بوح الأحد: الذكرى الفضية لتولي الملك محمد السادس العرش، …
بوح الأحد: الذكرى الفضية لتولي الملك محمد السادس العرش، ٱنطلاقة وصفحات جديدة لمغرب أقوى على كل المستويات و بكل المتمنيات
أبو وائل الريفي
أن هذا البوح يتزامن مع الذكرى الفضية لتولي الملك محمد السادس العرش، نخصص بوح هذا الأسبوع ليكون حوارا مغربيا مغربيا خالصا والفائدة تعم كذلك غير المغاربة الباحثين عن سبب هذا الانتصار المغربي في زمن التحولات الكبرى والاضطرابات الكثيرة التي تجعل المنتظم الدولي على فوهة بركان ساخن ودائم.
ربع قرن من حكم محمد السادس تفتح الشهية أمام الجميع للحديث عن نتائجها. يصاب من يبحث عن الإنجازات خلال هذه المدة بحالة إشباع بسبب الحصيلة الضخمة من المشاريع في مختلف المجالات ودون توقف والتي استفاد منها العالم القروي أكثر من أي مرحلة سابقة لأن جلالة الملك جعل من الإنصاف الترابي أولويته ومن فك العزلة عن العالم القروي شغله الشاغل. من عاش هذه المرحلة يعي جيدا حجم التحدي المطروح حينها على مغرب محمد السادس الذي راهن على شرعية الإنجاز وخوض الصعاب وخطاب الصراحة وإشراك الشعب في تحمل المسؤولية من منطلق أن المغرب للجميع ويعني كل المغاربة وهم وحدهم من يصنع مستقبله، وجلالة الملك واحد من المغاربة يقوم بدوره إلى جانبهم ومعهم ووسطهم، ويستمد طاقته من انخراطهم.
أثبت ربع قرن أن الملكية في المغرب هي عمود خيمة الوطن، وأكدت هذه المدة أن الملكية في المغرب من أعرق الملكيات في العالم وأكثرها قابلية للتأقلم مع المتغيرات، وأن المغاربة يلتفون حولها بشكل غير مسبوق لأن الاقتناع عام بأنها صمام الأمان لهذا المغرب وضامن استقراره والمحفز على الإنجاز. استطاع محمد السادس طبع الملكية بنكهة خاصة جددت معانيها الأصيلة عند أجيال الألفية الثالثة من المغاربة.
لن يكفي بوح واحد مهما كان طول فقراته حتى يوفي الإنجازات الملكية حقها لأنها كثيرة ومهمة وحيوية لاستمرار المغرب واستقراره ونموه. ومناسبة الذكرى الفضية تستحق عرضها لأن بين ظهرانينا عدميين وناكرين وجاحدين، ولأن مثل هذه الذكرى لا تتكرر كل سنة ولذلك لا بأس من التذكير بهذه الإنجازات. لهذا على المغاربة واجب هذا الاستعراض، وهو دور الساسة والإعلام والمجتمع المدني وكل المغاربة بمختلف شرائحهم ومناطقهم وأجيالهم للتحدث بنعمة هذا المغرب الصامد في وجه كل الأعاصير، والمواجه لكل الإكراهات، والقادر على صهر كل اختلافاته لتصبح تنوعا يمثل طاقة دفع للأمام وعامل ترسيخ لمعالم الأمة والشخصية المغربية التي يريد البعض إضعافها وطمسها ومسخها والتقليل من قيمتها.
سأخصص هذا البوح لخلاصة الخلاصات التي تأكدت للمغاربة خلال هذه الفترة بتواتر الوقائع. لقد تأكد للجميع حاجة المغرب إلى الملكية كنظام حكم عريق يتلاءم مع خصائص هذا البلد العظيم، وتأكدت أكثر الحاجة إلى شخص محمد السادس بالذات كملك مناسب يعتلي عرش هذه الملكية العريقة لأنه كان الخيار الأفضل في هذه المرحلة لتدبير المحطات المفصلية والأقدر على خوض صعابها والأشجع لمواجهة تحدياتها.
