الداء المستتر في إعلامنا المنتشر
الداء المستتر في إعلامنا المنتشر
على مستوى القشرة الخارجية لما يُعتمَل في الساحة الإعلامية ببلادنا، قد يشعر المتتبع العادي بأن لدينا تعددا إعلاميا زاخرا، ولدينا مقاولات متنوعة، وعندنا إعلام متنوع في مجالات عديدة، وأن لدينا قانونا متقدما ينظم المهنة، لكن قياسا إلى ما تعرفه باقي المجالات الاقتصادية والاجتماعية من تطور، فإن إعلامنا يبدو معتلا بأدواء كثيرة تهدد إما بمصداقيته أو بانحساره وتراجع انتشاره أو بخفوت تأثيره بين الناس ولدى مختلف الفاعلين وصناع القرار ومنفذيه على السواء.. لم أكن يوما من زراع اليأس، لكن باعتباري، قد ابتلاني الله بعشق مهنة المتاعب، وتورطت كمؤسس لمقاولة صغيرة بعدد محدود من الإعلاميين والإداريين، إلى أن اتسعت المؤسسة وأصبحت رقما أساسيا في المعادلة الإعلامية، فإني أطمح لأن تكون للمغاربة الصحافة التي يستحقونها بالفعل، صحافة مزدهرة بصحافيين محفوظة حقوقهم ومصانة كرامتهم ومضمونة حريتهم في نشر المعلومات وفي النقد المهني الذي يراعي شروط المهنة والتأطير القانوني لها، ويمكن رصد أهم اختلالات مشهدنا الإعلامي في: أولا: التشتت والتعدد في الكم دون أن يوازيه تعدد في الكيف، أي اتساع في العدد لا يوازيه تعدد في جودة الخدمة العمومية المفترض أن تقدمها وسائل الإعلام للمجتمع وللوطن عامة، لقد دافعت صحبة إخواني في الجمعية الوطنية للإعلام والناشرين، على ضرورة تطوير الأداء المؤسساتي للإعلام، من خلال دعم التوجه نحو المقاولات الإعلامية الكبرى، الأمر لا يتعلق بتسمين مؤسسات كبرى، ولا بقتل المقاولات الصغرى كما قد يفهم البعض، وإنما خلق نموذج اقتصادي للمقاولة الإعلامية فعال ومنتج، لتساهم المقاولة الإعلامية من جهة في دورة التنمية الاقتصادية للمغرب ومن جهة أخرى لتكون مجالا لخلق فرص الشغل ولتحسين وضعية العاملين بها حتى يتحرروا من القهر الاجتماعي ويتفرغوا للإبداع المهني في الصحافة.. إن من يدافع على مقاولة تشغل فردا أو فردين فقط فإنه لا قلب لديه لا على الصحافة ولا على المقاولة الإعلامية الصغرى ذاتها، فالفوضى المنتشرة في الساحة الإعلامية، قادمة أساسا من الطفيليات التي استكانت لغياب أي تكلفة في إنشاء مقاولة إعلامية ولممارسات الرشوة والضحالة الإعلامية.. ثانيا: التقليد والاستنساخ، من عجائب وغرائب الحقل الإعلامي هو انحسار الإبداع حد التناقض، بحيث تجد صحافيين ينتقدون نموذجا ناجحا مثل «شوف تيفي» ويكيلون اللوم والهجاء لها في كل حين، وحين ينشئون مؤسسات إعلامية يحاكون «شوف تيفي» حتى في «لوغو» واسم العنوان الإعلامي الذي يختارونه قريبا منه للاشتباه، أو لما يمكن تشبيهه بأخذ المنشطات للرفع من “نسب الزيارة”، حتى تحولت «شوف تيفي» إلى ماركة إعلامية لدى العديدين، لا يقتصر التقليد على هذا المستوى بل من اختيار الألوان حتى محاولة الكتابة أو التغطيات أو المقالات الصحافية أو اختيار العناوين على شاكلة «شوف تيفي»، دون بدل أي جهد للإبداع المهني الذي يفرض التميز وأن يكون أي منبر إعلامي جديد حاملا لبصمته ولخطه التحريري وللصورة النموذجية التي يسعى إلى أن يسوقها.. ثالثا: الانحسار وضيق الأفق، على خلاف نماذج بلدان إعلامية عربية في نفس مستوانا من التقدم الحضاري والإمكانيات، والتي تجاوز تأثير إعلامها رقعة بلادها كما الإعلام المصري واللبناني والعراقي والسوري في مراحل معينة من كل دولة على حدة، يجب أن نتساءل لماذا ظل إعلامنا الوطني محدود التأثير وانتشاره لا يتجاوز الرقعة الجغرافية للمغرب، بل لمدنه المركزية فقط، هل لأنه ليس لدينا بنية تحتية للصناعة الإعلامية؟ أم ليس لدينا الموارد لا المالية ولا البشرية لنكون روادا ونتحول إلى مؤسسات إعلامية قوية التأثير في العالم العربي وفي إفريقيا ولم لا نتحول إلى مصادر ذات مصداقية في الإعلام الدولي؟. كشفت تجربة «شوف تيفي» عن أن كل هذا ليس صحيحا، تنقصنا المغامرة والإيمان بطاقتنا والإحساس بأن نمثل بلدا زاخرا بتنوعه وبثراء روافده، وبإمكانيات صحافيينا وبقدرتهم على الإبداع، لقد حطمنا خرافة هذا العجز، لكني مؤمن أن ما وصلنا إليه ليس كافيا، فالمغرب يحتاج إلى إعلام قوي ومؤثر وفعال في محيطه، ويستطيع أن يدافع عن المصالح الاستراتيجية للمغرب وللمغاربة، وأن يكون لنا وزن وقيمة في الساحة الإعلامية العربية والإفريقية ولم لا الدولية، لكن دون معالجة بعض من هذه الأدواء والعلل التي يعانيها الإعلام الوطني سنظل محدودي الأفق، بلا انتشار ولا توسع ولا مقاولات إعلامية قوية وبلا تأثير، وسنفقد مصداقيتنا حتى لدى قرائنا وزوارنا المحدودين أصلا.
المصدر: شوف تي في
