إصلاح قطاع الصحافة، لا مفر..
إصلاح قطاع الصحافة، لا مفر..
طبقا للمادة 4 من القانون رقم 15.23 المتعلق بإحداث اللجنة المؤقتة لتسيير شؤون قطاع الصحافة والنشر، والتي تنص على تقييم شامل للوضعية الحالية لقطاع الصحافة والنشر واقتراح الإجراءات الهادفة إلى دعم أسس تنظيمه داخل أجل لا يتجاوز 9 أشهر تبتدئ من تاريخ تعيين أعضائها.
قدمت اللجنة المؤقتة لتسيير شؤون قطاع الصحافة والنشر خلال لقائها نهاية الأسبوع الماضي مع وزير الشباب والثقافة والتواصل محمد المهدي بنسعيد خلاصات عملها للحكومة بعد مرور 9 أشهر على تنصيبها.
وبهذه المناسبة أود التذكير على أنه حان وقت إصلاح قطاع الصحافة بشكل جذري كما طالبنا بذلك في الجمعية الوطنية للإعلام والناشرين، إصلاحا جذريا يتجاوز الإصلاحات الترقيعية التي ظلت مرتبطة بهذا القطاع منذ زمن بعيد، لا يمكن أن نسفه ما حققته مختلف الأطراف من نقابة ودولة وناشرين ومختلف الفاعلين في المجال، من مكاسب لإعادة هيكلة قطاع الإعلام وتقوية موقعه، لكن بحكم المسؤوليات الثقيلة والمهام الكبرى التي انخرطت فيها البلاد خلال العقدين الأخيرين، لم يعد ممكنا اليوم اللجوء إلى أنصاف الحلول لتقوية موقع الصحافة لتقوم بالدور المنوط بها أخلاقيا ومهنيا اتجاه مجتمعها ووطنها..
ولا بأس هنا من أن أعيد التذكير بالمداخل الأساسية التي نراها ضرورية في الجمعية الوطنية للإعلام والناشرين لإصلاح شأن إعلامنا، وفي مقدمتها أولا التقنين، أكبر قطاع يدافع عن روح القوانين، ولا تنظم القوانين ممارساته في العديد من شؤونه الحيوية، لذلك نعتبر أن مطلب التأطير القانوني لكل ما يتعلق بمهنة الصحافة أولوية حاسمة ومدخلا ضروريا لدمقرطة الإعلام، لا بد من إعادة تطوير قانون الولوج إلى المهنة، بحيث لا تصبح مهنة من لا مهنة له، يمارسها من لم يخط سطرا واحدا أو مقالا في جريدة أو من صدت في وجهه كل الأبواب ولم يجد إلا باب الصحافة يدفعه بعنف ويقتحمه متعسفا على كل القوانين.. نحتاج أن نحدد اليوم من هو الصحافي، ومن يحق له ممارسة مهنة الصحافة، وأن نحدد شروطا صارمة تحمي المهنة من العبث، لأن امتلاء الساحة بغير المهنيين يخلق فوضى كبرى في الصحافة، حيث تنتعش الكثير من الطفيليات وأشكال الفساد في مهنة نبيلة.
ثم هناك القنوات التي يأتي منها الصحافيون، بالأمس كان لدينا معهد لتكوين الصحافيين أو معهدان وكان لدينا صحافيون مهنيون كثيرون، الآن نمت معاهد كثيرة للتكوين الصحافي لكن قلّ الصحافيون المهنيون؟ يجب أن نحد من هذا العبث، ونحدد قوانين صارمة للحد من فوضى الدكاكين التي تخرج أشباه الصحافيين، بحيث أصبح بعضهم يكتري شقة مفروشة لتكوين كل شيء إلا الصحافيين ويوزع دبلومات التخرج بلا حسيب ولا رقيب، والعديد منهم لم يكتب حرفا واحدا في الصحافة أصبح مديرا لمعهد تكوين الصحافيين يا حسرة، زد على ذلك مهازل بيع الدبلومات بلا حضور ولا امتحانات ولا تكوين.. ولا يمكن أن نتقدم بقطاع الصحافة في غياب قوانين تؤطر عمل هذه المؤسسات التي يجب أن تخضع للمراقبة الصارمة، لأن جزء كبيرا منها تأتي بالكثير من المصائب من بطائق الصحافة إلى ضعف مستوى تكوين الصحافيين الحاملين للدبلومات الصحافية..
البعد الهيكلي في أي إصلاح للحقل الإعلامي، يتمثل أساسا في خلق نموذج إيجابي للمقاولة الصحافية ينص على الحد الأدنى الذي بدونه لا يمكن الاستثمار في الحقل الصحافي ولا خلق بيئة سليمة لاشتغال الصحافيين مع ضمان حقوقهم الاجتماعية والاقتصادية، يجب أن ننهي مع التسيب، لا يكفي أن يكون لك حاسوب وآلة تسجيل وكاميرا وحجزت «شي حاجة «في الويب، لتقول إن لديك مقاولة إعلامية، هذا هو سبب الفوضى والمرض الذي تأتي منه كل المصائب من رشوة وفساد وبيع الذمم والاستهتار بحقوق الصحافيين وضرب كرامتهم وهو ما يمس بمصداقية الصحافة لدى الرأي العام ولدى مختلف الفاعلين..
يجب دعم المؤسسات القوية المؤثرة التي تتوفر على المقومات الضرورية للمقاولة الصحافية، لأن ما ينتظرنا من مهام في الداخل كما في الخارج، يقتضي صحافة قوية تقوم بمهامها الإعلامية والوطنية، ومساعدة المقاولات المتوسطة الصغرى الجادة على إعادة هيكلة ذاتها من أجل التحول نحو مقاولات قوية لا تهضم حقوق الصحافيين وتخلق بيئة إعلامية جيدة وظروف عمل مريحة تشجع على الإبداع وتحرر طاقات الصحافيات والصحافيين..
ثم هناك بعد تخليق المهنة، يقتضي تحصين المهنة من الدخلاء والمرايقية والمفسدين، سن ميثاق أخلاقي وتطوير ما تمت مراكمته في هذا الباب، لتجويد مهنة الصحافة، بعد آخر يبدو لنا ضروريا ويتمثل في أنه إذا كنا لا ننكر مختلف الأجيال التي قدمت الكثير إلى مهنة الصحافة بالمغرب، فإن الوقت حان لتسليم المشعل لجيل جديد من الطاقات الكفـأة، لتبدع وتبرز طاقاتها، فلا يمكن أن يقف جيل حائلا أمام مبدعين حرايفية، لا يسمح خلود الكبار في مناصب المسؤولية في مختلف المؤسسات، بتطوير تجاربه وإغناء الحقل الصحافي برؤى وإبداعات جديدة، صحافتنا في حاجة إلى التغيير كما باقي مناحي الحياة السياسية والاقتصادية وفي باقي المسؤوليات.. بدون هذه المداخل نرى أن قطاع الصحافة لن ينجح في تجاوز تعثراته ولا في القيام بوظائفه النبيلة على أحسن وجه….هذا هو الإصلاح وكفى من العبث .
المصدر: شوف تي في
