بوح الأحد: منسوب ثقة المغاربة في المؤسسات السيادية على لسان باروميتر خارجي
بوح الأحد: منسوب ثقة المغاربة في المؤسسات السيادية على لسان باروميتر خارجي، وفاة الماكرونية و أوروبا تسقط في مستنقع مشاكل الهوية بعد صعود اليمين المتطرف و المغرب يؤمن مصالحه الإستراتيجية و أشياء أخرى
أبو وائل الريفي
صدمات الطوابرية متواصلة، فكل مخططاتهم للنيل من المؤسسة الأمنية مصيرها الفشل. شهادة أخرى تبين بأن الثقة الشعبية في المؤسسة الأمنية بلغت درجة قياسية، وهو ما يؤكد بأن رضى المغاربة عن أداء هذه المؤسسة مرتفع وأن الاحتضان الشعبي لها واسع.
مصدر الشهادة هذه المرة من الخارج، وبالضبط من الباروميتر العربي وهي شبكة بحثية مستقلة غير تابعة لأي جهة حزبية أو حكومية وذات خبرة في استطلاعات الرأي منذ سنة 2006، ومجال اهتمامها هو منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وتضم الشبكة في عضويتها مؤسسات أكاديمية عريقة مثل جامعة برينستون ومركز الدراسات السياسية CPS بجامعة ميتشيغان ومراكز بحثية عربية من تونس وقطر والأردن وفلسطين، ويشغل عضوية لجنتها التوجيهية شخصيات أكاديمية معروفة مثل أماني جمّال ومارك تسلير، ويدير المشروع مايكل روبينز وفريق من المتخصصين من الولايات المتحدة الأمريكية، كما يمكن إلقاء نظرة سريعة على المؤسسات المساهمة في إنجاز هذا الاستطلاع وسيتضح معنى هذه الشهادة لمن كان يظن أن ما ينشر حول المؤسسة الأمنية دعاية وليس خلاصات مبنية على معطيات حقيقية.
تتناغم مؤشرات هذا الباروميتر مع حجم الإقبال الشعبي على الأيام المفتوحة الأخيرة بأكادير رغم أنه أنجز ونشر قبل تلك الفعاليات (18 ماي 2024)، واختُصرت كل المعطيات التي تضمنها استطلاع الرأي في جملة معبرة “المغاربة راضون عن الخدمات الأمنية أكثر من أي خدمات أخرى”. بلغ حجم الرضى مستوى قياسيا غير مسبوق حيث عبر ثمانية من كل عشرة من المواطنين عن ثقتهم في الشرطة المغربية، أي بنسبة تمثل 80% من العينة المستجوبة التي شملتها هذه الدراسة.
بالمقابل، سجلت مؤشرات الباروميتر انخفاضا في مستوى الثقة في الحكومة الذي لا يتجاوز الثلث والأمر نفسه بالنسبة للبرلمان حيث لم تتجاوز النسبة 38%، وخطورة المؤشرات تزداد بالنسبة لتقييم المغاربة للتعليم حيث يقول ربع المغاربة فقط بأنهم راضون أو راضون تماما عن المنظومة التعليمية بواقع تراجع بنسبة 43% مع ما كان عليه المؤشر سنة 2016.
وفي رسالة أخرى للطوابرية بيّن الباروميتر بأن ثلاثة أرباع المغاربة (74%) يثقون كثيرا أو يثقون في محاكمهم ونظامهم القضائي، وهو ما يمثل زيادة بواقع 18% قبل عامين. وفي هذا إجابة عن أولئك الذين يشككون في السلطة القضائية ويتسابقون لتدبيج العرائض والبيانات وتشكيل اللجان للضرب في الأحكام القضائية. هذا أفضل جواب لأنه يعكس رأي المغاربة عبر استطلاع محايد من شبكة محايدة لا مصلحة لها في إلقاء الورود على مؤسسات الدولة المغربية. كما بلغ مؤشر الثقة في القوات المسلحة الملكية مستوى قياسيا 88%.
لا يعني الاستشهاد بمؤشرات هذا الباروميتر إضفاء طابع القداسة عليه ولكنه دليل آخر على الدور الذي تقوم به المؤسسات السيادية في المغرب والتطور الذي تعرفه والمجهودات التي تبذلها لأنها مؤسسات بعيدة عن التقاطبات الحزبية ولا تدبر بمنطق انتخابي وتندرج مهامها ضمن المجال الاستراتيجي وتوضع على رأسها كفاءات تشتغل بوازع مواطن وولاؤها الكامل للمغرب وملكه والشعب.
