بوح الأحد: الإنتكاسات تلاحق طوابرية الداخل و الخارج…
بوح الأحد: الإنتكاسات تلاحق طوابرية الداخل و الخارج، القضاء البلجيكي يبرئ المغرب من قضية “قطرغيت”، زيان يفضح نفسه من جديد في رحلة البحث عن عفو خارج الأعراف و التقاليد و الأصول و أشياء أخرى….
أبو وائل الريفي
يقال بأن التاريخ يعيد نفسه مرتين، في المرة الأولى كمأساة، وفى المرة الثانية كمهزلة. قد نناقش صحة هذه القولة المأثورة ومدى القابلية لتعميمها على كل الوقائع التاريخية، ولكنها حتما تنطبق على الطوابرية الذين ابتلينا بهم في هذا البلد الأمين. لا يستفيدون أبدا مما سبق ويصرون ببلادة على الاستمرار في نفس الطريق والاشتغال بنفس الوسائل رغم ثبوت أنها لا توصل إلا إلى مزيد من الفضائح لهم تجاه المغاربة.
سأختار لكم أمثلة فقط من خلال ما حفل به هذا الأسبوع من أحداث ذات دلالة على صواب هذه القاعدة. أغلق القضاء البلجيكي تحقيقاته بشأن “تورط” المغرب بالتدخل في البرلمان الأوروبي عبر رشاوي وفساد في القضية التي اختير لها بخلفيات لم تعد مخفية عنوان “قطر غيت”، وتعسف بعضهم لينعتها حقدا بموروكو غيت. رافق هذه التحقيقات كالعادة أحكام مسبقة وإدانة للمغرب قبل انتهاء التحقيقات وتغييب لقرينة البراءة من طرف منابر وهيئات وأشخاص ألفوا الاصطياد في الماء العكر والنفخ في الرماد لإشعال النيران ضد المغرب، وتورط في هذه الحملات الظالمة كالعادة طوابرية الداخل الموجودون في وضعية “رهن الإشارة” لمشغليهم في الخارج. السؤال الآن بعد انتهاء التحقيقات: ماهي النتيجة؟
قرار القضاء البلجيكي كان حاسما في عدم متابعة أي مغربي ممن أشير إليهم إعلاميا بالاتهامات وهما سفير للمغرب وموظف تابع لمؤسسة سيادية ملحق بوزارة الخارجية، وكالعادة تمت التبرئة بطريقة ماكرة رغم إقرار المدعي العام البلجيكي بأن السلطات المغربية “قدمت تعاونا جيدا في التحقيق”.
بعد سنة من التحقيق في هذه القضية، خلص الادعاء العام البلجيكي إلى أن لا علاقة له بمحاكمة المغاربة وأنه يترك للرباط حق محاكمتهما من عدمه. وهنا يكمن المكر في هذا النوع من القرارات الذي يترك فجوات لبعض الجهات المريضة للتعاطي مع هذه البراءة.
استغلت فرانس 24 الذراع الإعلامي للدولة العميقة في فرنسا والتي يقطر خطها التحريري حقدا على المغرب هذا القرار الذي لم يعجبها وقررت استخدام الخيال في أسوأ تجلياته للإبقاء على اتهاماتها للمغرب كما كان الشأن في قضايا سابقة مثل بيغاسوس. تؤكد طريقة تغطية هذا المنبر الدعائي التضليلي لبراءة المغرب أن القرار لم يوافق هواها وهوى من يتحكم في موادها المنشورة وأن الأوامر أعطيت للتنفيس عن طوابرية الداخل الموجودين في حالة حرج وانحسار بسبب الهزائم المتتالية التي يتعرضون لها.
