1

بوح الأحد: مشروع المدونة يدخل مرحلة الإحتكام إلى مقاصد الشريعة و تطورات العصر

بوح الأحد: مشروع المدونة يدخل مرحلة الإحتكام إلى مقاصد الشريعة و تطورات العصر

A- A+
  • بوح الأحد: مشروع المدونة يدخل مرحلة الإحتكام إلى مقاصد الشريعة و تطورات العصر، صعود تيارات أقصى اليمين في فرنسا و العالم سيخفت معها معيار الديمقراطية و حقوق الإنسان في العلاقات الدولية و نهاية دكاكين الإبتزاز بالتقارير الحقوقية و أشياء أخرى

    أبو وائل الريفي
    وأخيرا وفّى جلالة الملك بوعده للمغاربة، وسحب مرة أخرى ملف مدونة الأسرة من بورصة المضاربة السياسية والانتخابية. أثبت الملك هذه المرة أن مسار مراجعة مدونة الأسرة يتطلب إجراءات ومراحل تستدعي تدخله كأمير للمؤمنين بسبب ما تكتسيه بعض المقترحات من طبيعة دينية، ولذلك كان بلاغ الديوان الملكي حاسما بإحالة هذه المسائل الواردة في بعض مقترحات الهيئة المكلفة بمراجعة مدونة الأسرة على أنظار المجلس العلمي الأعلى قصد دراستها باعتباره الجهة الوحيدة المؤهلة لإصدار الفتاوى التي تعتمد رسميا لأن الباقي لا يعدو أن يكون آراء لا تكتسي صبغة رسمية.
    ولأن الصورة واضحة لدى جلالته فقد أرفق الإحالة بتوجيهات مؤسِّسَة للفتوى التي ينتظرها المغرب وقادرة أن تخرج للوجود مدونة أسرة جديدة تليق بالمغاربة، ومنها الاستناد إلى مبادئ وأحكام الدين الإسلامي الحنيف ومقاصده السمحة، واستحضار مضامين الرسالة الملكية السامية الموجهة إلى السيد رئيس الحكومة والتي دعا فيها إلى اعتماد فضائل الاعتدال والاجتهاد المنفتح البناء المضبوط بقاعدة ذهبية هي عدم تحليل حرام أو تحريم حلال.
    ولأن جلالته يستحضر مسؤولياته الدينية تجاه المغاربة لم ينس البلاغ أن يذكر بوجوب رفع الفتوى إلى الملك لأنه صاحب الاختصاص في هذا المجال.
    يسجل للملك حرصه على احترام الدستور وتنزيل مقتضياته بتأويل ديمقراطي طالما طالب به كل المؤسسات، ويسجل للمغرب تفرده بهذا المجال الذي يقف سدا منيعا ضد كل تيارات التطرف والغلو الديني واللاديني التي تريد فرض وجهة نظرها على المغاربة دون مراعاة طبيعة المجتمع وتاريخه وخصوصياته.
    يتأكد اليوم أن إمارة المؤمنين حصانة وضمانة لهذا البلد، وأنها عامل استقرار واستمرار للمغرب، وأنها الأقدر على تقديم حلول ترضي المغاربة وتحفظ لهم تنوعهم بشكل بناء. مرة أخرى يكتشف المغاربة الحاجة إلى إمارة المؤمنين بحكم الإجماع الحاصل حولها والثقة التي تحظى بها وبسبب قدرتها على بلورة اجتهادات معاصرة تأخذ بعين الاعتبار مقاصد الشريعة وتطورات العصر وحاجات المغاربة وترفع عنهم الحرج بدون كلفة زائدة.
    القدرة الملكية على تأمين اجتهاد عصري ممأسس يحافظ للمغرب على خصوصياته دون عزله عن العالم وتطوراته أصبحت سمة ملازمة لإمارة المؤمنين في أكثر من مناسبة وقضية. نتذكر جميعا حالة الانقسام التي كان عليها المغرب في بداية الألفية الثالثة وكيف أطفأ جلالته نار الفتنة التي كان الشغل الشاغل للبعض أن يشعلها لتأتي على الأخضر واليابس، ونتذكر التدخل الملكي الحاسم في مناسبات بعدها كذلك كما كان مع تقنين الحق في الإجهاض ودعوات مماثلة. دائما تكون إمارة المؤمنين في الموعد باجتهادات خلاقة بعيدا عن اجترار الموروث واستحضارا للتحولات وإعمالا للاجتهاد الذي هو بذل الجهد واستفراغ الوسع لإدراك الحكم الشرعي.
