بوح الأحد: سنة نهاية الطوابرية و تأسيس “هِمَمْ” بمعنويات في الحضيض…
بوح الأحد: سنة نهاية الطوابرية و تأسيس “هِمَمْ” بمعنويات في الحضيض، إعلان إفلاس قبل البداية، سر قدرة حموشي على فتح كل الأوراش بشكل متزامن، نتنياهو يلعب لعبة ٱبتزاز المغرب و أشياء أخرى
أبو وائل الريفي
حال الطوابرية يبعث على الشفقة ومقاولة فري كلشي أفلست وقطار المتنطعين وصل محطته الأخيرة. يكابرون ويتظاهرون بأنهم في حالة قوة ولكن كل العوامل تؤكد حالة اليأس. من تابع وسط هذا الأسبوع ندوة “هِمَم” (لنتمعن جيدا في خلفية هذا الاختصار للاسم الجديد للمقاولة المفلسة فيما يلي) يلاحظ حالة الهزيمة التي صار عليها الطوابرية. وجوه شاحبة ونفسيات منكسرة وخطابات غير مقنعة وكلام مكرور وادعاءات بدون أدلة. لغة الإشارات والأجساد كانت أكثر تعبيرا من لغة الكلام المزيف والمنمق والمختار من قواميس المنظمات المسخرة ضد المغرب والذي لم تعد عباراته وتوصياته تنطلي على المغاربة. هذه على كل حال تأكيدات ما قلناه سابقا بأن سنة 2024 ستكون خرابا على الطوابرية ونهاية لكل “التنوعير” الذي صار المخدوعون سابقا يفهمونه ويستوعبون مراميه ولذلك فهم أول من هجر الطوابرية وانصرف عنهم. يكفي فقط كل هذا الطابور مراجعة عدد متابعيهم ليفهموا أن تأثيرهم محدود وانتشارهم شبه منعدم ويفقدون حدثا بعد آخر من انخدع بأكاذيبهم، أما المغاربة فهم يعرفون منذ الزمن الأول أنهم لا يملكون طريقا للتأثير عليهم.
ندوة “همم” كانت خرابا على الطوابرية لأنها كانت جردا للخسائر وإحصاء للفشل الذي يراكمونه في كل الملفات. لم ينفع التدليس بشأن بعض المتابعات المرتبطة بجرائم جنائية، ولم تُجْدِ المحاولات التعسفية على القانون وحقوق الإنسان لإلباسها لبوسا حقوقيا وتصنيفها ضمن حرية الرأي والاعتقال السياسي مع أن الوقائع واضحة للعيان وفصول المتابعة متناغمة معها ولكن خشية البطالة الحقوقية والفراغ النضالي تجعل الطوابرية يخترعون اللامنطق للبقاء على قيد الحياة النضالية حتى لا يطالهم النسيان كما طال من سبقهم الذين فضحهم الواقع.
وصل الطوابرية للباب المسدود فاستنجدوا بالاحتياط النضالي وغيروا اسم المقاولة وبدلوا الربان لعل ذلك يصلح الحال متناسين أن العطار لا يصلح ما أفسد الدهر.
“همم” هي الاختصار للعنوان الجديد للمقاولة المفلسة التي صارت تحمل اسم “الهيئة المغربية لمساندة المعتقلين السياسيين” بديلا للاسم القديم الذي صار نذير شؤم للطوابرية “الهيئة الوطنية لمساندة معتقلي الرأي وضحايا انتهاك حرية التعبير”. ما الجديد في الاسم والمسمى؟
الشعور بعدم الانتماء للمغرب صار عقدة ملازمة للطوابرية المدمنين على قراءة هذا البوح الذي اتخذ لنفسه خطا تحريريا مدافعا عن المغرب وتامغربيت وفاضحا لكل من يستهدف هذا المغرب وقيم تامغربيت، ولذلك فقد أصروا على أن يتضمن الاسم الجديد إشارة للمغرب. الحمد لله أنهم يفضحون أنفسهم بأنفسهم.