التعدي على المهنية صار ملازما لهذه القناة في تناولها لما يهم المغرب. تبريرات غير منطقية وفيها تعسف على الحقائق ومن ضمن ذلك أن صفة المتابَعَيْن والحصانة التي يتمتعان بها تمنع على القضاء البلجيكي محاكمتهما وكأن هذه الحصانة وليدة اللحظة ولم تكن متوفرة منذ سنة عندما قرر الادعاء العام اتهامهما وكأن هذه الحصانة أو الجنسية المغربية عائق مستجد في أطوار هذا التحقيق. المبرر الثاني الذي قدمه هذا المنبر التضليلي هو اختراع من وحي الخيال ومفاده أن هناك اتفاق مغربي بلجيكي في الكواليس لإيقاف محاكمة المغربيين، وهذه وحدها كافية لاستنتاج أن الحقد أعمى البصر والبصيرة للقائمين على هذه القناة وغيرها ممن صدق هذه الخزعبلات التي تسيء للقضاء البلجيكي وللاتحاد الأوربي وتتطلب منهما تقديم توضيحات واستفسار من ينشر مثل هذه الأخبار المضرة بهما والتي لا يمكن الاختباء وراء حرية الصحافة لتبريرها.
هل يملك المغرب قوة خارقة للتحكم في القضاء البلجيكي؟ وهل يمكن لهذا القضاء أن يخضع لسلطة تنفيذية مهما كانت قوتها؟
يذكرنا هذا بتلك الادعاءات التي تنسب للمغرب قوة خارقة وبأن له قدرة على التحكم في الانتربول وفي دول ومنظمات دولية كما يروج لذلك الطوابرية كلما تعرضوا لهزيمة في ملف راهنوا عليه لمدة طويلة واستثمروا فيه كل جهدهم بترويج الأباطيل ثم يكتشفون الحقيقة التي قد تتأخر في الظهور ولكنها لن تغيب حتما.
والحقيقة أن طي ملف المتابعة من طرف القضاء البلجيكي ضد المسؤولين المغاربة كان بسبب غياب أدلة مادية على تورطهما وعدم توفر أساس قانوني لهذه المتابعة وعدم تأثر القضاء بما كان ينشر ضد المغرب من أراجيف اتضح أن خلفياتها كانت سياسية وهدفها كان هو الابتزاز ومحركها كان هو الحقد على المغرب بعد فشل قضية اتهام المغرب باستعمال بيغاسوس. والأكيد أن هذه الماكينة التشهيرية بالمغرب لن تتوقف طالما أن المغرب لم يخضع للابتزاز ويقبل بالإملاءات التي يراد فرضها كخيارات عليه.
لا يتعظ من يقودون هذه الحرب ضد المغرب من السوابق، ولا يستفيدون من أخطائهم، ولا يريدون الاعتراف بانتصار المغرب في هذا النوع من المواجهات لأنه ببساطة يعي مسبقا خلفياتها ومن يقف وراءها ويمتلك المعلومات الأساسية بشأنها ويعلم بأن ما يروج مفبرك وموجَّه ومضلِّل لتحقيق هدف غير شرعي وغير أخلاقي. وينساق معهم أجراء الداخل من الطوابرية لأن الغباء يحكم كل تصرفاتهم والعمى هو المتحكم في سلوكهم ولم يعد لهم قدرة على التراجع لأنهم فقدوا استقلاليتهم ولأن قرارهم ليس بيدهم وهم مجرد أدوات لدى مشغليهم.
لم ينفع التهديد ونشر الأكاذيب طيلة سنة كما لم ينفع ذلك في ملف بيغاسوس، واتضح بأن القضاء يميز بين الأعمال المجرمة وتلك المشروعة للدفاع عن مصالح الدولة والتي تسمى “لوبييزم”، وهي شيء آخر غير التجسس، وتقوم بها كل الدول في العالم وتخضع لقوانين واضحة.