    هذه مناسبة أخرى للمغاربة ليعرفوا كيف يتصرف الملك بحكمة وتبصر وكيف يتصرف بعض المتاجرين بالقضايا، ومنهم من حاول الركوب كالعادة على هذه اللحظة لإعادة مجد انتخابي بالتهديد بالمسيرات في الشارع، ومنهم من أراد استغلالها لتقوية مواقعه تجاه الدولة، ومنهم من رأى فيها مناسبة للاستقواء بالخارج، ومنهم من وجد فيها اللحظة المناسبة لتعميق شرخ الانقسام الطائفي والهوياتي بين المغاربة لأن همّ هؤلاء جميعا هو تحقيق مكاسب سياسوية وحزبية وانتخابية ولا يهمهم المغرب.
    مسار مراجعة مدونة الأسرة يؤكد الطبيعة التشاركية التي حرص عليها الملك، بدءا من التعامل مع هذا القانون وفق خصوصيته، ومرورا باللجنة التي تشكلت وفق مبدأ التنوع والانفتاح، وجلسات الاستماع لكل الفاعلين، وانتهاء بإحالة بعض من هذه القضايا على نظر المجلس العلمي الأعلى. وفي كل هذه المراحل كان النقاش العمومي مواكبا لهذا الورش الذي يهم المغاربة جميعا.
    أسلمت الأميرة أم الشرفاء للا لطيفة الروح لباريها بعد مرض طويل. وهذه مناسبة لتقديم خالص العزاء لجلالة الملك ولكل أفراد الأسرة الملكية والدعاء لها بالرحمة والمغفرة. المأثور عن المغاربة تقدير المناسبة لأن الموت جلل، ومواساة أهل الميت لأن مصابهم كبير في فقدان الوالدة. ولذلك فقد تقاطرت عبارات التعزية العفوية والتلقائية من شرائح كثيرة ومتنوعة من داخل المغرب وخارجه للملك وكل العائلة لأن الأميرة للا لطيفة كانت معروفة ببساطتها وعملها الخيري الذي تناقل مغاربة كثر بعضا منه على مواقع التواصل الاجتماعي بينما هي رحمها الله كانت تحرص على تأديته خفية حتى لا تعلم شمالها ما قدمت يمينها. وحدهم كالعادة بعض الطوابرية خرجوا عن المألوف ورأوا في المناسبة فرصة لإخراج سمومهم ظنا منهم أن الوقت ملائم لذلك.
    علي المرابط واحد من هؤلاء. أثبت بهذه المناسبة أن شيم الكبار صعبة على أن يتحلى بها الصغار، فالوضيع يبقى وضيعا ولو بعد حين، والطبع يغلب التطبع، ولذلك فالاعتذار الذي سبق أن قدمه مكرها بعد زلته بنشر خبر وفاة للا لطيفة وتبين أنه خبر زائف تبخر بعدما تراجع عنه مؤكدا أن خبر الوفاة قديم وأنه هو أول من نشره ولكنه فقط لم يدقق في طبيعة الوفاة ليميز بين الموت السريري والموت الطبيعي. هلوسات المرابط وخزعبلاته معروفة وهوسه بالسكوبات قديم ولكن لا أحد كان يتصور أن يصل به التردي إلى هذا الدرك ليتاجر بالموت ظنا منه أنه يضغط على المغرب بينما هو يزيد من عزلته بإضافة حواجز مع المغاربة الذين يرون في ما يقوم به “قلة حياء” و”تشفي في غير موضعه” وبحث عن البوز ورفع المشاهدات لروتينه المفلس.
    ما هي المصلحة في تأخير إعلان وفاة الأميرة للا لطيفة؟ وما الضرر في إعلانها في وقتها؟ وهل سبق أن سجلت سوابق في هذا الشأن حتى يفكر فيها أمثال هؤلاء؟
    لا قدرة لأمثال هذا “الوضيع” أن يجيب عن مثل هذه الأسئلة لأن إعمال المنطق والعقل يستبعدها كفرضية فأحرى أن يقبلها كحقيقة، ولكنه الحقد يعمي البصيرة قبل البصر فإذا بالطوابرية كتلة ركام من الحقد لا يرون إلا الانتقام بدون سبب.
