الباك يا الباك، ومحنة ما بعد الباك
أفرج عن النتائج النهائية للباكالوريا واجتاز من لم يوفقوا الدورة الاستدراكية الامتحان- الجسر، لكن محنة الأسر مع أبنائهم حين يصلون إلى الباك مليئة بالتحديات والآمال في اجتياز أبنائهم هذه القنطرة الصعبة التي تحكم على المسار المستقبلي للتلميذ المغربي، يا إما.. ويا إما. وبالرغم من التكلفة الباهظة لشهادة البكالوريا، فإن أولياء أمور التلاميذ المغاربة يبذلون قصارى جهدهم لحصول أبنائهم على شهادة البكالوريا التي تبدو كحاجز مصيري، مهما كلفهم ذلك من دروس خصوصية وكتب استثنائية، وما تكلفه الساعات الإضافية من تكاليف وأعباء مالية ووقت يخصصه الآباء والأمهات لأبنائهم، لا زالت الأسر المغربية تثق بشهادة البكالوريا التي أضحى لها مفعول سحري في حياة الشباب المغاربة، لأنها باب للنعيم أو لجحيم المهن العادية بدون ترقي اجتماعي كما تتصور عائلاتنا.. لا مستقبل للتلميذ أو التلميذة المغربية بلا بكالوريا، ويصدق الواقع أن شهادة الباك رغم كل الانتقادات التي توجه لها، لا زالت لديها مصداقية، ليس فقط داخل المغرب ولكن خارجه أيضا.. لذلك تقبل جل جامعات العالم البكالوريا المغربية كشهادة معترف بها، وما إن تتنفس الأسر المغربية الصعداء بحصول أبنائها على شهادة البكالوريا، حتى تبدأ محنتهم من جديد مع مباريات ولوج المؤسسات العليا العمومية أولا، لتخفيف الضغط على ميزانيات الأسر المحدودة الدخل خاصة من الطبقات الوسطى التي تستثمر أكثر من غيرها في تعليم أبنائها كما تؤكد ذلك كل الإحصائيات والدراسات.. أول هاجس يطمئن أو يخلق الهوس اليوم للعائلات المغربية ليس هو فقط نجاح أبنائهم في اجتياز عتبة البكالوريا كما كنا أيام زمان، ولكن هو حجم المعدل الذي نجحوا به، لذلك تجد في بعض المنازل ما يشبه المآتم لأن أبناءهم لم يحصلوا على معدل يفوق 14 على 20، وهو الحد الأدنى للقبول في مؤسسات عمومية لا زالت تتمتع بالمصداقية، وبكون الدولة هي من تتحمل تكلفة التعليم العالي لهؤلاء الناجحين المقبولين في المؤسسات العمومية التي لا زالت تتمتع بمصداقية كبرى وبكونها باب للولوج إلى عالم الشغل بيسر وبشكل مضمون، أما غير ذلك، فيعني التكلفة الباهظة للتعليم الجامعي للأبناء الحاصلين على البكالوريا، هناك مبالغ خيالية في بعض المؤسسات لا تتماشى ومتوسط عيش المغاربة، ونحس أنها لا تهتم بالكفاءة ولا بالمساواة وتكافؤ الفرص، بل بما تجنيه من مال من جيوب الأسر المغربية الراغبة في تكوين أبنائها الحاصلين على البكالوريا ليضمنوا مفتاح مستقبلهم بين أيديهم.. لذلك نشهد عملية النفخ في النقط والبون الشاسع ما بين النقط المحصل عليها في المراقبة المستمرة وبين تلك المحصل عليها في الامتحان الموحد لشهادة البكالوريا، وما بين نقط المدارس الخاصة التي تحذف بشكل غير أخلاقي، وفيه إخلال بتكافؤ الفرص يهم كل المواد التي لا يمتحن فيها الطلبة في البكالوريا مع زيادة ساعات المواد المركزية التي يمتحن فيها التلاميذ فقط، على خلاف المدارس العمومية.. وهذا منافي لجوهر توحيد التعليم ومبدأ تكافؤ الفرص والمساواة، ويجب تشديد المراقبة التربوية في هذا الباب.. وإذا كانت بعض المعاهد الخصوصية في التعليم العالي تفرض رسوما خيالية لتمدرس الطلبة، لكنها بالمقابل تقدم تعليما بمستوى جيد وتتمتع بمصداقية عالية، فإن مؤسسات أخرى خاصة للتعليم العالي تنفخ في أسعار تدريس الطلبة وفي كل الرسومات التي تفرضها على أسر الطلبة بلا جودة ولا مصداقية لتكوينها، وهو ما يزيد من إرهاق الأسر المغربية التي تكدح وتتجشم تكلفة باهظة لتدريس أبنائها بدون جودة ولا ضمان حسن تكوين، وهو ما يفرض على الدولة مراقبة هذا القطاع الشديد الحساسية رأفة بالأسر المحدودة الدخل التي تستثمر كل مداخيلها في تعليم أبنائها بعد حصولهم على البكالوريا.
المصدر: شوف تي في