ما تزال محاكمة زيان تحبل بالمفاجآت غير السارة والفاضحة للطوابرية. الكتيبة الزيانية في ورطة وتعالج الخطأ بأخطاء أفدح. بعد فشل الفيديو المعلوم، وبحثا عن البوز الذي ترى الكتيبة أنه وحده القادر على لفت الأنظار إلى محاكمة زيان، وبعد التأكد من أن مساعي استصدار عفو لم تنجح، وبعد الاقتناع بأن العرائض والملتمسات خطوة غير محسوبة، ها هم يجربون إنزالا للمحامين مستعينين بخدمات وكالة تأجير خدمات التضامن، أي الجماعة التي تشعر بعقدة الذنب تجاه زيان لأن لها في ذمتها دَيْن لزيان تريد أن ترده إليه.
اتضح الآن أن الفيديو كان مفتعلا وأن أمره دبر بليل بسبق إصرار وتعمد لجلب تعاطف مع الشيخ الهرم زيان ولكنه أساء الإخراج بعدم اختيار اللوك والأزياء المناسبة للدور مما جعل من شاهده يستنتج مراهقة زيان المتأخرة وحسن تعامل القوات المرافقة له، واتضح الآن كذلك بأن المصور ينتمي لموقع زيان وبأن التصوير تم بأمر منه وبأن الهدف منه جلب تعاطف مفقود مع زيان المعزول ومزيد من الضغط على الدولة ولكنه نسي بأن البلاد لا تخضع لمنطق الضغط وما يروج في قاعات المحاكم لا يتأثر بما ينشر في مواقع التواصل الاجتماعي والمواقع المضللة والقراراتُ القضائية لا تخضع لمنطق الحياحة ولكنها تصدر بناء على الترافع بالأدلة واستنادا للقانون فقط.
يريد زيان الإفراج مستفيدا من العفو ولكنه يناور ويتجاهل أن هناك طريقا واحدة فقط، وهذا الطريق يمر حتما عبر الاعتذار للضحايا والاعتراف بالمنسوب إليه وطلب العفو من السلطة الوحيدة المخولة بذلك والتي تملك وحدها سلطة العفو ويجب أن يكون الطلب من المعني وبصيغة واضحة لا التباس ولا مناورة فيه ولا يمكن الاستفادة من العفو خارج الأصول والتقاليد والأعراف.
يحاكم زيان لأنه اختلس أموال دعم عمومي للحزب الذي كان يتولى رئاسته، والاختلاس ثابت بالوثائق والأدلة وتحويل أموال الدعم لفائدة شركة في ملكية ابنه وأخرى هو مساهم فيها ثابت بالحجج. لقد أعاد الحزب المبالغ المختلسة تجنبا لعقوبة قد يتعرض لها من طرف وزارة الداخلية قد تحرمه من الحقوق التي ينص عليها القانون التنظيمي للأحزاب، ولكن هذا لا ينفي تهمة تحويل أموال عمومية من طرف زيان لحسابات شخصية.
ملف محاكمة زيان واضح والتهم فيه ثابتة ولعل هذا كان سبب إحجام الكثير من كبار المحامين عن الخوض فيه، فما كان من الكتيبة الزيانية سوى الاستعانة بالمتمرنين لتحقيق إنزال للمبتدئين في مهنة المحاماة من طرف فيدرالية جمعيات المحامين الشباب أسيرة العدل والإحسان. هدف الكتيبة واضح وهو حشد دعم معنوي لزيان الذي توجد معنوياته في الحضيض وضخ وهج إعلامي بعد الشكوى من أن الملف لم يعد مغريا بالمتابعة.