    طوابري آخر أصيب بالحمق بعد زيارة عبد اللطيف حموشي الناجحة لألمانيا وفرنسا والتي لم تخبر بها المصادر المعلومة المرابط ولعله أصابه الاكتئاب وهو يطلع على الخبر كغيره من عامة الناس. الإرهابي المحجوب بدا في وضع لا يحسد عليه حيث اتضح من خرجته التي كان شكله فيها يبعث على الشفقة بوجه عبوس وصوت منكسر وجلسة غير مريحة وملابس تعبر عن حقيقته. الحمد لله أن خبر الزيارة كشف لحوارييه أن ذكر حموشي يكشف عنده مرض الحساسية. لم يجد المحجوب عن الحقيقة ما يغطي به عن هذا الانتصار سوى فبركة “تحليل” أبعد من الخيال نفسه حيث ادعى أن الزيارة تمت بدون علم القضاء والدخول تم بتسلل لألمانيا. ينسى الإرهابي أن هذه ادعاءات تحتاج إلى دليل وأنها تضر بالدولة الألمانية ومؤسساتها ولا تضر المغرب في شيء ولقد كان السكوت أفضل له من هذه الهرطقات.
    اعترف الإرهابي المحجوب أنه كان “غالط في واحد الوقت” وبأنه “فهم مع الوقت”. اعترف بذلك ولكنه لم يكمل الاعتراف ليقول بأنه يشكك الآن في الدولة التي آوته ووفرت له الأمن والعيش وهو بدون عمل، ويتصورها دولة بدون مؤسسات ويتحاشى ذكر غزة وهو ينتقد الدولة التي احتضنته لأنه يتخوف من سحب الجنسية منه وقد حذروه من ذلك.
    مصيبة الطوابرية أنهم يعترفون بأن للمغرب قدرة خارقة للتأثير على دول كبرى وفي هذا جزء من الحقيقة ولكن لا يمكن لأحد التصديق بأن دولا مثل فرنسا وألمانيا وإسبانيا يمكنها التنازل عن دستورها وقوانينها والخضوع لضغط المغرب بقدر ما أنها تكتشف خطأها في مواقفها تجاه المغرب فتتراجع عن ذلك لجادة الصواب.

  • ما يزال الإرهابي والمتحكم فيه يجترون فرية الملاحقة القضائية وكان الأولى أن ينشروا المذكرة طالما أنهم يتوفرون على نسختها لأن واحدا منهم يدعي أنه وراءها. هل يمكن أن ينشروها؟ ها هو التحدي مرفوع؟
    العجوز عبد الحق سمبريرو الذي يعيش أرذل عمره المهني لم يفوت الفرصة كذلك لينشر كالعادة تقريرا تجميعيا مليئا بالمغالطات بسبب الرغبة في تصفية حسابات تتحكم في كل نظرته للمغرب منذ أن قطع عنه العطاء المعهود. ولأنه لم يعد صحافيا مهنيا فقد وقع في زلة نشر صورة زائفة نسبها للأميرة الراحلة رحمها الله وهو ما يؤكد أنه يكتب عمن لا يعرف وعمن لم ير وهو ما يتعارض مع جنس البروفايل الذي يريد أن يقدم نفسه متخصصا فيه لأن أقصى ما يتقنه هو تجميع المتناثر دون غربلته وإضافة توابل مسمومة إليه خدمة لأسياده أو إرضاء لنفسه المريضة والمهووسة بالمغرب.
    سمبريرو مطعون في العمق وما يرتكبه من حماقات ضد المغرب ليس إلا تعبيرا عن حالته النفسية المكتئبة، ولذلك فهو مضطر لكتابة أي شيء يرى فيه إضرارا بالمغرب، وقد أصابه السعار وهو يرى كغيره من الرأي العام أخبار وصور الزيارة الأوربية الناجحة لعبد اللطيف حموشي مما اضطره بسرعة ل”ارتكاب” مقال آخر يكيل فيه التهم للمغرب في علاقته بالاتحاد الأوربي بحثا عن توتير أجواء ليس في مصلحته أو في مصلحة مشغليه أن تكون في أفضل حالاتها.