حالة الرضى الشعبي عن المؤسسة الأمنية تبين بأن هذه المؤسسة ربحت رهان التواصل مع المغاربة وخدماتُها صارت ذات جودة ومواردُها البشرية تحسن الاستماع والتجاوب مع حاجيات المغاربة كما أن الشفافية والأنسنة والتخليق والمحاسبة التي صارت سائدة تبعث على اطمئنان المغاربة لأدائها.
يحسب هذا النجاح للعناية الملكية بهذه المؤسسة التي يخصها برعاية خاصة وكانت محور توجيهات في أكثر من مناسبة. وتكون النتائج في أعلى مستويات الجودة حين تلتقي مع إدارة كفأة ومخلصة ومتفانية وذات قدرة عالية على تدبير الانتقال والتحول داخل هذه المؤسسة التي بات يشعر معها المغاربة بهذه الثقة. والدور الأهم في هذا العمل يعود لعبد اللطيف حموشي الذي يقود التغيير وسط هذه المؤسسة في صمت وبسرعة قياسية ونتائج يلمسها المغاربة في كل الجهات، ولذلك فهذا النوع من الشهادات هو أفضل إجابة على من يستهدفه ويستهدف معه المؤسسة الأمنية ويريد صناعة توتر بينها وبين المغاربة.
مبادرة مواطنة جديدة تبين روح التشاركية والتفاعلية التي صار يدبر بها أمن المغاربة، ويتعلق الأمر هذه المرة بمنصة “إبلاغ” التي تم الإعلان عنها في الأبواب المفتوحة وها هي الآن تمت أجرأتها في الواقع. هذه المنصة الرقمية خدمة أخرى لتعزيز التواصل والخدمات للمغاربة وتتيح لهم التبليغ الفوري والآمن عن المحتويات غير المشروعة على شبكة الأنترنيت سواء من داخل المغرب أو خارجه عبر جميع وسائط وتطبيقات تصفح الأنترنيت على الأجهزة الثابتة والمحمولة. وتخص المحتويات المبلغ عنها كل المحتويات الرقمية الإجرامية والعنيفة، أو تلك التي تتضمن تحريضا على المساس بسلامة الأفراد والجماعات، أو تنطوي على إشادة بالإرهاب والتحريض عليه، أو تمس بحقوق وحريات الأطفال القاصرين وغيرهم.
هذه المبادرة نقلة نوعية في تعاطي هذه المؤسسة مع أمن المغاربة لأنها ستوسع مفهوم الأمن وتنقله من المعاني الضيقة والتقليدية إلى مفهوم أوسع، كما ستجعل الإنتاج الأمني مشتركا يلعب فيه المواطن دورا أساسيا، والغاية الكبرى هي تدعيم الإحساس العام بالأمن، وتعزيز التفاعل بين المؤسسة الأمنية ومحيطها المجتمعي، وكذا تطوير آليات عملية وناجعة لمكافحة الجرائم المرتبطة بالتكنولوجيات الحديثة عبر إشراك المواطنين في تحقيق الأمن الرقمي وصيانة الأنترنيت كفضاء آمن وخال من التهديدات والسلوكيات الإجرامية.
ما يحدث من دينامية وسط هذه المؤسسات السيادية، وما تراكمه من ثقة وسط المغاربة، وما تجلبه من شهادات اعتراف من المؤسسات الدولية رسالة إلى الفاعلين المنتخبين لتجويد عمل المؤسسات المنتخبة والتركيز على الإنجاز والجدوى والتخلص من الجدالات العقيمة التي لا تفضي إلا إلى مزيد من نفور المغاربة منها.
تعكس ثقة المغاربة القياسية في المؤسسات السيادية رضى عن الأداء اليومي وهذه حقيقة تعددت مؤشراتها من أكثر من جهة في الداخل والخارج، ولكن الجانب الأهم هو أن هذه الثقة تعكس اطمئنانا للخيارات الاستراتيجية للمغرب التي تجسدها بصفة كاملة هذه المؤسسات. يكتشف المغاربة مع مرور الوقت أن المغرب أدرك مبكرا مآلات الكثير من التحولات الدولية والإقليمية والقارية وتأقلم على ضوئها في اختياراته.
آخر ما يؤكد صواب السياسة العامة للدولة المغربية هو الانتخابات الأوربية التي أسدل الستار عن نتائجها نهاية الأسبوع.