الحقل الدلالي لمختصر العنوان يؤكد أن المقاولة تعرضت لسطو تيار العدل و الإحسان الذي يدور مشروعه حول “رفع الهمم”، ولذلك فالتعسف في اختصار الاسم ليصبح بهذا الشكل وضمن هذا الحقل ليس بريئا، ويؤكد كيف أصبح اليوم “رفاق الأمس” حلفاء، أو بالأصح رهائن لأعداء الأمس وفق منطق يستعصي على الفهم وغير قابل للتبرير وضد كل ما هو متعارف عليه في ميدان الفكر والسياسة. يتناسى الرفاق الأسارى أنهم سيبقون مجرد أدوات لدى مريدي الجماعة و”هممهم” ساقطة رغم كل الاجتهاد لإرضاء سدنة معبد الجماعة أو هم في أحسن الأحوال “مؤلفة قلوبهم”.
تفحص الاحتياط النضالي الذي عززت به المقاولة المفلسة صفوفها ينتمي في غالبه لتيار عدولاة الذي أحكم قبضته على المقاولة ظنا من “الرفاق” أن لهؤلاء قدرة على إنقاذها من الإفلاس ومتناسين أن الجماعة تعيش إفلاسا أكبر ولا تقوى على إيقاف نزيفها الداخلي المتواصل الذي تعيشه منذ أزيد من عقد ومتغافلين على أن الجماعة لا تُصَدِّر إليهم إلا “النطيحة والمتردية وما عافت صفوفها وقواعدها”. هذا يؤكد ما قلته في أكثر من بوح سابق بأن الجماعة صارت “متعهد وقفات” مهمتها تأجير خدمات في الشارع لمن “يخضع” لأفكارها الخرافية، وأتباع الجماعة مستعدون لذلك وينتشون به ويرون فيه انتصارا تاريخيا على “أعدائهم الأبديين”.
الجديد كذلك هو إعادة وجه قديم للواجهة بعد ابتعاده لمدة طويلة عنها بسبب فضائحه التي صارت موضوعا للتنكيت في مجالس أصدقائه. الاستنجاد بالمتصابي هو اضطرار أملته حالة الفراغ التي صارت عليها المقاولة التي يفضل سدنتها “القيادة من الخلف”. يتناسى هؤلاء جميعا أن قبول صاحب “المغامرات” كان اضطراريا لتجنب البطالة التي يعيشها بعد فشل رهانه الإعلامي الذي كان يتمنى أن يكون “جلدا للمغرب كل أسبوع” فإذا به وحيد بعد أن “تنبه” المغفلون إلى لعبته فانصرفوا عنه. ما يؤكد الطابع الاضطراري في الاستنجاد بخدمات “الطوابري المخضرم” هو الحرج في الإعلان عن اسمه الذي استغرق شهرا بين اختياره والإعلان عنه، وهو ما يطرح أكثر من علامة استفهام عن الشفافية في تدبير المقاولة المفلسة والغامضةِ طرقُ اشتغالها والمثيرة للريبة.
بدا فؤاد متحسرا على العهد القديم، وهذه صارت لازمة مصاحبة لكل كلامه، والسبب واضح. لقد كان مستفيدا من ذلك العهد وكان يتصرف في ملايير القروض الصغرى وينعم في “بحبوحة” العيش ويستبيح بذلك المنصب أعراض “المناضلات”. طبيعي أن يتحسر أمثال هذا على “العهد القديم” طالما أنه ضمن لهم الريع الدائم دون أن يمنعهم من “بريستيج” المعارضة، كما أنه من الطبيعي أن ينقموا على العهد الجديد لأنه قطع عنهم العطاء ووضع حدا للازدواجية التي ألفوها في الماضي.
من حيث الشكل، تبدو المقاولة “همم” في اندحار متواصل. اختارت أسلوب الندوة الصحفية ولكن الوجوه الحاضرة كانت أبعد عن الصحافة وحجم من حضر من الصحافيين يعكس حجم اهتمام الإعلام بمجال عملها. مكان ما سمي ندوة صحفية هو نفسه “وكر” تفريخ اللجان والهيئات والتنسيقيات التي يراد بها تصوير المغرب مملكة مضطربة وتغلي بالاحتجاجات، ولذلك فالمكان يدل على حالة الانحسار والانحباس الذي يعيشه الطوابرية. وطبيعة الحضور ونوعيته تؤكد أن الجسم الطوابري يتآكل ولا يتجدد. نفس الوجوه التي تتناوب على الحضور في كل المناسبات بقدرة على التلون حسب كل حالة ومكان وظرف.