    لم يعد بمقدار العجوز سمبريرو مواكبة انتصارات المغرب لأنها كثيرة وعلى أكثر من واجهة وتجاه أكثر من دولة أوربية بدءا بإسبانيا ومرورا بهولندا وبلجيكا وألمانيا وليس انتهاء بفرنسا، ولكن أقصى ما أصبح “يقترفه” هو كتابة تقارير كرونولوجية تحريضية وانتقائية للنيل من انتصارات المغرب بترديد نفس الأكاذيب التي دحضتها تقارير رسمية أو لم يقدم ناشروها إثباتات مادية وقانونية على صحتها.
    يئس سمبريرو من بلده اسبانيا فصار يراهن على تسميم أجواء العلاقة المغربية الفرنسية باللعب على ورقة الانتخابات التشريعية وصعود اليمين المتطرف مقدما ذلك بأن المغرب لا مشكلة له مع هذا اليمين وأنه يتمنى نجاحه.
    يؤكد سمبريرو بهذه الاستنتاجات المخدومة أنه يجهل أبجديات تعامل المغرب مع شؤون الدول وهي المحكومة بمبدأ النأي عن النفس. المغرب في منأى عما يحدث في فرنسا لأن ذلك شأن فرنسي سيادي داخلي يهم الشعب الفرنسي، والمغرب على استعداد للتعامل مع مخرجات العملية الانتخابية كيفما كانت لأن ذلك أمر واقع وهو محضر نفسه لكل الاحتمالات، بل إن كل الدول التي تربطها علاقات مع فرنسا كانت تتوقع صعود هذا اليمين وتتباين تحليلاتها فقط حول التوقيت والحجم.
    هذه مناسبة للتذكير بأن أبو وائل نبه في أكثر من بوح ومنذ سنوات إلى أخطاء الماكرونية التي تقود فرنسا نحو كارثة حقيقية ستقلب المشهد الحزبي والسياسي والمؤسساتي رأسا على عقب.
    شكل الأحد الفارط يوم حساب عسير آخر لماكرون بعد صدمة انتخابات البرلمان الأوربي. التصويت العقابي ضد الماكرونية بلغ مداه بعد أن فقد فريق ماكرون “معا من أجل الجمهورية” أغلبيته وتساقط نوابه تباعا كأوراق الخريف ولم يحصلوا في الدور الأول إلا على مقعدين في الجمعية الوطنية التي اتضح أن ماكرون اتخذ قرار حلها بشكل متسرع وغير مدروس وتقدير خاطئ ومغامرة انتحارية بنفس طريقة من يسجل ضد مرماه في الدقائق الأخيرة.
    قد يختلف المحللون والفرقاء في صواب أو خطأ توقيت القرار أو دهاء ماكرون الذي أراد نصب فخ لخصومه فوقع فيه، ولكن حتما لن يختلف أحد بأن أول من هزم ماكرون هو ماكرون نفسه والباقي ليس إلا تداعيات لفشله التدبيري وأخطائه القاتلة.

    لنتذكر أن ماكرون شكل فريقه السياسي على أنقاض استقطابات هجينة أضعفت التيارات الحزبية التقليدية والتقاطب الموروث منذ تأسيس الجمهورية الخامسة، ولذلك فمبادرته هذه ساهمت بقوة في إضعاف أحزاب اليسار والجمهوريين الديغوليين على حد سواء وقدمت خدمة العمر لتيارات أقصى اليمين واليسار معا. ولذلك فالعمر الافتراضي للماكرونية كان يتضح أنه قصير ولن تنفع معه التلوينات وتغيير الأسماء من “إلى الأمام” إلى “النهضة” إلى “معا من أجل الجمهورية” لأن المولود الماكروني هجين ومن الصعب دمجه بشكل طبيعي في المجتمع الفرنسي ولكنه سيكون بمثابة الفيروس المدمر للحياة الحزبية ويقود إلى مزيد من عدم الثقة والعزوف وسط فئات واسعة من الفرنسيين.
