بوح الأحد: من واشنطن إلى مدريد الأمن المغربي يرسخ الريادة العالمية …
بوح الأحد: من واشنطن إلى مدريد الأمن المغربي يرسخ الريادة العالمية، سكوبات الطوابرية الكاذبة تسقط تباعا و فضائح الطوابرية لم تنته بعد، فرنسا تدخل مرحلة عدم الإستقرار الدستوري و السياسي حتى نهاية رئاسة ماكرون و أشياء أخرى
أبو وائل الريفي
مسار تحديث وتطوير وتأهيل المنظومة الأمنية المغربية ماض في طريقه، ويحصد تباعا الشهادات ويحقق الإنجازات. آخر شهادة نالتها المديرية العامة للأمن الوطني هي حصول مختبرها الوطني للشرطة العلمية والتقنية، للسنة السابعة تواليا، على شهادة الجودة(ISO 17025) التي تمنحها المنظمة الأمريكية للاعتماد والتقييس.
جديد شهادة هذه السنة هو تعميم شهادة الجودة على جميع تخصصات المختبر (مصالح البيولوجيا الشرعية، والكيمياء الشرعية، والمخدرات، وعلم السموم، وتحقيق الخطوط). شهادة الاعتماد هذه لا يمكن الحصول عليها إلا بعد الخضوع لمسطرة افتحاص وتدقيق ومواكبة عملية تحت إشراف خبراء من المركز الدولي للعلوم الجنائية والعدالة.
فوائد هذه الشهادة كثيرة، والمستفيد منها أولا هم المغاربة في مجال حماية واحترام الحقوق والحريات، والعمل القضائي لتأمين المحاكمة العادلة أو التصدي للتطور الذي تعرفه الجريمة حيث أصبح تطوير عمل الشرطة العلمية والتقنية واجب الوقت لتقوية الأبحاث الجنائية وتعزيز نجاعة التحقيقات الشرطية لمواجهة الأجيال الجديدة من التقنيات والأساليب الإجرامية التي تستعمل في الجرائم.
الإنجاز الأمني الأخير، ولن يكون الآخر طالما أن التهديدات الإرهابية موجودة، للمغرب تجلى هذه المرة في المعلومات الاستخباراتية التي قدمتها المخابرات المغربية DGST للحرس المدني الإسباني والتي قادته إلى تفكيك خلية إرهابية داعشية تنشط في عدة مناطق داخل إسبانيا. الأهم في هذا الإنجاز أن إعلانه تم من طرف وزارة الداخلية الإسبانية، وأنه يؤكد تفوق المقاربة الاستباقية المغربية، ويعزز كفاءة الأساليب المغربية في تحصيل المعلومات الضرورية للتصدي للإرهاب قبل وقوعه، ويتزامن كذلك مع الزيارة الناجحة لعبد اللطيف حموشي لألمانيا وفرنسا.
حصيلة هذا العملية كانت إلقاء القبض على ثمانية عناصر في مداهمات منزلية في مليلية المحتلة ومدريد وملقا، وعملية أخرى سبقتها ببرشلونة أسفرت عن اعتقال إرهابي آخر مشتبه فيه متخصص في إنشاء ونشر المحتويات الجهادية.
تغيظ هذه الإنجازات الطوابرية فتدفعهم إلى حالة إنكار غريبة تزيد من ورطتهم لأنها تدفعهم للمزيد من الكذب وترويج الأباطيل. هل يمكن استساغة أن تعلن وزارة الداخلية الإسبانية خبرا كهذا وهو مفبرك؟ وهل يمكن أن تعلن الداخلية الإسبانية خبرا مشكوكا فيه؟ وهل التشكيك في مثل هذه الإنجازات يفهم منه غياب الخطر الإرهابي؟ وهل الحقد على المؤسسة الأمنية يمكن أن يصل حد إنكار تفكيك مخاطر إرهابية؟
متاعب الطوابرية تتزايد، والوضع الحرج الذي صاروا يعيشونه يبعث على الشفقة، والدائرة تضيق عليهم بشكل غير مسبوق بما يؤكد أن هذا العام سيكون وبالا عليهم.
لم ينفع التشكيك في مجهودات المغرب لمحاربة الخطر الإرهابي، ولم يعد المغرب بحاجة دائمة إلى إعلان خبر تفكيك الخلايا، بل صارت دول عديدة تعلن ذلك وتشير إلى الدور المغربي الأساسي في تلك الإنجازات. والشهادات تأتي من الخارج بما لا يدع مجالا للشك بأن العمل الأمني المغربي وصل درجة من الاحترافية في المهنية ودقة في التنظيم وفعالية في الميدان وكفاءة في الموارد البشرية لا يمكن الاستغناء عنها لمحاربة المخاطر الإرهابية والجرائم العابرة للحدود.