استلم جلالة الملك محمد السادس مغربا على وشك انقسام هوياتي بسبب مشروع خطة إدماج المرأة في التنمية. يمكن اليوم استحضار خطورة هذا النوع من الانقسامات وأثرها على استقرار الدول ووحدة الأمم وكيف شكلت مادة دسمة لتخريب المجتمعات. وبحكمته وحياده وتغليبه لمصلحة المغرب فقط وتنزهه عن الصراعات السياسوية والانتخابية والحزبية والإديولوجية ابتكر في ظرف وجيز مقاربة متميزة حولت نقاط التوتر إلى عناصر دفع ووحدة وبناء لمغرب الألفية الثالثة. استطاع جلالته تحقيق إجماع حول خطة إصلاح مدونة الأحوال الشخصية شمل كل الطيف المجتمعي من أقصى يمينه إلى أقصى يساره، وتمكن من توسيع وعاء هذا الورش ليتجاوز “الأحوال الشخصية” إلى مدونة الأسرة، وتوسع أكثر في المقاربة التحديثية حين كلف البرلمان بتدارس مشروع المدونة الجديدة والمصادقة عليه. لقد كان هذا الإصلاح رسالة قوية وواضحة للعالم كله أعطت صورة عن نوايا جلالة الملك ومنهجية حكمه وتوازن معالجته وحجم الثقة والإجماع الذي يحظى به وسط المغاربة، وهو ما لقي استحسانا دوليا ووطنيا. وبنفس المقاربة امتلك جلالته شجاعة توسيع دائرة تقييم عقدين من تطبيق مدونة الأسرة وفتح الباب أمام كل مكونات المجتمع للإدلاء بدلوها من أجل مراجعة هذا القانون المهم والذي تعكس توجهاته وفقراته هوية المغرب في المستقبل، وقد لاحظ المنتظم الدولي السلاسة التي تم بها تدبير هذا الورش واكتشف المغاربة كيف قل منسوب الاحتقان المجتمعي بسبب اليقين في الضمانة الملكية التي رافقت مراحل النقاش العمومي كلها لأن الكل مقتنع بأن الملك ملك للجميع ولن يضيع مصلحة أي فئة وله من القدرات ما يؤهله لحسم القضايا الخلافية بصيغة مرضية تحافظ على وحدة النسيج المجتمعي.
كان هذا اختبارا خطيرا مر منه المغرب ونجح فيه بامتياز، وكان للملك محمد السادس الدور الحاسم بمقاربته الجديدة التي انتصرت للمغرب والمغاربة وتجاوبت بإيجابية مع مطالب الجميع وصهرت كل ذلك في مشروع مندمج ومتكامل وعملي عكس طبيعة المشروع المجتمعي الذي يتبناه المغرب لخوض غمار الألفية الثالثة. ولا نحتاج التذكير بأن هذه المقاربة أصابت في مقتل المستثمرين في الفتنة والمراهنين على الانقسام والباحثين عن الفوضى وعزلتهم عن المغاربة وكشفت حقيقة مشاريعهم العدمية والهامشية.
لم يهنأ المغرب بهذا الإنجاز حتى طالته يد الغدر والإرهاب ذات مساء من ماي 2003 في خضم موجة إرهابية اجتاحت دولا عدة، بدءا من أمريكا في 11 شتنبر من عام 2001 حيث استهدفت عناصر القوة العسكرية (البنتاغون) والتجارية (توين سنتر) لأمريكا. من عايش تلك اللحظة في تاريخ المغرب يدرك حجم الخطر الذي أصاب المغاربة ويتذكر خطورة بعض الطروحات التي تبناها بعض الفاعلين الحزبيين حينها. وحده جلالة الملك بحكمته وتأنيه اختار خيار الحرب على الإرهاب بمقاربة جديدة ودون الانجرار إلى مربع يريده خصوم المغرب للنيل من سمعته وابتزازه ودون الوقوع في خطر الاقتتال الداخلي كما حدث في بلدان مجاورة انحازت فيها أجهزة من الدولة إلى طروحات فئة على حساب أخرى ولا تزال تعيش إلى يومنا تداعيات هذا الانقسام. اليوم، نستطيع القول بأن جلالة الملك كان ناجحا بامتياز ودوره كان حاسما في تدبير هذا الخطر، بل إنه استطاع تحويله إلى فرصة أظهرت قدرة المغرب على تأمين استقراره، وقدرته على ابتكار مقاربة مؤسساتية