    الغموض الإيديولوجي والسياسي يمكن التغاضي عنه بنجاعة تدبيرية لأن الأهم عند الفرنسيين هو معيشهم اليومي، ولكن الفشل التدبيري لعهدتي ماكرون التي توفر له فيها تساكن غير مسبوق بعد سيطرة تياره على منصبي الرئاسة والحكومة في الولاية الأولى بشكل مريح كان حاسما بالنسبة للفرنسيين ليبحثوا عن بديل ولو بتصويت عقابي وارتماء وراء أي تيار لسد الباب على الماكرونية التي لم يروا منها فائدة. لن ينسى الفرنسيون الإخفاقات التي عاشتها البلاد في فترة الجائحة والمعاناة التي رأوها جراء غياب أبسط أدوات الصمود في وجه كورونا والفشل في إيجاد لقاح فرنسي، كما لن ينسوا أن عهدتي ماكرون اتسمت بتوتر اجتماعي دائم ولجوء الماكرونية لخيارات الحسم الأحادي بعيدا عن التوافق الذي تستلزمه مقتضيات النظام السياسي الفرنسي مما يعطي الانطباع لدى الفرنسيين أنهم أصبحوا أسرى نظام حكم فردي.
    فشل ماكرون في تدبير ملفات التقاعد والهجرة وهي ملفات شائكة لدى المجتمع الفرنسي، وأضعف ماكرون فرنسا عالميا بسبب الانسحابات في أكثر من منطقة نفوذ تاريخي لفرنسا، وأصبحت فرنسا في عهده معرضة لانقسام عمودي غير مسبوق ظهرت بعض أعراضه في احتجاجات كاليدونيا الأخيرة، وتورط في الحرب الروسية الأوكرانية بدون نتائج، ولم يحقق ما وعد به من تعزيز للقدرات الدفاعية لفرنسا وتقوية موقعها أوربيا، ولذلك فطبيعي لدى الفرنسيين أن يبحثوا عن بديل يعزز قوة فرنسا ويعيد للفرنسيين مجدهم الضائع ويضع لهم مكانا لائقا بهم في هذا العالم ويساير تغيراته.
    لن ينسى الفرنسيون لماكرون أنه وقّع القطيعة مع إرث فرنسا بسياسته نحو “أمركة فرنسا” وهو ما كان يحرص على مقاومته من سبقه في قصر الإليزيه، ولذلك فهم اليوم يصوتون بكثرة وإقبال كبير على من يقدم شعارات وطنية من قبيل فرنسا أولا.

    الماكرونية أضاعت قوة فرنسا الدولية وجعلتها تحت رحمة الغير بعد تراجع نفوذها الدولي.
    لقد قالها أبو وائل في أكثر من مناسبة. اليمين المتطرف قادم لا محالة وهي مسألة وقت وغير مرتبطة برغبة أو رفض. وبالقدر الذي يتقدم هذا اليمين المتطرف نحو الهيمنة تتراجع المكونات الأخرى نحو الاندثار أو تصعب أمامها إمكانيات استدراك تأخرها واستعادة قوتها. هي مسألة غير مرتبطة بفرنسا ولكنها توجه عالمي لا تستثنى منه إلا دول قليلة، وهو تيار عالمي متنامي منذ أزيد من عقد من الزمن، وسيتخذ في النهاية شكل موجة حاكمة في جل دول العالم تفرض أسسا أخرى مغايرة للعلاقات الدولية تقطع مع الأسس التي سادت منذ سقوط حائط برلين حين بني نظام عالمي أحادي يصنف الدول بناء على معايير الديمقراطية وحقوق الإنسان. هي مسألة وقت ليس إلا.
    صعود تيارات اليمين المتطرف في العالم صار حقيقة وأمرا واقعا لا خلاص منه ولا يمكن وقف زحفه بتحالفات غير منسجمة وغير موحدة وتحمل بين طياتها عوامل هزيمتها لأنها بدون برنامج وبديل تقدمه للرأي العام. صعود تيارات اليمين المتطرف مؤشر على تحولات حقيقية في العالم سيخفت معها معيار الديمقراطية وحقوق الإنسان لفائدة معيار جديد هو المصالح الوطنية بمعناها الضيق، ولذلك فأصحاب المصلحة في فوز اليمين المتطرف في هذه الدول ليس فقط من ينعتون باليمين العنصري من السياسيين أو المفكرين ولكن أساسا البورجوازية الوطنية التي هي في حاجة إلى أسواق جديدة لتنشيط سوق الشغل وفتح أسواق جديدة واستعادة العلاقات مع دول تضررت من سياسات ماكرون وغيره من السياسيين التقليديين.