اكتشف المغاربة جميعا حجم الكذب والأباطيل التي يروج لها الطوابرية. يظنون أن عدم الرد عليها دليل على صوابها، ولكن لا يفهمون أنه ترفع عن السقوط في مستنقع نتن يريدون جر البلاد كلها إليه وإشغال المؤسسات به عن مهامها الأساسية، ولكن حتما لا يمكن حجب الحقيقة لأن لها وقتها ومناسبتها وستفرض نفسها على الجميع إلا هؤلاء الطوابرية المكابرين والمعاندين.
أين نحن اليوم من “سكوبات” مذكرة البحث في حق حموشي؟ أين نحن من منعه من زيارة فرنسا؟ أين نحن من مذكرات التوقيف في قبرص؟ أين نحن من ٱغتيال أميرة؟ أين نحن من المرض الخطير للملك؟ أين نحن من موت الملك وظهور شبيه له في الأنشطة الملكية؟ أين نحن من شائعة وفاة والدة الملك عندما كانت حية ترزق؟ أين نحن من مذكرات توقيف صادرة عن الانتربول وهي التي قررت عقد مؤتمرها القادم في المغرب؟
اليوم يتنصل كل طوابري من هذه الأكاذيب ويلصقها بغيره ليتضح أن بأسهم بينهم شديد يحسبهم البعض جميعا وقلوبهم شتى، وكل واحد منهم يحرص على مصالحه الخاصة. يجمعهم فقط كره المغرب والحقد على المغاربة لأنهم يتصورون أنفسهم فوق المواطنة العادية وهمهم الابتزاز لتأمين وضعية مريحة بناء على امتيازات وريع ألفوا الاستفادة منه أو يظنون أنفسهم يستحقونه.
يكتشف المغاربة اليوم أن الخبر الصحيح يكون دائما مصدره البيانات الرسمية التي لا تألو المؤسسات السيادية مجهودا في نشرها حول وقائع كثيرة، بما فيها وقائع كانت تكتسي حساسية كبيرة، ولكن في عهد الملك محمد السادس حرص هو بنفسه أن يكون المغاربة أول من يعلم بها. لقد مضى الزمن الذي كانت تتعيش به بعض المنابر الدعائية على “خبيرات” مجالس النميمة السياسية وتضيف إليها توابل الإثارة وتقدمها للمغاربة كسبق صحافي. صارت أخبار المغرب متاحة للمغاربة من داخل المغرب، وليس هناك مانع من نشرها مهما كانت حساسيتها. وحدهم الطوابرية يعاندون تطور الزمن ويريدون وقف عجلة الزمن للبقاء في سنوات الانتعاش من الشائعات.
قلتها في أول بوح لهذه السنة. ستكون سنة 2024 عام فضائح للطوابرية، وها هي الفضائح تتوالى. على الطوابرية احترام ذكاء المغاربة والاعتراف بالحقيقة. والحقيقة التي لا وجه آخر لها هي أن مسلسل الأكاذيب وترويج الإشاعات انتهى ولم تعد لها آذان وسط المغاربة، والاستمرار فيها يؤكد أن مروجيها يخضعون لجهات خارجية اختارت من الإشاعة سلاحا لإيقاف عجلة المغرب، ولكن النتائج تبين أنه سلاح غير مجد، بل إنه ينقلب على أصحابه قبل غيرهم. أي مصداقية اليوم عند من كانوا يروجون تلك الأراجيف؟ بأي وجه ما زالوا يظهرون أمام المغاربة؟ حقا لقد صدق رسول الله حين قال “إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت”.
مما يمتاز به المغرب قدرته الكبيرة على استشراف اتجاهات الأحداث، وذلك بفضل الرؤية الاستراتيجية للملك. العودة القوية للاتحاد الإفريقي والحضور المتنامي للمغرب وسط القارة الإفريقية خيار استراتيجي موفق تبين الوقائع المتلاحقة صوابه، وهو يندرج، كما عبرت الخطب الملكية، ضمن رؤية تستحضر التحولات العالمية وترمي إلى تعزيز التعاون جنوب جنوب. من جهة أخرى، فالتحذيرات المغربية من مخاطر تنامي المخاطر الإرهابية في الساحل الإفريقي وانتشار الجريمة العابرة للحدود وتفاقم الهجرة وما يترتب عنها من اتجار بالبشر وتجارة المخدرات يجب أخذها بالجدية اللازمة. ويتفاقم الوضع إن نحن أضفنا إلى ذلك تداعيات الانسحاب الفرنسي والأمريكي وحلول قوات أجنبية غير نظامية ومتضاربة المصالح بالمنطقة.
