الباك مدخل لالرتقاء بالمغرب
الباك مدخل لالرتقاء بالمغرب
انطلقت أجواء إجراء امتحانات الباك، بضغطها النفسي وبحماسها الجماعي، وترقب عائلات التلاميذ المغاربة الذين لا يعيشون أطوار دراسة أبنائهم بالانتباه اللازم أحيانا كثيرة إلا حين يصل أبناؤهم إلى نهاية السلك الثانوي، بدءا من السنة الأولى بكالوريا، حيث يزداد الاهتمام ويكثر تتبع الأسر لمسار تعلم أبنائها، لما تشكله البكالوريا اليوم من أهمية في حياة المغاربة..
بالأمس كانت الشهادة الابتدائية تعتبر حاسمة في المسار التعليمي للأسر المغربية، لذلك كان الكل يحس بموعد امتحانات الشهادة الابتدائية التي كانت مثل القنطرة إما الولوج إلى عالم تعليمي أكثر تركيزا واتساعا، وشهادتها تعتبر منقذا لأنها تمكن حاملها من البحث عن العمل الذي كان متوفرا يومها، ثم أصبحت شهادة السنة الرابعة التي كانت تسمى ب”البروفي”، تحتل هذا الدور لأن شهادة المستوى “الرابعة إعدادي” بالأمس كان مدخلا للاستقرار الاجتماعي والترقي الوظيفي، ثم بعدها لم يعد المغاربة يحفلون لا بامتحانات السنة السادسة ولا السنة التاسعة من التعليم الأساسي، بل أصبح التركيز على شهادة البكالوريا، هذا يعكس مستوى من التطور الكمي على الأقل بغض النظر عن الدخول في جدل جودة محتوى التعلّمات بين الأمس واليوم، أي أن البكالوريا أصبحت شهادة حاسمة للتطور في سلم الارتقاء الاجتماعي وهذا بعد إيجابي..
لِمَ تهتم الأسر المغربية بموعد امتحانات البكالوريا بشكل كبير اليوم، رغم البطالة ورغم التغير الذي أصاب مستوى تعليمنا الأساسي والثانوي؟
مرد هذا الاهتمام بتقديري يعود إلى أن شهادة البكالوريا أصبحت لها قيمة قصوى في المسار التعليمي والمهني ببلادنا، فهي حد فاصل في مستقبل الأجيال الصاعدة، يمكّن الحصول عليها من توجيه التلاميذ المغاربة نحو التعليم العالي لإحراز شهادة تسمح بإمكانية الارتقاء الاجتماعي والاستقرار الوظيفي برغم تهديد شبح البطالة، فالمغاربة يشعرون اليوم بأهمية البكالوريا في اليد، ويرددون بطالة بالبكالوريا أحسن من بطالة بدونها، ليس على المستوى الوظيفي بل حتى على مستوى التواصل في المجتمع الذي ارتفع فيه المستوى الثقافي للمغاربة، خاصة مع اكتساح النساء لمجال التعليم وتقدمهم الكبير فيه حتى مقارنة بالذكور.. وانتشار تعليم الإناث في العالم القروي وهو ما يبرز أن أكبر معدلات شهادة البكالوريا أضحت اليوم تحرز من طرف التلميذات ومن الهوامش من جهة..
ومن جهة أخرى أصبح التلاميذ وأولياء أمورهم مهتمين ليس فقط بالحصول على شهادة البكالوريا والنجاح كما كان عليه الأمر في زماننا، بل العمل بكل الوسائل من أجل الحصول على أعلى المعدلات التي تسمح بولوج مؤسسات التكوين التي تسمح بفرص أكبر للشغل وبأجر أعلى وتأمين استقرار وظيفي أكبر وتطور اجتماعي أسرع وأكثر ضمانة. وهذا يؤدي إلى سلوكات إيجابية، منها عدم ترك الأسر شأن تعليم أبنائها للمدرسة فقط، وللشارع لوحده، بل تعود الأسرة إلى وظيفتها الطبيعية كمؤسسة للتنشئة الاجتماعية، ومنها كثرة دروس التقوية والدعم التي تكلف العائلات المغربية أعباء إضافية في سنة البكالوريا أكثر من أي شهادة أخرى.. لكن بالمقابل يولد هاجس الأسر لحصول أبنائها على معدلات كبرى.. سلوكات غير صحية مثل مساهمة كل أفراد العائلة في توفير أساليب الغش حتى المتطورة منها لأبنائهم، بالإضافة إلى زيارة الآباء والأمهات للثانويات ليس من أجل معرفة مستوى أبنائهم ولكن من أجل التوسل لدى الأساتذة للنظر في الحال واستعراض كل أساليب التودد المشروعة والمختلقة ليطلق الأساتذة أياديهم في النقط ويكونوا رحماء بأبنائهم وهو ما يضرب في العمق تكافؤ الفرص بين التلاميذ أنفسهم.
هذا الاهتمام المجتمعي بالبكالوريا هو علامة صحية في المجتمع، لأنه بالفعل حتى ونحن نجادل في مستوى تعليمنا اليوم يتم قبول التلاميذ المغاربة بكثرة في الخارج والعديد منهم ينجحون في ولوج مؤسسات كبرى وجامعات دولية مميزة خارج المملكة، بل بعد تخرجهم تقدم لهم عروض كبرى بسببها لا يعودون إلى بلدهم الذي تحمل كلفة كبرى في تعليمهم، وفي ختام هذا الكلام لا يمكنني إلا أن أتمنى لتلاميذنا مزيدا من النجاح والتألق، فالمستقبل أمامكم، فخذوه بعقولكم..
المصدر: شوف تي في