من حيث المضمون، نفس اللغة ونفس الخطاب ونفس المواقف ونفس النبرة. حرص على “تسويد” الوضع في المغرب ولو بالتضليل والتدليس والكذب. تعسف في ربط ملفات جرائم جنائية واضحة وقائعها بالسياسة ولو اقتضى الأمر الطعن في استقلال القضاء وتكرار الأسطوانة المشروخة حول “توظيف القضاء في تصفية الحسابات بهدف التخويف”. يمكن لجهة محايدة فحص كل الملفات بوقائعها وتكييفها القانوني ومساطر المتابعة ومراحل المحاكمة ولن تجد في ذلك سوى إعمالا لكل قواعد المحاكمة العادلة، ولكن الخوف من “البطالة النضالية” تجعل الطوابرية يتمادون في التضليل بما يحدث نتائج عكسية ويقود إلى خلاصات وتوصيات تتماشى مع أجندات “أسيادهم” في الخارج الذين يستقوون بهم على المغرب والمغاربة لنيل المشروعية من تقارير أجنبية يتجاهلون عمدا أنها مصنوعة بخلفيات سياسية وابتزازية، وهو ما يؤكد عقدة الأجنبي الاستعماري التي هي جزء من تركيبتهم الشخصية “ما خلصت إليه الهيئة الوطنية لمساندة معتقلي الرأي وضحايا انتهاك حرية التعبير في هذا التقرير لا يمثل استثناء أو تفردا عما رصدته منظمات دولية ووطنية”.
أصبحت “الاتهامات الجنائية ذات الطابع الجنسي” تشكل كابوسا مرعبا للطوابرية لأنها عزلتهم عن المغاربة وكشفت حقيقة أخلاقهم للرأي العام وعرّتْ فضائحهم التي طالما تستروا عليها. يرغب بعض من هؤلاء في سيادة حالة السيبة واستثنائهم من تطبيق القانون في هذه الجرائم رغم أن كل القرائن تؤكد تورطهم فيها. هل ينفي المتصابي أنه هو صاحب الفيديو الفضيحة الذي انتشر بين أصدقائه كالنار في الهشيم. كان عليه أن يبحث عمن سرب الفيديو وعن صاحب المصلحة في ذلك عوض أن يلجأ إلى الحل الأسهل وهو إلصاقها في المخزن الذي لا مصلحة له في نشر غسيل المتصابي الوسخ والمعروف عند كل من يعرفه عن قرب. أليس من الخطأ الفادح ادعاء أن من كانت معه زوجته بينما هي في عصمة رفيقه في النضال؟ وما مصلحة الدولة في التدخل في حياته الخاصة؟ هل أنكر زيان حقيقة الفيديو الفضيحة؟ هل أنكر تحرشه بموكلاته؟ أم ظل يراوغ ويلتوي دون الجرأة على الإنكار وامتلاك شجاعة الاعتراف بفعل يدعي أنه من حقوقه؟
حري بالطوابرية امتلاك جرأة الاعتراف والاعتذار للمغاربة، والأولى لهم التنقيب عن أسباب انتشار هذه الفيديوهات وتجنب الأسلوب القديم بإلصاق كل شيء في المخزن لأن أسلوب التواصل الذي صارت تعتمده مؤسسات الدولة يفضح ادعاءاتهم وأكاذيبهم.