كل هذه العوامل تجعل من المنطقة بركانا قابلا للانفجار في أي وقت، والأخطر أن آثار الانفجار ستتعدى المنطقة إلى كل الجوار خارج القارة السمراء، بل قد تفضح بعض التجاوزات الحقوقية التي ستبقى سبة في جبين البشرية في هذا القرن.
مآسي الهجرة غير النظامية تتفاقم لتكشف أن تخوفات المغرب مشروعة من حالة الجمود المغاربي ومن التهاون في التعامل مع هذه الظاهرة والسماح لبعض الدول بتجاوزات بشأنها. الرقعة الجغرافية لمنطقة الساحل التي تشكل حدودا بين الجزائر وتونس وليبيا صارت تستحق الاهتمام أكثر، وكان يستحسن أن يكون التعاون المغاربي والتنسيق بين دول الاتحاد هو الحل لتجنب ما كشفت عنه الأمم المتحدة من أخبار ودعوة للتحقيق في تقارير عن مقبرة جماعية على الحدود بين ليبيا وتونس. تتحدث التقارير عن أرقام مرتفعة وعن مخاطر عالية في هذه الطرق البرية حيث “لا يهم إن نجوت أم متَّ” وحيث يقدر الضحايا بالآلاف كل عام. الأمر لا يقل خطورة في الصحراء الجزائرية حيث عثر على 12 مواطنا سوريا واثنين من مرافقيهم الجزائريين موتى بعد تيهانهم، في الحدود مع ليبيا جنوب شرقي البلاد.
هي مخاطر مرشحة للارتفاع إن لم يتم تداركها مبكرا وبمقاربة شاملة وتشاركية يطبعها التعاون بين كل دول المنطقة. الاتجار بالبشر صار تجارة مدرة للربح أكثر من غيرها، ولذلك وجب التشدد في مواجهتها والانخراط المشترك والجدي في التصدي لمخاطرها، وقد نجح المغرب في هذا الأمر بنسبة معتبرة حسب ما تضمنه تقرير الخارجية الأمريكية بشأن الاتجار بالبشر لسنة 2024 والذي نوه بالجهود المتزايدة للمملكة المغربية في التصدي لهذه الجريمة وهو ما مكن المغرب من الاحتفاظ بتصنيفه في الفئة الثانية. الجهود المبذولة على مستوى التحسيس والوقاية والتشريع والخطوات المؤسساتية والخطط المبرمجة كلها عوامل ساعدت في الحد من هذه الظاهرة. المقاربة المغربية في التعامل مع الهجرة مهمة جدا لخفض هذه المخاطر وتحتاج إلى دعم أوربي ودولي أكبر مقارنة مع ما تحظى به دول أخرى في الحدود مع أوربا في أماكن أخرى.
المنتظر أن تزداد محاولات الهجرة خلال هذا الصيف، وفي ظل توتر الأوضاع في العديد من البلدان والافتقاد إلى ظروف العيش اللائق وغياب مشاريع تنموية جاذبة لساكنة تلك المناطق، والمنتظر بالموازاة أن تتفاقم مع ذلك حالات الاستثمار غير الإنساني والاتجار غير المشروع في معاناة الناس من طرف جهات تستوطن هذه المنطقة بطريقة غير مشروعة وفي مقدمتها عصابات البوليساريو التي تقدم الدعم لهذه العصابات. هنا تظهر الحاجة الماسة إلى اتحاد مغاربي قوي وموحد مستوعب للمهام التي يجب أن يقوم بها قبل الانشغال بإضعاف مكوناته لخدمة مصالح ضيقة، كما تظهر حالة الشرود التي يقع فيها من يبحث عن كيان بديل لهذا الاتحاد.
القارة الإفريقية في حاجة إلى اهتمام أكبر لأنها يمكن أن تكون مصدر قوة للعالم بالقدر الذي يمكن أن تصير فيها عامل تهديد. وهي أحوج إلى أن يتعامل معها بمقاربة بعيدة عن الاستغلال والاستعمار الجديد، وهي أحوج إلى دولها قبل غيرهم، وهي أحوج إلى مبادرات تجميعية وتشاركية وتنموية تعزز الاستدامة والسلم والتعاون. ومبادرة الملك الأطلسية مثال لذلك وتتأكد الحاجة إليها وإلى أمثالها يوما بعد آخر في ظل حالة الجمود والشلل الذي تعاني منه بعض الكيانات الموروثة.
