون الذي ينظمه مبادرة ملكية مرتبطة بمناسبات عدة وتتكرر مرات خلال كل عام وعدد المستفيدين منه يكاد يتقارب بين كل المناسبات والجديد في هذه المناسبة هو شموله لبعض ذوي الصفات المشتركة، وفي هذا رسالة للفئات المعنية بأن المغرب في حاجة إلى صحافة مهنية في مستوى طموحات وتحديات ورهانات هذا البلد، ورسالة للجميع ليقدروا صفاتهم المهنية وما تستلزمه منهم من شروط أخلاقية وإنسانية ومهنية. يخطئ أصحاب هذه القراءات في حق المغرب والمغاربة والنخب وهم يصورون البلاد في هذه الوضعية لأنهم يؤكدون أنهم خارج الواقع وتوجههم مصالح خاصة لتصوير المغرب بهذه الكيفية.
تستحق مبادرة العفو الملكي من المستفيدين منها، فهم فلسفتها واستيعاب هدفها والتقدم بخطوات عملية لتحقيق كل آثارها، ومن ذلك الاعتذار للضحايا وتسوية الوضعية تجاههم بما يجبر أضرارهم الفردية ويعيد لهم الاعتبار تجاه المجتمع، وستكون خطوة محمودة ومقدرة من طرف المغاربة لأنها رد للتحية بما تستحقه من احترام وتقدير وطي لهذه الصفحة السوداء والمؤلمة من سجلهم جميعا.
يتخوف البعض من مثل هذه الخطوات لأنها تفقدهم مبرر وجودهم وتسحب البساط من تحت أرجلهم وقد اتخذوا من هذا النوع من القضايا “أصلا تجاريا” و”بورصة مضاربة”. ويتخوف البعض الآخر من عزلة وكساد مٌميتَيْن لأنهم لن يجدوا ما يملؤون به “روتينهم” في مواقع التواصل الاجتماعي الذي أصبح مورد رزقهم لأنهم غير قادرين على العمل ويكتفون بالابتزاز والعمالة.
أكبر متضرر من هذا العفو شخص بائس ينعم بالجنسية الفرنسية والإقامة بالديار الإسبانية، يعيش حالة إفلاس بسبب تراجع مثير لمتابعي “روتينه” وما رافق ذلك من قلة اهتمام به من المانحين بدأ يبحث عن تغطية مصاريفه من خلال الأدسنس ويتسول هبات جمهور اليوتوب بحجة شراء تجهيزات.
متضرر آخر هو الإرهابي الذي يرى في العفو عن بعض المدانين في قضايا الإرهاب بعد إعادة تأهيلهم من خلال برنامج “مصالحة” وقبولهم بمراجعات فكرية تنبذ التطرف واللجوء إلى العنف نهاية له. يكتشف حجيب وغيره عزلته وهو يرى أقرانه ينعمون بالحرية وفرص إعادة الإدماج بكرامة في وطنهم بينما هو يعيش على المساعدات فيما يعتقد أنه “بلاد كفر” يكتم فيها إيمانه ويخفي فيها قناعاته ليوم النصر الذي ينتظره منذ زمن وصار أقرب إلى اليقين أنه غير آت. لذلك لم يكن مستغربا أن يصاب بهستيريا جعلته يخرج عن صوابه ويجرب عبر رسائل مبطنة بطابع “كوميدي” لعله يحظى بالتفاتة.
هذه فقط عينة ممن غاضهم العفو الملكي لأنه سحب البساط منهم وعزز عزلتهم.
برنامج مصالحة جزء مهم من المقاربة المغربية لمواجهة الإرهاب ونجاحه يؤكد التفوق المغربي في هذه الحرب التي يصل فيها المغرب إلى أعلى النتائج بأقل كلفة وبنجاعة كبيرة.
وتبقى هدية الذكرى الفضية هي الاعتراف الفرنسي بمغربية الصحراء بعد طول تلكؤ وتمنع ومراوغة. كل ما يحيط بهذا الاعتراف يؤكد بأنه نصر كبير وبأنه تأكيد لما يتداوله المغاربة في أحاديثهم الخاصة والعامة عن مغرب الانتصارات المتوالية وعن العز الذي جلبه الملك للمغرب تجاه العالم.
طبيعة الدولة المعترفة بمغربية الصحراء هي فرنسا ذات المقعد الدائم في مجلس الأمن، والخبيرة بتاريخ الصراع بحكم ماضيها في المنطقة، والقريبة من طرفي الصراع ولأنها شكلت دائما رهانا أساسيا للجزائر لتحييدها وثنيها عن الإقدام على هذه الخطوة. ولذلك فاعتراف فرنسا اليوم شبيه باعتراف إسبانيا الخبيرة كذلك بتاريخ هذا النزاع المفتعل وخلفياته.
توقيت الاعتراف له دلالة كبيرة لأنه جاء في سياق حملة اعترافات من دول وازنة وتزامن مع ذكرى عيد العرش وبعد طول تردد، وهو ما يؤكد قوة ونجاعة الجهود الدبلوماسية المغربية التي يتولى صناعتها الملك شخصيا. توقيت الإعلان وطريقته تم ترتيبهما بعناية لأنهما جزء من هذا الانتصار. قد يكون هذا الاعتراف متأخرا وهذه حقيقة، ولكن فوائده قائمة وستزداد إن أكملت فرنسا مقتضيات الاعتراف بفتح قنصليات في الصحراء وترتيب أثر هذا الاعتراف في كل أمور الدولة الفرنسية.