من خطاب التضليل كذلك تزييفُ طبيعة بعض المتابعات وادعاء أن “الدولة” تستهدف بعض الأشخاص بسبب مواقفهم المعارضة لخيارات الدولة بشأن “التطبيع”. وللتدليل على ذلك يتعسفون في تأويل بعض المحاكمات التي لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة. إنهم بهذا المنطق يفضحون أنفسهم لأن الدولة على دراية أن قراراتها وخياراتها وسياساتها يستحيل أن تحصل كلها على إجماع وهي مقتنعة بجدوى المعارضة وحق الرأي الآخر في التعبير، والشعارات ضد التطبيع والآراء والتحليلات ترفع في كل مكان ولا يثير ذلك حفيظة الدولة المغربية التي ترى في ذلك تعبيرات طبيعية عن تنوع المجتمع وتعدديته. لماذا لم تفتح المتابعات ضد هؤلاء جميعا؟ اقتصار الطوابرية على حالات بعينها يفضح تدليسهم، وهذه الحالات المعزولة تؤكد اصطفاف المغاربة مع سياسات الدولة التي تراعي مصلحة المغرب والمغاربة دون الإضرار بالشعب الفلسطيني ومصالحه وحقه الثابت في إقامة دولة مستقلة وذات سيادة. التزييف المتعمد لبعض المتابعات دليل على حالة الإفلاس الأخلاقي الذي يعيشه الطوابرية.
الأولى للطوابرية مراجعة “تبريراتهم المبتكرة” و”تحاليلهم البديلة البئيسة” لأنها تضعهم في صف المواجهة مع المغاربة وتقودهم إلى عزلة مجتمعية تصيبهم بحالة إنكار للواقع بما يعرفه من تحولات حقوقية لا تخفى على أحد.
على الطوابرية التخلص من فائض الحقد الذي يكنونه للمغرب ولكل جميل فيه. لن ينفع الطوابرية أبدا مع المغاربة النيل من رئاسة المغرب لمجلس حقوق الإنسان، والمؤكد أن هذا الانتصار سيبقى غصة في حلقهم ولكن عليهم الاعتراف بالأمر الواقع والتعامل على أساسه مع المستقبل.
لن ينفع الطوابرية إعادة تدوير نفس الكلام عن بيغاسوس رغم ظهور الحقائق بشأنه من خلال تقارير لدول ومؤسسات رسمية تؤكد أن لا أدلة على تورط المغرب، ولن ينفعهم تحريض المنظمات والدول ضد المغرب لأن التطور الحقوقي الحاصل في المغرب صار محط شهادة الجميع.
حالة الهزيمة التي عليها الطوابرية وتعاملهم بجدية مع معطيات “خريف الطوابرية” وحقيقة نهايتهم سنة 2024 هي التي تجعلهم يتسولون حوارا مع مؤسسات الدولة الرسمية لتسويق ذلك كاعتراف بهم وبما يقومون به. هل يعقل أن تتحاور مؤسسات الدولة مع من يرفض قوانين الدولة ويرفض سلك المساطر القانونية لنيل المشروعية؟ لماذا لا يملكون الجرأة لوضع ملفات قانونية لتأسيس إطارات حقوقية وهم يعلمون أن الإطار القانوني يضمن لهم ذلك إن استوفوا ما يتضمنه القانون من شروط؟
سقطة مهنية أخرى لفرانس 24 في ملف المعيطي تحديدا، وهي تغطي جلسة أخرى من جلسات محاكمته. تصر دائما هذه القناة، ذراع الدولة العميقة التي لم تتخلص بعد من خلفيتها الاستعمارية، على تغييب رأي المغرب وتكتفي باستضافة الغلام التائه في بلاد الكنديين بحثا عن فرصة كما كان الحال مع الهاربة من العدالة مدعية “العفاف”. هل بهذه المعالجة يمكن لفرانس 24 أن تدعي أنها مهنية؟ هل لا تضيف دليلا آخر على أنها قناة معادية للمغرب عن سبق إصرار وترصد؟
لا يمكن تبرير هذه المعالجة السياسية إلا بدفاعها عن “بيدق” من بيادق الدولة العميقة في فرنسا التي يغيضها تمسك المغرب باستقلالية قراره وعدم خضوعه لأطماعها التوسعية.
فرانس 24 تعطينا دليلا إضافيا على أن ولاء “مول الجيب” هو لوطنه فرنسا وترفع عنه ولاءه لوطنه الأم المغرب صاحب الفضل عليه. هذا ما كنا نقوله دائما بأن بعض حملة الجنسيات الأجنبية من الطوابرية ولاؤهم ليس للمغرب، وفرانس 24 بهذه التغطيات “المخدومة” تفضح نفسها وتفضح المعيطي وتفضح من يوظفهما معا لابتزاز المغرب.