لا يمكن الاستهانة بخطوة مالي وبوركينا فاسو والنيجر وتوقيعهم لمعاهدة “اتحاد كونفدرالي” بديل للمجموعة الاقتصادية لدول غرب افريقيا “إيكواس”. هي مؤشرات عن حالة التزحزح عن الموروث والرغبة في الانعتاق يجب مرافقتها واستباقها بخطوات جماعية تشاركية وبمشاريع اقتصادية وتنموية فهذا وحده الكفيل بوقف التطاحنات والحروب الأهلية والهجرة نحو الشمال، وهذا وحده الكفيل بالقضاء على الجريمة والاتجار في البشر والإرهاب.
يحسب للمغرب مبادراته المتنوعة والكثيرة في هذا الباب والتي تجلت في مشاريع وشراكات في مجالات الطاقة والفلاحة وتعزيز البنيات التحتية والمساعدة الأمنية. ومرة أخرى يجب التذكير بمسؤولية الحكومة في تسريع تنزيل الاستراتيجية الأطلسية لدول الساحل والتي تكفل لها الوصول إلى المحيط الأطلسي وما يترتب عن ذلك من فرص تنموية لهذه الدول تغنيها عن البقاء أسيرة مساعدات مشروطة أو تضعها في موقع تبعية لقوى استعمارية كل همها نهب ثرواتها وإدامة تخلفها.
على هذه الدول أن تستوعب بأنه لم يعد لفرنسا ما تقدمه لها وهي الغارقة في مشاكلها الداخلية بسبب ما جنته الماكرونية عليها والتي تزداد متاعبها بعد انتهاء الانتخابات التشريعية السابقة لأوانها.
الحقيقة الثابتة التي لا خلاف حولها بعد الانتخابات الاستثنائية هي هزيمة ماكرون ونهاية الماكرونية حتى قبل نهاية ولايته الرئاسية، والحقيقة الثابتة أن الماكرونية أوصلت الفرنسيين أن يصبح همهم اختيار الأقل سوءا وليس الأجود، والحقيقة الثابتة أن الهبة الشعبية الفرنسية في هذه الانتخابات لن تتكرر في كل المحطات الانتخابية فنسبة المشاركة هذه سابقة حطمت أعلى رقم عرفته انتخابات تشريعية فرنسية منذ عام 1981 ولكنها كشفت حجم التشرذم الذي صارت عليها فرنسا، وهو من أهم نتائج الانحراف الماكروني الذي قضى على التصنيفات التقليدية للمشهد الحزبي الفرنسي المتلائم مع طبيعة النظام السياسي الفرنسي.
أجواء عدم الثقة في الفاعلين، وتشتت أصوات الناخبين أفرزت أن لا فريق حصل على أغلبية مريحة، كما كشفت اتجاهات الناخبين لتفضيل أقصى اليسار أو أقصى اليمين وتجنب التيارات التي تقف في المناطق الرمادية التي صار يطلق عليها وسطا ولم تعد تقنع وسطيتها الناخب الفرنسي. وهنا سيتضح الخطأ الاستراتيجي الذي ارتكبه ماكرون ورهن به مستقبل البلاد وهي على أبواب محطات مهمة ليس أقلها الألعاب الأولمبية. وسيتضح حجم هذا الخطأ إن علمنا أنه من الناحية الدستورية لم يعد بمقدور ماكرون حل البرلمان قبل ٱنصرام سنة كاملة ستعيش فيها فرنسا بحكومة تصريف أعمال أو حكومة أقلية أو حكومة تقنية مما سيفرغ العملية السياسية من محتواها وسيرجع فرنسا الأنوار إلى عهود قديمة تخلصت منها بصعوبة وثمن باهض. ولعل هذه رغبة دفينة عند ماكرون اتضحت بعد رسالته الأخيرة المفتوحة والتي يلتف فيها على ما أفرزته صناديق الاقتراع ويدخل فيها البلاد في متاهة حوار “وطني صادق ومخلص” وينصب فيها نفسه حكما بين الفرقاء مع أنه لاعب حزبي كغيره وتحركه دوافع حزبية. ماكرون يتصرف وكأنه ملك في نظام جمهوري ودون أن يتوفر على أدنى مواصفات الملك الذي يحق له أن يكون حكما ناجحا. ولعل خير مثال هو تحذير باقي الفرقاء له من خطواته التي صنفوها محاولة لاختطاف المؤسسات وخيانة روح الدستور وانقلابا، كما عبرت الجبهة الشعبية الجديدة.