لقد ظل المغرب شريكا استراتيجيا للاتحاد الأوربي ودوله، ويستفيد من صفة “الوضع المتقدم” مع الاتحاد الأوربي منذ أكتوبر 2008، ولكن التحولات التي يعرفها هذا الاتحاد جعلت المغرب، وهو خياره منذ القديم، يفضل تنويع علاقاته وشراكاته والانفتاح على تكتلات وقوى أخرى، ولذلك يحسب للمغرب قدرته على التوفيق في علاقاته الدولية مع كل القوى رغم التباينات التي بينها، سواء أمريكا أو روسيا أو الصين أو أوربا أو القوى الصاعدة مثل الهند والبرازيل وغيرهما.
القدرة على الحفاظ على التوازن في العلاقة مع الجميع صارت خاصية مغربية تتقنها الدبلوماسية المغربية ويزيدها نجاحا حكمة المغرب واعتداله وانفتاحه وجاذبيته وما يملكه كذلك من عناصر قوة في مجالات مختلفة، والأمن والاستقرار في مقدمتها.
لقد كان منتظرا أن تحبل انتخابات البرلمان الأوربي بمفاجآت، ولكن قليل من توقع أن يكون وقعها كالزلزال. كانت انتخابات أوربية بتداعيات وطنية، يمكن وصف نتائجها بالصاعقة التي وقعت على دول وازنة في الاتحاد كما هو الحال مع فرنسا وبلجيكا وألمانيا.
نحن على مشارف وجه جديد للاتحاد الأوربي غير الوجه المألوف عنه. نحن بعد هذه الانتخابات نسرع الخطى نحو اتحاد أوربي بأولويات وسياسات غير معهودة بعد الصعود اللافت لتيارات اليمين المتطرف المعروف بتشكيكه في جدوى الاتحاد من الأساس، وانتصاره للانغلاق في دائرة الوطنيات الضيقة، وحربه الشعواء على الهجرة والمهاجرين، وميله نحو الشعارات الشعبوية، وتضخيمه للقضايا الهوياتية، وفي كل ما سبق نجد المتضرر الأساس من صعود هذه التيارات هم المهاجرون والمواطنون من أصول غير أوربية، وربما شركاء هذا الاتحاد من الدول التي لم تغزها هذه النزعة الشعبوية والديماغوجية.
قد لا تتحقق في القريب العاجل كل أمنيات هذا التيار لأن ما يحصده من أصوات حتى الآن لا يمكنه من التدبير الانفرادي المريح لشؤون الاتحاد الأوربي، ناهيك عن الخلافات بين مكوناته والتي تجعله أبعد من أن يكون تيارا منسجما، ولكن صار يمكن التنبؤ من الآن بالمستقبل واستشرافه بالنسبة لأوربا وخاصة في ظل الانهيار السريع للتيارات السياسية التقليدية والأخطاء التي تراكمها والتي تجعل اليأس يعم فئات واسعة وسط القارة العجوز.
يطرح هذا المستقبل أكثر من سؤال على عالمنا العربي والإسلامي، وخاصة على اتحاد المغرب العربي، بشأن مستقبل العلاقة مع هذه التيارات لأن التجربة تثبت بأن أوربا قد تغرق في مشاكل الهوية ولن تسلم منها دولها وهي التي اعتادت عبر التاريخ أن تحلها بحروب أو بأشكال عنيفة، أو تعمد للتوحد بينها على عدو خارجي، وستجد حتما في موجة الإسلاموفوبيا حلا أو تضخم من الخطر الروسي أو المنافسة الصينية أو غير ذلك.
نحن أحوج اليوم إلى توحيد الرؤية وبناء اتحاد مغاربي موحد يفاوض من موقع قوة حتى لا يتأثر بهذه الموجة.
قد تكون اسبانيا الأقل تضررا بحكم أن توزيع أصوات الناخبين بقي متعادلا بين التيارات الرئيسية حيث لم يتضرر الحزب الاشتراكي كثيرا رغم حلوله بعد الحزب الشعبي بفارق 4 نقاط، ولكن الضربة طالت تحالف سومار الذي اضطرت منسقته يولاندا دياز إلى الاعتراف بالهزيمة وتقديم استقالتها، وهي المعروفة بعدائها للمغرب ووحدته الترابية.
الصدمة الكبرى تلقتها فرنسا الماكرونية، حتى أنه يمكن القول بأن نتائج الانتخابات الأوربية كانت إعلان وفاة للماكرونية، وسيسجل التاريخ أن ماكرون أضعف الاتحاد وقدم أكثر من خدمة لليمين المتطرف بسياساته العشوائية وغير الناجعة وحساباته الخاطئة وانشغالاته عن القضايا الأساسية بأخرى تافهة خدمة لمزاجه الشخصي المتقلب.