وبمناسبة الحديث عن الماما فرنسا التي ما يزال البعض يراها “مركز الكون”، يلزم التذكير بأن هذا البوح كان جرس إنذار لما تشهده من اندحار وتقهقر سواء في الخارج أو الداخل منذ سنوات.
في هذا البوح تحدثنا أكثر من مرة عن فرنسا الماكرونية وما ترتكبه من جرائم في حق فرنسا الأنوار. احتجاجات كاليدونيا الجديدة فرصة لمريدي “الاستعمار الجديد” ليفهموا أن العالم يتغير وقواعده توضع من جديد وعلى أسس جديدة.
حالة الاضطراب التي تعاملت بها إدارة ماكرون مع تلك الاحتجاجات مؤشر على حالة الضعف وعدم الكفاءة. هي مؤشر على التحول الجاري الذي لم تنتبه له فرنسا الماكرونية لانشغالها بقضايا أقل أهمية وحالة الإنكار التي تتعامل بها مع الواقع وتحولاته. نتائج ذلك الحراك وأسبابه وما أسفر عنه من قتلى واعتقالات وحالات التدمير التي عرفتها المنطقة للمباني وإحراق للسيارات وطول مدة الاحتجاجات وفرض حالة الطوارئ ورفعها وحظر بعض مواقع التواصل الاجتماعي وتأخر زيارة ماكرون للمنطقة لتهدئة الأوضاع وغياب بدائل تحظى بقبول ساكنة المنطقة كلها تؤكد أن المشاكل حقيقية وتنذر بموجة مطالب أعلى مما هي عليه اليوم وما على فرنسا إلا أن تكون على استعداد لها لأن الفوارق الاجتماعية هناك صارت أكبر من أن يغض عنها الطرف أو تنفع معها تعزيزات أمنية أو مقاربة قمعية. وما يزيد الأمر صعوبة هو الاستحقاقات التي تنتظر فرنسا الصيف القادم.
الكرة في ملعب الشعب الفرنسي والنخب الفرنسية لإنقاذ ما تبقى من القيم الحقيقية للجمهورية الفرنسية التي تتآكل بفعل سياسات عاجزة وتقديرات خاطئة ورهانات فاشلة.
تستمر المؤسسة الأمنية في صناعة الحدث وتقديم الإشارات على الدينامية التي تعيشها. ترؤس عبد اللطيف حموشي لحفل استقبال وتوديع منتسبي أسرة الأمن المستفيدين هذه السنة من أداء فريضة الحج فرصة للحديث عن رهان الأنسنة وإضفاء الطابع الاجتماعي على أداء هذه المؤسسة. أن يصرح حموشي بأنه يهتم بتوسيع دائرة المستفيدين من الحج في صفوف هيئة الأمن الوطني فلذلك دلالة عميقة على الاهتمام بحاجيات هذه الأسرة الدينية والاجتماعية وإعطائه الأولوية لهذا الجانب لما فيه من تقدير لهذه الموارد البشرية واعتراف بالمجهودات التي تبذلها، وقد تجلت هذه الأولوية في مضاعفة عدد المستفيدين من التغطية الشاملة لنفقات الحج، وتوسيع عدد المستفيدين من التغطية الجزئية، وإدراج أرامل وذوي حقوق أسرة الأمن الوطني كذلك ضمن لائحة المستفيدين اللائي أصبح لهن كوطا خاصة بهن. الاعتراف بالفضل لذوي الفضل من شيم الكبار و”أولاد الناس” وهذا ما يجسده السيد حموشي، ابن الشعب القادم من المغرب العميق، بهذا الاهتمام والحرص على حضور هذا الحفل دائما حتى ترك فيه بصمته لأنه يعي بأن اللمسة الإنسانية والاعتراف بعطاء جيل من رجال ونساء هذه المؤسسة وذويهم مهمة تعطي للاستفادة من الحج إلى بيت الله الحرام وزيارة المسجد النبوي رونقا آخر لأنها اعتراف لهم ولما أسدوه من مهام جليلة كانوا فيها دائما في الصفوف الأمامية لينعم المغرب والمغاربة بالأمن والاستقرار.