شاملة واستباقية ومتعددة الأبعاد لمواجهة الإرهاب. اليوم أصبح المغرب مدرسة تتسابق الدول للاستفادة من تجربتها، وطور المغرب كذلك خطة لإصلاح الشأن الديني الذي ظل دعاة الغلو ينتعشون في الفراغ والغموض الذي ينتاب بعض مجالاته وهوامشه. استطاع جلالة الملك بركيزة إمارة المؤمنين تأمين الدين والتدين من المغالين والمتاجرين والمستوردين لنماذج غريبة عن تاريخ المغرب وطبيعة المغاربة. صار النموذج المغربي في إصلاح الحقل الديني مغريا لدول كثيرة، وصارت إمارة المؤمنين في ظل حكم محمد السادس عامل استقرار واستمرار وضمانة وحافزا للمغاربة للحفاظ على المقاصد السمحة للإسلام الوسطي والمنفتح والمبني على الاجتهاد المواكب للعصر. لن تعبر الكلمات عن حقيقة النجاح المغربي في تأمين العباد والبلاد من الخطر الإرهابي ولكن الواقع والشهادات وحالة الرضى وسط المغرب تعبر أكثر عن الاطمئنان الذي يسود وسط المغاربة بشأن أمنهم ودينهم الذي كاد يختطفه ويتلاعب به من ينتعشون في المتاجرة بالدين ويتعيشون من إراقة دماء الأبرياء.
ورث محمد السادس مغربا منسحبا من الاتحاد الإفريقي في سياقات مفهومة ولكن كل دواعيها انتفت، بل الحاجة إلى العودة لهذا الاتحاد كانت ملحة. مرة أخرى حكمة الملك وشجاعته وقدرته الاستشرافية وقوته التفاوضية وقدرته على حسن قراءة الوضع كانت عوامل حاسمة في اتخاذ قرار استراتيجي يجني المغاربة اليوم ثماره.
لا يجادل اليوم واحد في صواب الاختيار الملكي بالعودة للاتحاد الإفريقي والتي تجسدت في خطاب تاريخي عميق المعنى والمبنى ومؤثر من حيث الوشائج العاطفية التي ظهرت على ملامحه وهو يلقي خطاب العودة أمام قادة القارة الإفريقية التي اعتبرها المغرب عمقا استراتيجيا. حصاد هذا الاختيار تجلت في مجالات عدة، أمنية واقتصادية وسياسية ودبلوماسية واجتماعية. يحسب للجالس على العرش هذه الشجاعة في التوقيت المناسب وإخراج هذه العودة بطريقة ضاعفت مردوديتها خلال مدة وجيزة، وهي حصيلة مرشحة للارتفاع أكثر إن تحملت الحكومة مسؤوليتها في تسريع إنجاز مبادرة الأطلسي.
من القضايا المفصلية التي كان للملك قصب السبق في تغيير مقاربة التعامل معها قضية الصحراء المغربية. المجهود الملكي واللمسة الملكية في تدبير هذا الملف واضحة حتى أن جلالته جعل القضية الوطنية بمثابة النظارات التي يرى بها المغرب العالم ويصنف باقي الدول والمنظمات. شكلت مبادرة الحكم الذاتي ضربة قاصمة لعصابات الإنفصال وحاضنتهم. انتصارات المغرب في نزاع مفتعل عمر طويلا صارت بذكرها الركبان ويوما بعد يوم تحصي الجزائر خسائرها الدبلوماسية والسياسية والميدانية. نيل اعتراف دول كبرى وتزايد حجم سحب الاعتراف بجمهورية الوهم وارتفاع عدد القنصليات في صحرائنا المغربية وتلقين عصابات البوليساريو درسا في الكركرات وقرارات مجلس الأمن التي تنتصر لمبادرة المغرب كله انتصارات استراتيجية وراءها الملك الذي أحسن اختيار المقاربة الجديدة للتعامل مع هذا الملف وأتقن الترافع عنه في المحافل الدولية وحصن مكتسباته بتنمية المنطقة الصحراوية بشكل جعل الفارق بينها وبين مخيمات العار في تندوف الجزائرية أكبر شاهد على الفرق بين العيش في الوطن الأم وبين الاحتجاز في مخيمات يتضح يوما بعد آخر أنها مجرد وسيلة للاسترزاق والسطو على مساعدات إنسانية من طرف عصابات البوليساريو وحماتهم.