    التيارات اليمينية مبنية على فكرة الأولوية للوطن وعدم الاهتمام بقضايا خارج الوطن، ولذلك فهي تضع موضوع الهجرة ضمن أولويات قضاياها، ولكن التجربة تثبت في أكثر من دولة، مثل أمريكا في عهد ترامب وإيطاليا في عهد ميلوني، أن سقف الشعارات يصطدم بالواقع فيقلُّ حجم المنجَز ضد الهجرة لأن هذه الدول لا يمكنها الاستغناء عن الهجرة، وأقصى ما تقوم به بعد توليها مقاليد الحكم هو جعلها هجرة انتقائية والتشدد في معايير قبولها.
    هل ما يعد به اليمين المتطرف بشأن إرجاع المهاجرين إلى دولهم قابل للتطبيق؟ وهل لهذا اليمين أدوات ضغط على هذه الدول؟ ألا يخشى من ردود فعل هذه الدول؟
    اليمين المتطرف في حاجة لهذه الدول التي أمامها خيارات لمواجهة أي عملية ابتزاز ومن ذلك إغلاق أسواقها وتغيير توجهاتها الاقتصادية واللغوية والتعليمية من فرنسا إلى خيارات أخرى. سيفهم اليمين المتطرف كذلك مع الوقت أن شعاراته أبعد من الواقع وأن ليس بمستطاعه إعادة مكانة فرنسا بهذه الشعارات.
    سيكون المتضرر الأكبر من صعود اليمين المتطرف هو الدكاكين التي ألفت ابتزاز الدول بالسكوبات الإعلامية والتقارير الحقوقية. لن يعود بمقدورها الضغط على أنظمة يمينية بهذه القضايا. سيتم الحسم مع الكثير من طلبات اللجوء التي وضعت كشوكة في خاصرة بعض الدول وكذا مع الكثير من مدعيي صفة المعارضين الذين يوترون العلاقات مع الدول.
    ما قام به ماكرون هو أنه قدم لليمين المتطرف هدية على طبق من ذهب بسبب ارتباكه وسوء تدبيره وخطأ تقديراته.
    أوصل ماكرون فرنسا إلى حالة احتقان غير مسبوقة قد تقود إلى أحداث عنف تتخذ الداخلية تدابيرها لتجنبها بعد إعلان النتائج، وللكل أن يتصور تداعيات هذا الاحتقان على دولة لا يفصلها عن الألعاب الأولمبية إلا أسبوعان.
    أوصلت تناقضات تصريحات ماكرون الفرنسيين إلى حالة عدم ثقة، فهو من كان قبل أسابيع يصف خصومه بأقدح الصفات وبقدرة قادر صار يبحث عن تحالفات معهم لسد الطريق على اليمين المتطرف. والسؤال هل باستطاعة تحالفات فوقية أن تؤثر على جمهور الناخبين للانضباط لقرارات المرشحين المنسحبين لسد الطريق على اليمين؟
    قاد ماكرون فرنسا إلى حالة توتر وعدم ثقة حتى صارت مارين لوبين تصف أعماله بالانقلاب الإداري.
    هذه هي حالة فرنسا اليوم في عهد ماكرون، ولذلك يترحم الفرنسيون على قادتهم الكبار الذين كانوا حريصين على الحفاظ على الاستثناء الفرنسي في العالم.
    الأهم أن المغرب مهيأ للتعامل مع ما ستسفر عنه تلك الانتخابات طالما أنها خيار للفرنسيين الذين شاركوا بنسب مرتفعة في هذه الانتخابات، وللمغرب من الوسائل الكثير لتأمين مصالحه تجاه فرنسا وغيرها كيفما كانت توجهات من يسكن قصر الإليزيه أو قصر ماتينيون أو قصر البوربون. وحده المتضرر هو ماكرون الذي سيكون مضطرا لإكمال ولايته من موقع ضعف لأنه مضطر إلى التعايش مع طرف نقيض يتولى الحكومة كاملة في حالة فوز اليمين المتطرف بأغلبية مطلقة.
    نلتقي في بوح قادم.

  • المصدر: شوف تي في
    تعليقات الزوّار (0)

    *

    التالي
    شرطة مراكش…توقيف شخص متورط في السياقة بطريقة استعراضية بالشارع العام