بعد يوم الأحد أصبحت الصورة أوضح لأن هزيمة ماكرون وحزبه لم تكن مجرد خسارة انتخابية لمقاعد في البرلمان الأوربي ولكنها كانت بطعم استفتاء شعبي على ماكرون والماكرونية لقن فيه الفرنسيون ماكرون درسا تاريخيا، ولذلك فرده لم يتأخر سوى دقائق أعلن بعدها حل البرلمان والدعوة لانتخابات تشريعية مبكرة.
دعوة ماكرون لانتخابات سابقة لأوانها في غضون ثلاثة أسابيع مناورة أخرى لتطويق اليمين المتطرف ودفع باقي المكونات إلى التصدي له والاصطفاف مع حزبه “النهضة” ضد هذا اليمين المتصاعد. ماكرون يقود فرنسا نحو المجهول والتفكك والانسلاخ عن قيمها. يتفادى ماكرون الحديث عن مستقبله الرئاسي بعد شهر من هذه الهزيمة أو يطلق من الآن قراره بأنه باق في الإليزيه معولا على خاصية التساكن مع أن إمكانيته شبه منعدمة مع تيار يميني يبدو أنه يوسع تحالفاته وقد تشمل وريث الديغولية أي الحزب الجمهوري الذي أبدى رئيسه إيريك سيوتي رغبة في ذلك وهو ما قوبل بطرده من الحزب نهائيا.
يكتشف ماكرون بالتدريج ما اقترفه في حق فرنسا والفرنسيين في الداخل والخارج، ففي عهده طردت فرنسا من الكثير من الدول، وفي عهده شهدت فرنسا توترات اجتماعية وسياسية غير مسبوقة وآخرها احتجاجات كاليدونيا الجديدة، وفي عهده بلغ اليمين مراتب غير مسبوقة.
استطلاعات الرأي تنبئ بتقدم التجمع الوطني والسؤال فقط حول حدود هذا التقدم، وهل سيصل إلى أغلبية مريحة في البرلمان تمكنه من تشكيل حكومة قوية قد تسبب مشاكل لماكرون فيما تبقى من ولايته الرئاسية. هل يمكن لماكرون التعايش مع حكومة يمينية متطرفة؟ وما هي حدود التنازلات التي سيقدمها من أجل ذلك؟ وهل يمتلك في حالة الانحباس الشجاعة للاستقالة وتنظيم انتخابات رئاسية مبكرة؟
يضع ماكرون خلال هذا الشهر ثقله كله من أجل إنقاذ ماء الوجه فقط وإلا فإن نهاية الماكرونية حقيقة قائمة اليوم وسيشهد التاريخ أنها كانت مجرد موجة “شوهت” المشهد الحزبي وقدمت خدمة كبيرة لليمين المتطرف وقادت الفرنسيين إلى العزوف الانتخابي.
وضع ماكرون اليوم لا يحسد عليه. هزيمة سياسية لأفكار وسياسات تياره وخسارة انتخابية لحزبه ولشخصه وحالة إضعاف غير مسبوقة له أوربيا وعزلة دولية وصلت إليها فرنسا عالميا لم تنفع معها البروتوكولات المصاحبة لزيارة بايدن لفرنسا بمناسبة إحياء ذكرى إنزال الحلفاء في النورماندي. لقد لاحظ الجميع أن ما رافق هذه الزيارة لم يعكس عودة الدفء إلى العلاقات الفرنسية الأمريكية ولم تكن ورقة انتخابية لصالحه في الانتخابات التي شهدت خسارته المدوية.
ما يحدث في فرنسا درس آخر يعلمنا بأن المغرب أحسن التعامل مع استفزازات ماكرون وأذرعه، وأحسن تدبير الابتزاز الذي تعرض له من قبلهم جميعا، بل يمكن القول أنه حول الأمر إلى ورقة رابحة بانفتاحه على دول أخرى طالما أن فرنسا لم تحسم خياراتها تجاه المغرب، وهو ما جعل فرنسا تطرق أكثر من باب وتتحين أكثر من فرصة لإعادة المياه إلى مجاريها مع المغرب دون جدوى طالما أنها غير صريحة وتريد طي الصفحة دون قراءتها والاستفادة من أخطائها وتقديم عربون حسن النية للمغاربة من خلال الاعتذار عن الإساءات المتكررة التي طالتهم جراء مواقفها.