عرت المقاربة المغربية لتدبير ملف الصحراء المغربية نظام شنقريحستان ووضعته أمام الحقيقة التي ظل يتفادى الاعتراف بها، وهي أنه طرف رئيسي في هذا الصراع والبوليساريو أداة تنفيذ قذرة لمخططه الخبيث. لا يكاد يتجاوز هذا النظام الصدمة حتى يصعق بأخرى، قلتها في أكثر من بوح سابق أن المغرب ضرب موعدا مع زمن الانتصارات التي تتوالى ولن يحدها أحد.
يتناقل المغاربة في مجالسهم أن محمدا السادس منح المغرب عزا تجاه القوى الكبرى. وهي حقيقة تسندها وقائع كثيرة. لم يخضع الملك للابتزاز ورفض التجاوب مع كل من ينتقص من هذا المغرب، ويتذكر المغاربة حالات التشنج التي طالت العلاقة مع دول كثيرة مثل ألمانيا وفرنسا وإسبانيا وهولندا وغيرهم. بعض السدج تصوروا أن تلك مغامرة ولا قدرة للمغرب على الصمود، وتناسوا أن تلك كانت استجابة لحاجة ملحة لدى المغاربة ولم يكن لجلالة الملك أن يخطو تلك الخطوة لولا ثقته في دعم المغاربة لها وحاجة اللحظة إليها ووجوب وضع حد للممارسات الوصائية والاستعلائية والاستعمارية. فماذا كانت النتيجة؟ هل يجادل اليوم اثنان في صواب هذا الخيار؟
ستبقى لحظة 2011 راسخة في عقول المغاربة وهم يرون نظما تتساقط بسرعة البرق ودولا تضعف بدون مقدمات ومجتمعات تدخل دوامة الحروب الأهلية التي لا تبقي ولا تذر وتهلك الحرث والنسل. لم تفقد الدولة المغربية الزمام وتدخل الملك في الوقت المناسب وبمشروع متكامل كان قيد الإعداد منذ سنين وينتظر استكمال عناصره. المبادرة الملكية سحبت البساط من تجار الفوضى الذين راهنوا على الوصول إلى الحكم بدعم أجنبي على حساب صناديق الاقتراع وإرادة المغاربة. هل يجادل اليوم اثنان في صواب المقاربة المغربية وتجنيبها البلاد فتنة التقسيم والتشرذم والاحتراب وضياع الفرص التنموية. لننظر إلى جوارنا حيث تونس مهد ما سمي ربيعا عربيا وهي تعيش اليوم خريفا متواصلا وانتهى بها الأمر إلى تراجعات حقوقية وانغلاق سياسي وتدهور اقتصادي ومآسي اجتماعية وانكفاء دولي.
في المغرب، وبفضل حكمة الملك وتوقعاته الصائبة، عاش المغاربة لحظة تحول عميق أراده الملك مناسبة لترسيخ الديمقراطية بخطوات وضمانات دستورية ومؤسساتية جعلت من الاختيار الديمقراطي ثابتا. ويحسب لجلالة الملك أنه فتح ملف الانتهاكات الجسيمة وقاد عملية مصالحة وإنصاف للضحايا وجبر لأضرارهم الفردية والجماعية والمادية والمعنوية وأرفق كل ذلك بتوصيات اكتست قيمة دستورية اليوم لتجنب عدم إعادة هذا الماضي.