الآن بدأ يتضح للفرنسيين وللعالم حجم الدوامة الفارغة التي وضع ماكرون فيها فرنسا في ظرفية حساسة لإرضاء رغبة ذاتية وتصفية حسابات حزبوية والتخفيف من هزيمة انتخابية في البرلمان الأوروبي. النزوعات الفردية لماكرون جعلته يسارع الخطى لاستباق نقاش الائتلافات الممكنة برسالة مفتوحة للشعب الفرنسي من واشنطن حيث يحضر مؤتمر الناتو ويعيش فيه واقعيا حجم الضعف الذي صارت عليه فرنسا عالميا.
رسالة ماكرون التي ضمنها قراءته الخاصة للنتائج تقفز على الحقيقة وتنتصر لنزوعات فردية في الحكم وعاجزة عن التعايش مع باقي الفرقاء. ينتصر ماكرون لأطروحة أن لا منتصر في هذه الانتخابات وأن الدستور يمنح له صلاحية تحديد من يسكن قصر ماتينيون. يتناسى أنه يزيد من حدة الاحتقان وسط فرنسا ويحمل البلاد ما لا طاقة لها به ويفتح الباب على مصراعيه لميزان قوى الشارع بعد أن عجزت المؤسسات والدستور والقانون الانتخابي عن فرز أغلبية مريحة لتيار واحد رغم كثرة مكونات كل تيار على حدة.
وحده اليمين المتطرف بقي موحدا ومحافظا على كتلته الناخبة ومتصدرا لنتائج التصويت حسب أعداد المواطنين، وهو ما يؤكد أن الدور الثاني والسد المنيع الذي وضعه تكتل الجمهورية نجح فقط في تأخير فوز اليمين المتطرف حتى حين وإلا فإن الاكتساح قادم لا محالة، وسيزيد من تسريعه هذا الارتباك الحاصل في تدبير مرحلة ما بعد إعلان النتائج.
يتضح اليوم وقد انتهت الانتخابات أن خطوة ماكرون بحل الجمعية الوطنية كانت غير محسوبة، ولم تجن منها فرنسا بقدر ما أفادته هو شخصيا لمدة مؤقتة وقد تكون نتائجها وخيمة في الانتخابات القادمة التي لن يشهدها ماكرون بالتأكيد.
مغازلة اليمين المتطرف في السر صارت سياسة الكثير من التيارات، وآخر ما كشف عنه النقاب فضيحة العشاء الذي ضم سرا إدوارد فيليب عضو تحالف معا من أجل الجمهورية الموالي لماكرون والوزير الأول السابق ومستشار ماكرون مع لوبين وبارديلا عن الجبهة الوطنية. تسرب خبر مثل هذا يضرب مصداقية ماكرون وخطابه المناهض لليمين المتطرف بينما أنصاره الأساسيين يفتحون نوافذ التواصل معه.
رسالة ماكرون تبين أنه ليس رئيسا لكل الفرنسيين وأنه يفكر بمنطق حزبي ويدفع الشعب للعزوف عن الانتخابات ويدخل فرنسا مرحلة غير مسبوقة في تاريخها، حيث الكل يدعي أنه الفائز وأنه الأحق بتشكيل الحكومة من غيره.
لأول مرة يجد ماكرون نفسه بدون أغلبية مطلقة أو نسبية وأمام الخضوع لحسابات الغير من الفرقاء المخالفين له. المشهد كله ليس في صالحه وإمكانية حصول ائتلاف حكومي تتراوح بين الصعب والمستحيل، ولذلك فهو يفضل القراءات الشاذة للنتائج بما يؤمن له إكمال ولايته بدون معاناة ولو على حساب فرنسا التي تجد نفسها أمام اختلال مؤسساتي يحرمها من طابع التوازن الذي يحكم سير مؤسساتها الدستورية.
الثابت الأهم في كل نتائج الانتخابات أن الفائزين لا مشكلة لهم مع المغرب وضمن برنامجهم إقامة علاقات جيدة مع المغرب، ووحده ماكرون يجني اليوم حصاد ما زرعه من سوء تعامل ولعب على الحبلين تجاه المغرب.
موعدنا بوح قادم.