لو كان هذا المنطق العددي صائبا لووجه به زيان قبل غيره يوم كان وحده يرافع أمام أزيد من ألف محام في محاكمة نوبير الأموي. لماذا لم يوقف مرافعاته حينها؟ لماذا كان السبب في سجن الأموي؟ ما قول مناضلي الصف التقدمي في هذا المنطق؟ هل الحق يظهر بالترافع والحجج أم بكثرة أعداد المحامين؟ هل يمكن أن نفحص هذا العدد ونعرف طبيعة المؤازرين؟ هل يمكن لهؤلاء كلهم الترافع؟
الملف واضح ومتاح لكل المحامين المؤازرين أن يطلعوا عليه ويحددوا موقفهم من الاستمرار في المؤازرة من عدمه، وكم نتمنى أن يكون هذا العدد قادرا على الترافع وإثبات براءة زيان وسط المحكمة أمام القضاء وبالقانون وليس بطرق أخرى وإلا فإن هؤلاء المحامين المبتدئين تعرضوا لعملية نصب من طرف الجماعة التي وظفتهم كرقم في إنزال من إنزالاتها المعروفة. وقد تكون هذه الورطة فرصة ليعلم المحامون المتمرنون والشباب حقيقة نقيب ووزير أسبق والتهم الموجهة إليه ويتعظوا من قصته. وحينها سينقلب السحر على الساحر كما حدث مع الفيديو العجيب الذي لم ينفع زيان في شيء بل كان حجة عليه وكشف حقيقة ادعاء إصابته ب”أمراض مزمنة” ومراهقته المتأخرة.
مهازل نظام العسكر في جارة السوء لا تنتهي، وإصرارهم على تمريغ كرامة الجزائريين في التراب لم تعد تحتاج إلى دليل. على هامش قمة السبعة بإيطاليا استقبل رئيس الواجهة تبون بمقر إقامته الرئيس الفرنسي ماكرون بدون إعلان سابق. اللقاء كان مناسبة أخرى تأكد من خلالها الجزائريون من الذل الذي وضعهم فيه رئيسهم الذي وصفوه في الحراك “رئيس مزوَّر”. كعادته حاول تبون تصنع الدفء في العلاقة والتغاضي عن الإهانات التي تعرضت لها الجزائر من ماكرون. حرِص الإعلام الرسمي على نشر مشاهد ودية بحديقة الإقامة من قبيل السير يدا بيد وهما يتبادلان الأحاديث والابتسامات حتى وصلا إلى قاعة الاجتماعات، ولكن بالمقابل ضرب هذا الإعلام طوقا من حديد على ما دار في المحادثات الثنائية ولم تتسرب معلومات عن طبيعة المواضيع والملفات التي تناولها الرئيسان. لماذا هذا التستر إذن؟
ناهيك عن حذف الإعلام الرسمي الجزائري مشهدا يظهر فيه تبون وهو يصفع يد وزير خارجيته خلال مصافحته ماكرون، وهو ما يدل على أن الرئيس مصاب ب”وسواس” المنافسة ولا يريد لغيره أن يتصدر المشهد. في الأخير لن يعدو هذا اللقاء أن يكون تسويقا لصورة بدون محتوى لأن تبون عاجز عن تحقيق إنجازات دبلوماسية للجزائر ففاقد الشيء لا يعطيه. والمستفيد من الاجتماع هو ماكرون الباحث عن أصوات انتخابية للانتخابات المبكرة للجمعية الوطنية وهو بمثل هذه اللقاءات يتوجه إلى الناخبين من أصول جزائرية لاستمالتهم.
لا ينسى الجزائريون الإهانات التي وجهها ماكرون وفريقه لهم ولدولتهم وتاريخهم، ولا ينسى الجزائريون سحب السفير والمطالبة بالاعتذار، ولن ينسوا بالتأكيد تقاعس نظامهم عن الاستمرار في هذه المطالبة قبل أن يكتشفوا أن نظامهم يسعى لكسب ود فرنسا الماكرونية على حساب كرامتهم واستجداء زيارة لكبير عسكرييهم لهذه الدولة لأنه يرى فيها نوعا من الاعتراف بمشروعيته.