انطلق عهد محمد السادس بمبادرات تنموية اجتماعية متفرقة في مجالات ومناسبات عديدة، وهي مبادرات اكتشف فيها المغرب معدن جلالة الملك الأصيل وحسه الإنساني والاجتماعي. تقوى هذا المسلك الاجتماعي خلال الأزمات الخطيرة مثل كوفيد والتي نجح المغرب في تدبيرها صحيا واقتصاديا واجتماعيا وإنسانيا وحقوقيا وكان دور الملك أساسيا بفضل توجيهاته وقراراته الحاسمة التي جعلت بلادنا من الدول القليلة التي توفقت في تدبير جائحة غير مسبوقة. وتكرر الأمر نفسه في زلزال الحوز وقبله الحسيمة. يحسب للملك أنه الحارس للجانب الاجتماعي والمدافع عن أولويته حتى أصبح أمام المغاربة خيارا ثابتا اسمه الدولة الاجتماعية التي لا يمكن لأحد التراجع عن مكتسباتها. والأهم أن التمسك بهذا الخيار لم تحل دونه قلة الإمكانيات وصعوبة تنزيل مقتضياته لأن الملك الإنسان ينتصر دائما لكل ما هو إنساني ومقتنع أن بإمكان المغاربة أن ينجحوا في تنزيل الدولة الاجتماعية إن هم وضعوها هدفا وأولوية.
نموذج الدولة اللامركزية المبنية على الجهوية المتقدمة خيار تقدم فيه المغرب كثيرا خلال هذا الربع قرن الأخير. يتذكر المغاربة خطاب الملك وهو يقدم توصيات أشغال اللجنة الاستشارية للجهوية التي اشتغلت وفق توجيهات ملكية لإبداع نموذج مغربي مغربي لجهوية متقدمة ذات جوهر ديمقراطي وتنموي. كانت خلاصة اللجنة اعتماد هذا التنظيم الجهوي الجديد بقانون فقط ولكن شجاعة الملك وثقته في المغاربة ودرايته بما يستحقه المغرب جعله يقرر اعتماد هذا النموذج بمراجعة دستورية في فترة شديدة الحرج. من عايش تلك اللحظات يستنتج أن الملك مطلع جدا على حال المغرب وأحوال المغاربة وعنده تشخيص دقيق لما يحتاجه المغرب ولخارطة الطريق من أجل الاستجابة لحاجيات المغاربة.
حياد الملك ونأيه بالذات ومؤسسات الدولة السيادية عن الصراعات الحزبية ضمانة مهمة لدوام وحدة المغرب وقوته، وهو ما يتلقاه المغاربة بمختلف فئاتهم بقبول حسن. لن ينسى المغاربة واقعة تعثر تشكيل الحكومة سنة 2016 والخوف من استمرار حالة الشلل المؤسساتي بإدامة حالة تصريف الأعمال مع ما تعنيها من اقتصار على تدبير الحد الأدنى ورفع وتوسيع حالة الاحتقان. كان للملك قراءة للدستور حافظت على روحه ونالت رضى كل الفرقاء وعززت الدور التحكيمي للملك برضى الجميع. يستشعر الكثيرون اليوم أنه لولا الملك لما سلم المغرب من تداعيات سلبية لذلك الانحباس الذي كاد بعض الفرقاء أن يغرقوا فيه البلاد لتكون على شاكلة الدول التي أصابها إعصار “الربيع العربي”.
يحسب للملك محمد السادس حرصه على الانتماء القاري والقومي والديني للمغرب. لم يضع محمد السادس هذا المبدأ للمناقشة رغم الإكراهات. بدأ عهد محمد السادس بموقف صارم تجاه القضية الفلسطينية وهو يستقبل وزير الخارجية الأمريكي الأسبق كولن باول بشارة على صدره تحمل عبارة “كلنا فلسطينيون” وكان الحدث حينها جرائم إسرائيل ضد الفلسطينيين. ظل المغرب على نفس خياره ولم تمنعه إعادة إحياء العلاقات مع إسرائيل من الإبقاء على موقفه المساند للشعب الفلسطيني وحقه في دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس، ولذلك ظل المغرب طيلة هذه المدة وفيا لهذا المبدأ، وهو ما عبر عنه أياما قبل هذه الذكرى وهو يرحب بالرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية الذي أكد بأن الاحتلال الإسرائيلي المستمر منذ عقود للأراضي الفلسطينية غير قانوني، ويجب أن ينتهي في أسرع وقت ممكن.
يحسب للملك محمد السادس توازنه في التعاطي مع القضية الفلسطينية ومع فصائلها كاملة وقد احتضن الكثير منها ونظم نقاشات بينها دون أن يؤثر ذلك على اعتباره منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني. ورئاسة المغرب للجنة القدس شكلت دوما طرفا داعما لحق الشعب الفلسطيني في نيل حقوقه وفي مقدمتها دولته المستقلة.