ليس مستغربا هذا الاهتمام بالحياة الاجتماعية لنساء ورجال المؤسسة الأمنية على شخص مثل حموشي خبر حالة المغاربة عن قرب ويعي جيدا احتياجات كل العاملين بهذه المؤسسة لأنه تدرج في أسلاكها وما يزال قريبا من كل مواردها وينصت لإكراهاتهم. وهذه من نقاط قوته التي تعطيه قبولا وسط العاملين الذين يحسون بأنه منهم.
هذه مناسبة أخرى لتسليط بعض الضوء على التحول الكبير الذي تشهده هذه المؤسسة وعلى الاهتمام بالبعد الاجتماعي لنسائها ورجالها وذويهم، ومن ذلك تيسير أداء فريضة الحج والمنح التحفيزية للأبناء المتفوقين والاستفادة من المخيمات وتيسير سبل الحصول على السكن بأثمان وقروض تفضيلية وعقد شراكات واتفاقيات تعاون مع مؤسسات بهذا الخصوص، ونفس الأمر بالنسبة للخدمات الصحية.
ليس المقام هنا يتسع لجرد حصيلة الأعمال الاجتماعية كلها، ولكن الهدف هو الإشارة إلى تكامل أبعاد التغيير الذي يقوده حموشي وسط المؤسسة الأمنية لتنزيل الأولويات الملكية التي تركز على تجويد خدمات المرفق الأمني وتأهيل عنصره البشري وتهييء الأجواء المهنية والاجتماعية ليقوم بمهامه في الحفاظ على النظام العام وتأمين استقرار البلد وراحة المغاربة.
قوة عبد اللطيف حموشي تتجلى في قدرته على فتح كل هذه الأوراش بشكل متزامن ومتناغم مع السياسة العامة للدولة وبطريقة متوازنة وبما يضمن جودة الخدمة وعقلنة كلفتها واطمئنان الموارد البشرية ورضى المغاربة. في مدة قصيرة يشهد الكل بالتغيير الإيجابي في هذه المؤسسة وبالتحول في عقليات وطرق اشتغال نساء ورجال هذه المؤسسة، ولذلك فليس مستغربا هذا الرضى الشعبي عن هذه المؤسسة، وهو نجاح للمغرب كله قبل أن يكون نجاحا خالصا لهذه المؤسسة.
أثار حوار نتنياهو مع قناة LCI الفرنسية يوم الخميس 30 ماي 2024 حفيظة المغاربة وحق لهم ذلك، قام نتنياهو برفع خريطة شمال افريقيا والشرق الأوسط MENA في سياق الدعاية الممجوجة والتي لم يعد له غيرها لاستجداء تعاطف الشعوب الغربية التي تندد في العالم كله بمختلف فئاتها بجرائم إسرائيل ضد الفلسطينيين. كان نتنياهو حريصا على تصوير إسرائيل دولة صغيرة محاطة بعالم عربي وعدو إيراني لون خريطته بالأسود.
ما كان مثيرا في الخريطة التي رفعها نتنياهو أمام الشاشة هو التراب المغربي الذي بدا مبتورا من صحرائه، بل إنه كان حريصا على تلوين الصحراء المغربية باللون الأبيض لتبدو جزءا من القارة السمراء ومعنى ذلك أن نتنياهو يفصل الصحراء المغربية ليس فقط عن المغرب بل عن العالم العربي كله، وفي هذا إشارة ضمنية على نوايا غير بريئة وهواجس تسكن نتنياهو الذي يوجد منذ شهور في وضعية غير طبيعية.