يبحث تبون، المشتاق لولاية رئاسية جديدة لم يتجرأ بعد على الترشح لها قبيل ثلاثة أشهر من انطلاقها، عن إنجازات يغطي بها على إخفاقاته الدبلوماسية وأدائه الكارثي فيتوجه لقمة السبعة بدون جدوى ويتناسى أنه يترك داخل البلاد في مآسي حيث لا يجد الجزائريون المواد الأساسية قبيل عيد الأضحى، واحتجاجات العطش التي تزامنت مع هذا العيد خير مثال. لقد كانت تلك الاحتجاجات ضربة أخرى للحملة التسويقية لإنجازات تبون حيث خرجت ساكنة عدة مناطق من ولاية تيارت غرب الجزائر في احتجاجات شعبية أول وثاني أيام عيد الأضحى بسبب عدم حل مشكل انقطاع مياه الشرب رغم الوعود المتكررة للحكومة بالقضاء على الأزمة قبل العيد وأغلقوا الطرق أمام السيارات فيما يشبه حالة عصيان كما نشر في مواقع التواصل الاجتماعي.
لا يصدق الجزائريون بأن بلادهم يمكن أن تكون على هذا الوضع وهي التي تجلس على ثروة خيالية لا يستفيدون منها وتذهب لجيوب كبار الكابرانات وفئة من خدامهم من المدنيين، بينما يذهب جزء منها لتمويل عصابات البوليساريو التي صارت عبئا عليهم وأكبر مهدد لاستقرار المنطقة المهددة بانتشار الجريمة وتجارة المخدرات والإرهاب. وآخر مؤشر هو العملية التي أعلنت جماعة النصرة التابعة لتنظيم القاعدة مسؤوليتها عنها والتي أودت بحياة أزيد من 100 جندي من بوركينا فاسو في منطقة مانسيلا قرب الحدود مع النيجر.
يعلم الجزائريون أكثر من غيرهم الخطر الذي يتسبب فيه استيطان هذه العصابات لجزء من ترابهم، ويعلمون كذلك أن الأموال التي تنفق على هذه العصابات تعود حسرة عليهم قبل غيرهم، ويعلمون أن الفضائح التي تلاحقهم من جراء هذا التبني لهذه العصابات لا يمكن وضع حد لها، ولكنهم لا يتصورون أن تكون هذه العصابات سببا في زعزعة استقرار المنطقة لأنها تنخرط في سياسة إضعاف كل الساحل الإفريقي وهي مستعدة لتكون أداة في يد هذه التنظيمات الإرهابية بعد فشلها في معركتها “المقدسة” لاحتلال الصحراء المغربية عسكريا والانتصار في معركتها السياسية والدبلوماسية.
الكرة في مرمى الشعب الجزائري اليوم قبل أكثر من أي وقت مضى لسحب هذه الورقة من الحسابات الانتخابية والتوظيف السياسوي من طرف نظام العسكر لتأمين استمراره بتوهم المغرب كعدو وتسويقه كمهدد لاستقرار الجزائر.
عملية “مرحبا” لاستقبال مغاربة العالم التي تشرف عليها كل سنة مؤسسة محمد الخامس للتضامن مناسبة مهمة لاكتشاف حجم ارتباط المغاربة ببلدهم، وحسنُ التنظيم الذي تلقاه من هذه المؤسسة فرصة لهؤلاء المغاربة ليعرفوا حجم الاهتمام والفرح بهذا الارتباط بالمغرب وترابه وعاداته وتقاليده. هو تقليد دأبت عليه أجيال المهاجرين الأولى التي تستغل العطلة الصيفية لتجديد الصلة مع الوطن الأم، واستمر هذا التقليد مع الأجيال اللاحقة التي وصلت الآن في بعض الدول إلى الجيل الرابع ولم تنقطع معها هذه العادة التي تبين بأن “تامغربيت” أكبر من أن تكون مجرد مظاهر أو نعث فارغ ولكنها ثقافة وجزء من ماهية كل من ينحدر من أصول مغربية أينما كان مكان إقامته. هو قاسم مشترك بدرجات متفاوتة لأزيد من 6 ملايين نسمة يستقرون بأكثر من 100 بلد في العالم، ولذلك فأعداد الوافدين على المغرب خلال هذه العملية تشهد ارتفاعا سنة بعد أخرى.