القائمة طويلة للمحطات المفصلية التي عرفها المغرب خلال ربع قرن وكان للملك محمد السادس كشخص دور في تحويلها من إكراه إلى فرصة. هذا ما يعزز أن الملكية جزء من تراب هذا الوطن ومائه وهوائه، وأصالة الملكية في هذا الوطن هي التي تجعلها تتبوأ مكان الصدارة في المشهد السياسي دون أن تكون لاعبا منافسا لأنها فوق المنافسة ولا مصلحة لها إلا وحدة المغرب وقوة المغرب ومكانة المغرب وراحة المغاربة.
لا نستغرب إذن إن نالت طيلة هذه المدة النصيب الأوفر من محاولات الهدم والتنقيص لأنها عمود خيمة الوطن. يأس الطوابرية من النيل منها والآثار العكسية لحملاتهم بسبب الالتحام التاريخي للشعب مع ملكيته جعلهم يغيرون الخطة في أكثر من مناسبة.
“موضة” الطوابرية واكتشافهم المخزي هو استهداف أركان ودعائم الملكية بإثارة الأخبار الزائفة وصناعة السيناريوهات “الحامضة” والقصص الخيالية عن صراعات وسط محيط الملك. إثارة الصراعات بين الأمن الداخلي والخارجي هي محاولة لإصطناع أزمة إلى المحيط الملكي كتقنية لإضعاف الملكية بعد اليأس من النيل منها بشكل مباشر بحكم الثقة الشعبية الواسعة في الملك والملكية. هي خطة بدائية يشتم فيها رائحة نظام الكابرانات العاجز عن تأمين “شنقريحستان” بدون ضغط أمني وإحصاء للأنفاس ومنع لكل أشكال التعبير والتنظيم.
توقيت ترويج شائعات الصراع بين آليات الدولة السيادية ليس بريئا وقد اعتدنا هذا النوع من الأخبار الزائفة كلما اقترب عيد العرش كمحاولة لإفساد الفرح على المغاربة. وسياق هذه الشائعات معروف وهو التغطية على النجاحات التي تحرزها هذه الآليات السيادية التي تتناقل وكالات الأنباء العالمية خبر حضورها وتأمينها للألعاب الأولمبية في باريس بطلب وإلحاح من الدولة الفرنسية، وهي خطوة أخرى بعد نفس العمل في تأمين مونديال الدوحة.
من حسن حظنا كمغاربة أن مؤسسات الدولة واعية بهذه المخططات ولن تنجر إلى مربعها ولن تشغلها عن مهامها الأساسية. هي مخططات فاشلة ولا تلقى تصديقا من غير ذوي النفوس المريضة والنيات الخبيثة المليئة بالكره والحقد على المغرب والتي يجسدها الأقزام والهامشيون المقتنعون أنها لن تعطي نتيجة بحكم الاحتضان الشعبي لهذه المؤسسات ونتائج استطلاعات الرأي مثال والإقبال على الأبواب المفتوحة للأمن الوطني مثال آخر والشهادات من الخارج كافية لينقصوا من توقعاتهم.
الحمد لله أن مرور الأيام يكشف حقيقة الطوابرية حيث لا يقف وراء هذه الشائعات سوى المبتزون وأصحاب السوابق وتجار الممنوعات وكراكيز تحركها جهات جعلت كل همها إضعاف المغرب عوض أن تنشغل بتنمية دولتها الغارقة في المعاناة رغم وفرة الإمكانيات الطبيعية التي لديها.
يمكن الآن فهم حاجة المغرب إلى الملكية كنظام حكم وللملك محمد السادس كملك. ويزيد من ذلك الطابع المسالم ومراعاة الجوار وحسن اختيار العبارات والمواقف واللياقة العالية في التعبير.
باختصار هنيئا لنا بهذا الإرث العريق الذي يعكس عراقة هذه الأمة. مغرب المستقبل نبنيه جميعا كل من موقعه وبغيرته على المغرب أولا وأخيرا. والملكية جزء منا والملك في مقدمتنا لأنه أحب لهذا البلد ملكية مواطنة.
نلتقي في بوح قادم.