قد يلتمس البعض العذر لنتنياهو لأنه في قلب معركة شخصية مصيرية شعارها “أكون أو لا أكون” وخاصة في ظل الإخفاق التام في تحقيق الأهداف التي أعلنها من الحرب التي يخوضها منذ شهور بدون نتيجة بل إنه يحصد فيها الهزيمة تلو الهزيمة، وفي ظل حالة العزلة التي يعيشها شخصيا ووضع فيها إسرائيل كذلك، وفي ظل تزايد تخوفه من احتمال تفكك ائتلافه الحكومي الهش، وفي ظل حالة الاعتراض التي تتعرض لها سياساته من طرف البيت الأبيض، وفي ظل حالة الضعف التي صار عليها تجاه حلفائه من التيار الديني المتشدد الرافض لأي خيار غير استمرار الحرب، وفي ظل تزايد الاحتجاجات الشعبية التي تلقاها سياساته من طرف الشارع الإسرائيلي بعد فشله طيلة هذه الشهور في إقناع الإسرائيليين بجدوى عناده.
ما يهم المغرب في كل هذا هو أن نتنياهو للمرة الثانية يقوم بمثل هذه السلوكات الاستفزازية وغير المحسوبة ضد المغرب، فقد سبق له في أكتوبر الماضي أن ظهر في مكتبه وهو يستقبل رئيسة الحكومة الإيطالية جورجا ميلوني، ووراءه خريطة تبتر الصحراء المغربية من التراب المغربي، وحينها خرجت أصوات رسمية إسرائيلية تؤكد أن الأمر مجرد خطأ غير مقصود وأن هذا التصرف لا يعتد به لأن موقف إسرائيل الرسمي عبرت عنه في يوليوز الماضي من خلال الرسالة التي توصل بها الملك محمد السادس من الوزير الأول لإسرائيل بنيامين نتنياهو مخبرا بشكل إرادي بقرار إسرائيل الاعتراف بسيادة المغرب على أراضي الصحراء المغربية، مؤكدا أن موقف تل أبيب هذا سيتجسد في كافة أعمال ووثائق الحكومة الإسرائيلية ذات الصلة وبأنه سيبلغ الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية والدولية التي تعتبر إسرائيل عضوا فيها، وكذا جميع البلدان التي تربطها بإسرائيل علاقات دبلوماسية، كما أكد في الرسالة نفسها بأن إسرائيل تدرس إيجابيا فتح قنصلية لها بمدينة الداخلة، وذلك في إطار تكريس قرار الدولة هذا.
ما الذي حدث إذن حتى يكرر نتنياهو أخطاءه؟ ما المطلوب من المغرب على ضوء هذا المستجد؟
مباشرة بعد حوار نتنياهو سارع المتحدث باسم وزارة الخارجية الإسرائيلية للإعلام العربي، حسن كعبية، بنشر تغريدة على صفحته بمنصة إكس قائلا: “بسبب خطأ غير مقصود تم إثارة ضجة إعلامية كبيرة بخصوص خارطة استعملها السيد بنيامين نتنياهو تظهر فيها خارطة المغرب مبتورة عن صحرائها.. لهذا اقدم توضيح لجلالة الملك محمد السادس نصره الله وشعبه العزيز وحكومته الموقرة قائلا: “المغرب في صحرائه إلى أن يرث الله الأرض وما عليها‘.. كما أننا نعتذر عن هذا الخطأ التقني.. إسرائيل والمغرب خاوه خاوه ولن نتراجع عن اعترافنا التاريخي بمغربية الصحراء”..
من يعرف الساسة الإسرائيليين يعي جيدا أسلوب الابتزاز و”رد الصرف” الذي اعتادوه مع العديد من الدول، وهم بلجوئهم إلى هذا الأسلوب ضد المغرب ليسوا بدعا من غيرهم من الدول التي تسارع إلى استفزاز المغرب بنشر خريطة الدولة مبتورة من صحرائها ظنا منهم جميعا أن هذا السلوك قد يضعف المغرب أو يجعله قابلا للابتزاز.
لقد جربت أكثر من دولة هذا الأسلوب ونتائجُه تكون دائما في غير صالح من يستعمله، بينما المغرب يتعامل بهدوء وبدون ردود أفعال انفعالية على مثل هذه التصرفات لأنه يتصرف من موقع الدولة الواثقة من نفسها والمتأكدة مما تملكه من وسائل الرد في الوقت المناسب والشكل المناسب، ولذلك فإن المغرب على هذا المستوى سيتصرف مع سلوك نتنياهو بنفس المنطق الذي يتصرف به مع غيره من الدول التي تخطئ في حقه نفس الخطأ. لم يسبق للمغرب أن قطع علاقاته مع دولة بسبب نشرها لخريطة ترابه مبتورة، ولكنه بالموازاة مع ذلك يستعمل حقه في الرد وفق ما يراه متناسبا مع حجم الحدث.