كرس الدستور لهذه الفئة من المغاربة حقوقا تضمن لهم المواطنة الكاملة، وأضفى صبغة دستورية على مجلس الجالية المغربية بالخارج الذي أسس بظهير ملكي سنة 2007 وأسند له الدستور مهمة إبداء آرائه حول توجهات السياسات العمومية التي تمكن هذه الفئة من المغاربة من تأمين الحفاظ على علاقات متينة مع هويتهم المغربية، وضمان حقوقهم وصيانة مصالحهم، وكذا المساهمة في التنمية البشرية والمستدامة في وطنهم المغرب وتقدمه، ولذلك فهذا المجلس في حاجة دائمة إلى مراقبة مدى احترامه لاختصاصاته وقيامه بالمطلوب منه، والتوصياتُ الملكية لحسن التعامل مع هؤلاء المغاربة من طرف الإدارات العمومية واضحة وخاصة خلال هذه الفترة القصيرة التي يتواجدون فيها داخل التراب الوطني. بالمقابل، مساهمة مغاربة العالم في تنمية البلاد لا يمكن إنكارها، فتحويلاتهم المالية بلغت أرقاما قياسية متجاوزة رقم 100 مليار درهم حسب أرقام مكتب الصرف وهي تضخ دينامية ملحوظة في الاقتصاد المغربي، وخاصة في بعض القطاعات، كما تساهم في تعزيز القدرة الشرائية لكثير من الأسر المغربية وتحافظ على طابع التضامن الاجتماعي لدى المغاربة.
لقد صار لافتا للنظر حجم الارتباط بالمغرب من طرف مغاربة العالم، وخاصة فئة النخب الرياضية والثقافية والفكرية التي تفضل تمثيل المغرب على غيره من بلدان المولد والنشأة، وهو ما يفرض على الحكومات المتعاقبة سياسات عمومية في المستوى.
لن ينسى المغاربة، في الداخل والخارج، سنة 2021 التي قرر فيها المغرب استثناء الموانئ الإسبانية من عملية العبور وما سببته من خسائر للاقتصاد الإسباني وكان السبب هو الاستفزازات الإسبانية للمغرب ورفض التجاوب مع مطالب المغرب المشروعة، وبالمناسبة فما تزال فاتورة استشفاء زعيم عصابة البوليساريو لم تدفع حتى اليوم. استطاع المغرب في ظل تلك الظرفية الصعبة تأمين نجاح استقبال الجالية وإيجاد بدائل مناسبة ووجه ضربة للجهات التي كانت تظن أن المغرب “حائط قصير” ورفضت اتخاذ المتعين في فضيحة استقبال بن بطوش. كانت تلك مناسبة أخرى بين فيها المغرب أن له من وسائل الدفاع عن مصالحه الكثير وأنه لا يكون سباقا للإساءة إلى أي أحد ولكنه لا يتهاون في مواجهة من يمس مصالحه بالقدر الذي يؤمن به تلك المصالح. رسالة وصلت لكل معني بها وتحسنت العلاقات مع من استوعبها وعمل بمقتضاها وما تزال العلاقة مع من يتجاهلها تتأرجح في المنزلة بين المنزلتين وحتما سيأتي اليوم ليستوعب الحقيقة، وهي أن المغرب لا يسمح في المساس بوحدته ومصالحه.
من أهم أخطاء ماكرون استعجاله للانتخابات في ظرفية عطلة فئات من الفرنسيين معنية أكثر من غيرها بهذه الانتخابات ويتعلق الأمر بالفرنسيين المنحدرين من أصول أجنبية الذي يفضلون قضاء عطلهم في أوطانهم الأصلية وهو ما سيفوت عليهم فرصة الإدلاء بصوتهم في محطة انتخابية تشكل قضايا الهجرة والمهاجرين علامة حاسمة في نتائجها المنتظرة.
نلتقي في بوح قادم.