لا يمكن لهذا البوح أن يتغاضى عن جمهورية شنقريحستان وهي تقدم أكثر من دليل على تخبطها. وقع تبون مرسوما رئاسيا يتضمن استدعاء الهيئة الناخبة لإجراء انتخابات رئاسية يوم 7 سبتمبر 2024، وحتى الآن لم يعلن تبون ترشحه لأنه ما يزال ينتظر الضوء الأخضر من الحاكم الفعلي. يريد تبون إضفاء نوع من “السيسبانس” على ترشحه لعل ذلك يدفع الجزائريين للمشاركة في انتخابات يطرح أكثر من سؤال حول نزاهتها وتنتظرها أكبر حملة عزوف. هل يمكن للمنظمات التي احترفت النيل من المغرب أن تملك الشجاعة لتراقب نزاهة هذه الانتخابات؟ هل يمكن أن تقدم تقارير عن حالة الجزائر يوم تلك الانتخابات؟
ارتباك تبون ومن يوظفه من الكابرانات بلغ مداه، وقد عشنا هذا الأسبوع واقعة تستحق معها شنقريحستان دخول دفتر ڭينيس للأرقام القياسية. لقد تمت إقالة السفير حسن رابحي في مصر بعد اعتماده بيوم واحد في منصبه يوم الجمعة 7 يونيو لتتم إقالته في وقت قياسي. ومرة أخرى يفضل نظام عسكريستان الصمت وعدم تقديم توضيحات للشعب عن سبب هذه الإقالة لأنه لا يهمه الرأي العام إطلاقا. فهل مثل هذا السلوك يشجع على الإقبال على صندوق الاقتراع في شتنبر؟
التسرع والارتباك والغموض صارت صفات ملازمة لهذا النظام.
الواقعة الثانية هي إقدام تبون على إقالة مدير التشريفات محمد بوعكاز وهو رجل ظله القوي في قصر المرادية، ومرة أخرى بدون توضيح سبب الإقالة للجزائريين والاقتصار على عبارة فضفاضة “لارتكابه أخطاء جسيمة”. هل هذه الأخطاء عامة أم خاصة؟ سياسية أم عاطفية؟ ترتبط باستغلال النفوذ؟ أم ماذا؟
للأسف لا أحد يجيب الجزائريين، ولا أحد يوضح لهم الحقائق، والإعلام الجزائري متحكم في كل ما ينشر فيه مما يضطر معه الجزائريون إلى معرفة أخبار بلادهم من جون أفريك وغيرها من المنابر الأجنبية فيكتشفون حجم الفساد الذي تغرق فيه بلادهم بسبب سوء تدبير الكابرانات المنقطعين عن العالم وتحولاته والذين يعيشون في عالم المؤامرات والدسائس.
في مقابل هذا الإخفاق، يوجه نظام الكابرانات إمكانيات الجزائر لشن حرب على المغرب بدعم عصابات البوليساريو وتمويل جهات كل همها نشر التضليل بالأخبار الزائفة ضد المغرب. وكم كان بئيسا لجوء بعض الصفحات الممولة من هذا النظام إلى فبركة مقطع فيديو بحذفه من سياقه ومناسبته وموضوعه والترويج بأنه زيارة حديثة لوزير الدفاع (مع العلم أن هذا المنصب غير موجود) المغربي إلى إسرائيل بغرض “تفقد القوات المغربية المشاركة في الحرب” وسرعان ما اتضح أن الفيديو قديم يعود لسنة 2022 ولا علاقة له بالحرب على غزة.
لقد صار محرجا لدولة عسكريستان موقف المغرب المبدئي من القضية الفلسطينية الذي يتأكد في كل مناسبة وآخرها المؤتمر الدولي رفيع المستوى حول الاستجابة الإنسانية الطارئة في غزة بالأردن، كما صار محرجا لهم أمام شعبهم القمع والمنع الذي طال كل فئات الشعب التي تكتم تضامنها مع الفلسطينيين ولم تتح لهم فرصة التضامن في الفضاء العمومي مما ألزمهم بأضعف الإيمان وهو التضامن بقلوبهم في دولة تدعي أنها مع المقاومة في فلسطين ولكنها تتخوف من أي وقفات تضامن مع فلسطين تتحول إلى وقفات تنديد بنظام الكابرانات الذي قاد البلاد إلى أكبر حالة بؤس وإفلاس في تاريخها.
هنا مثلا يظهر الفرق جليا بين دولة واثقة من سياساتها وفي شعبها وبين “دولة” متوجسة من شعبها لأنها تعي أنها تحكم بالحديد والنار فقط.
موعدنا بوح قادم وإلى ذلكم الحين عيد أضحى مبارك لكم جميعا.