هذا ما يجب أن يتذكره كل من غاظه تصرف نتنياهو الأرعن، ويستحضر أن التعامل يجب أن يكون وفق الرؤية المغربية بدون انفعال، وفي الوقت نفسه باستحضار خطاب جلالة الملك بمناسبة الذكرى التاسعة والستين لثورة الملك والشعب الذي قال فيه بأن ملف الصحراء هو النظارة التي ينظر بها المغرب إلى العالم.
الأمر الأهم مما سبق لأن كل ما قيل حول الرد المغربي على كل استفزاز معروف وقد عودنا المغرب أنه لا يتسامح بشأن وحدته الترابية. الأمر الأهم هو السبب الذي دفع نتنياهو إلى هذا التصرف والمغامرة بعلاقاته مع المغرب ودفع إسرائيل إلى هذا التهور.
لم يعد يخفى على أحد أن نتنياهو واقع منذ شهور في حالة خلط غريبة بين ما هو شخصي وعمومي ولا يميز بين المصلحة العامة وبين مستقبله السياسي والشخصي لأنه يرى في خروجه من الحكومة نهاية سياسية له وبداية لمحاكمات جنائية حول قضايا مجمدة حاليا في المحاكم بحكم موقعه الحكومي.
ولا يخفى على أحد أن نتنياهو كان يتصور بأن التطبيع مع الدول العربية ضوء أخضر له للعبث بالفلسطينيين وانتهاك حرماتهم وحتى إبادتهم، ولكنه فوجئ بالمغرب ومواقفه من جرائمه منذ السابع من أكتوبر والتي كانت كلها اصطفاف مع الشعب الفلسطيني.
لا يهضم نتنياهو حتى الآن كيف أن المغرب أغلق مكتب الاتصال وكيف لم يحوله مباشرة بعد توقيع الاتفاق الثلاثي إلى سفارة. هذه غصة في حلق نتنياهو يكتمها في نفسه ولا يبديها لأنها تفوت عليه نصرا انتخابيا كان دائما في أشد الحاجة إليه.
لا ينسى نتنياهو بأن المغرب من الدول القليلة في العالم التي تشهد مسيرات ووقفات شعبية تضامنا مع الشعب الفلسطيني وهو كان يظن بأن مجرد التطبيع مع إسرائيل يلزم الدولة المغربية بقمع ومنع المغاربة من التعبير عن رأيهم وتضامنهم مع الفلسطينيين كما هو شأن كل دول العالم وشعوبها. وصلت الرسالة إلى نتنياهو مبكرا بأن هذا المغرب خطا خطوات في الديمقراطية والحرية ولا يمنع كل أشكال التعبير إلا وفق القانون. للأسف، سيكون من البلادة عدم استيعاب هذا الأمر بالنسبة لمن ينظر لنصف الصورة فقط ولمن يتعمد النكاية في مواقف المغرب انتصارا لاصطفاف إيديولوجي وحقد على الدولة المغربية دون بذل مجهود لفهم تصرف نتنياهو في سياقه الحقيقي. لو كان أمثال هؤلاء يراعون مصلحة المغرب لوجهوا سهامهم إلى نتنياهو ونوهوا بمواقف المغرب واكتشفوا خطأ كل تقديراتهم التي ظنوا فيها أن المغرب وقع شيكا على بياض لإسرائيل، وها هم يكتشفون اليوم العكس تماما.
إن اتضح كل ما سبق فلن نتفاجأ من تصرف نتنياهو، بل سنفهم أبعاده ودوافعه. هو تصرف بمنطق المعزول سياسيا والخائف على مستقبله وإقدامه على هذا السلوك الأرعن محاولة لجر المغرب لإنقاذه من عزلته.
نلتقي في بوح قادم.