أثر الاعتراف على نظام العسكر في جارة السوء مؤشر آخر على أهمية هذا الانتصار. حجم الصفعة التي أصابتهم كان أكبر من أن يتصور، وهو ما اضطرهم إلى الاستنكار المبكر والعلني بمجرد إخطارهم بهذه الرغبة بشكل سري، وسحب السفير، وإلغاء زيارة تبون المنتظرة لفرنسا بعدما تأجلت في أكثر من مناسبة وكيل الشتائم والوعيد كالعادة. ربما تستوعب جزائر شنقريحة وتبون اليوم أن دبلوماسية الغاز والرشاوي والكذب غير ناجعة، وأن الإهانات الفرنسية لهم متواصلة، وأن التهديد وسحب السفير مجرد إجراءات مؤقتة كما حدث مع إسبانيا والهدف منها امتصاص الغضب الشعبي وإنقاد الحملة الانتخابية لتبون الذي كان هذا الاعتراف إعلان فشل لولايته في القضايا الدولية بعد تأكد الجزائريين من فشله في القضايا الداخلية.
لغة الاعتراف دليل آخر على الانتصار المغربي لأنها لغة قطعية الدلالة لا تحتمل تأويلا، فقد تضمنت رسالة الرئيس الفرنسي أنه “يعتبر أن حاضر ومستقبل الصحراء الغربية يندرجان في إطار السيادة المغربية”، وأن “هذه القضية المرتبطة بالأمن القومي للمملكة”، وأنه “بالنسبة لفرنسا، فإن الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية يعد الإطار الذي يجب من خلاله حل هذه القضية”، وأن هذا المخطط “يشكل، من الآن فصاعدا، الأساس الوحيد للتوصل إلى حل سياسي، عادل، مستدام، ومتفاوض بشأنه، طبقا لقرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة “. والأهم هو الاعتراف الفرنسي بأن هناك توافقا دوليا يتبلور اليوم ويتسع نطاقه أكثر فأكثر حول مبادرة المغرب للحكم الذاتي وحول التنمية الاقتصادية والاجتماعية في الصحراء المغربية.
تحصي شنقريحستان خسائرها ولا قدرة لها على إيقاف نزيفها، وردود فعلها المتشنجة والمتسرعة تؤكد أنها هي الطرف الرئيسي في هذا النزاع المفتعل وليس عصابات البوليساريو الأجيرة لدى كابراناتها. وهذه من فوائد هذا الاعتراف حيث تأكد للمنتظم الدولي من يعارض تسوية سياسية تقدم بها المغرب منذ أكثر من عقد ولكن جارة السوء تمانع في المضي في تنزيل مقتضياتها رغم أنها في صالحها وفي صالح المنطقة كلها.
قصة هذا الاعتراف درس آخر لمن ظل يشكك في قدرة المغرب وقوته للدفاع عن مصالحه وتأمين استقلال قراره السيادي وفرض التكافؤ مع الدول الأخرى بغض النظر عن حجمها ورفض كل الابتزاز وأساليب الاستعمار الجديد. والغريب أن الأمر نفسه تكرر مع أكثر من دولة ولكن أصحاب “العزلة المغربية دوليا” لا يريدون الاستفادة من أخطائهم لأنهم أصحاب أجندات حاقدة على المغرب ولا مصلحة لهم في رؤية الحقائق كما هي على الأرض.
ميزة المغرب أن ذراعه مفتوحة للجميع واستعداده دائم للتعاون مع الجميع طالما هناك الاحترام المتبادل، ولذلك فقد كانت رسالة جلالة الملك الجوابية لماكرون قمة في الحكمة واللياقة وهو يعطي الضوء الأخضر لترتيب الزيارة المؤجلة والتي كانت متوقفة على شرط الاعتراف الفرنسي “ومن هذا المنطلق، وكما أشرنا إلى ذلك خلال اتصالاتنا السابقة، سأكون سعيدا باستقبالكم في المغرب، في إطار زيارة دولة يتم تحديد تاريخها عبر القنوات الدبلوماسية”.
القضية الحاضرة بقوة في احتفالات الذكرى الفضية للعرش هي القضية الفلسطينية، وهو ما يؤكد مركزيتها في اهتمامات وأولويات الملك حيث أكد بأن “الاهتمام بالأوضاع الداخلية لبلادنا، لا ينسينا المأساة التي يعيشها الشعب الفلسطيني الشقيق”. خطاب العرش لم يغيب هذه القضية واستحضر مجهودات المغرب في رفع المعاناة عن ساكنة غزة وغيرها بفتح طريق غير مسبوق وبشكل استعجالي لإيصال المساعدات، ومواصلة دعم المبادرات البناءة، التي تهدف لإيجاد حلول عملية، لتحقيق وقف ملموس ودائم لإطلاق النار، ومعالجة الوضع الإنساني واعتماد المفاوضات لإحياء عملية السلام لقطع الطريق على المتطرفين من أي جهة كانوا في إطار حل الدولتين، تكون فيه غزة جزءا لا يتجزأ من أراضي الدولة الفلسطينية المستقلة، وعاصمتها القدس.
لقد عشنا ذكرى فضية استثنائية تأكد فيها للجميع حاجتنا لملكية مواطنة وملك مغربي حتى النخاع مهموم بكل ما يفرح المغاربة ومتجاوب مع كل مطالبهم.
نلتقي في بوح قادم.
