نخبة توزيع المنافع
في غير ما خطاب سياسي واحد ظل العاهل المغربي يوجه انتقادات لاذعة للطبقة السياسية بالمغرب، ومنذ اعتلائه العرش، كان لا يزال هناك بصيص أمل معقود في النخبة السياسية.. مع تباشير العهد الجديد، انطلق الملك الشاب يجوب المغرب من أقصى أقاصيه إلى أبعد منطقة من أطرافه، ويطلق ما كان يسمى بالإشارات الإيجابية هنا وهناك، للتعبير على أن مغربا آخر يجب أن يولد من قلب المغرب القديم.
لم يقم بأي تدخل عن قرب في المشهد السياسي خارج ما ينص عليه دستور 1996 وبعدها دستور 2011، كما كانت العادة مثلا في تعيين رئيسي مجلس النواب والمستشارين، ولم يتم التدخل من الأعلى في فرض هذا الأمين العام أو ذاك، وتم احترام مجال التدافع التنظيمي الداخلي وما تفرزه الانتخابات أو التوافقات الداخلية، كان ذلك ضمن استراتيجية تسعى إلى أن يتعلم الكل كيفية فسح المجال أمام الديمقراطية وأمام تنافس الكفاءات داخل جميع التنظيمات الحزبية والنقابية والجمعوية.. في محاولة إجراء تدريب ديمقراطي داخلي.
وظل جلالة الملك في كل خطاب يوجه النخبة السياسية إلى ضرورة تطوير وسائل أدائها في الحقل السياسي ويطرح التحديات التي تواجه المغرب، وما يفترض أن تقوم به الطبقة السياسية في إطار الأدوار المنصوص عليها في الدستور.
لكن، لا مجيب، غرقت الأحزاب السياسية في حسابات تنظيمية ضيقة، وظل معظمها يختبئ وراء الملك في اللحظات الصعبة، وفي لحظات الرخاء يتسابقون لاقتسام الإنجازات معه، صغر اللعب السياسي، وفرغت الأحزاب من الأطر، وفقد المواطنون ثقتهم في الطبقة السياسية، وأصبحوا يتوجهون مباشرة إلى ملك البلاد.
ضعفت الوسائط، ولم تعد الأحزاب مجالا للاستقطاب السياسي وأداة لتأطير المواطنين، بل مركزا لتوزيع المغانم واقتسام المنافع بين قياداتها، ولم تكن معنية بالتحولات الكبرى التي عرفها المغرب ولا بالمخططات الاستراتيجية التي تسير في أفقها الدولة، لذلك يبدو خطابها غير مقنع ومتأخر عن تطور الواقع ذاته، ولا يصدر عنها في الصحف سوى الصراعات الداخلية وأشكال السباب والشتم بين زعمائها…
ذهب الملك بعيدا في كل المجالات الاقتصادية والسياسية والدبلوماسية والاجتماعية… لأنه كان يرسم وجها آخر للمملكة وفق التحديات الكبرى المطروحة على المغرب، ولاحس سياسي يقظ التقط الإشارة، ليكون هناك صوت ورجع صدى على الأقل، أخذ البلد يسير بسرعتين متفاوتتين، سرعة الإنجازات الكبرى والمشاريع الضخمة ووضع خارطة طريق لما سيصبح عليه المغرب بعد عقد أو عقدين ليستطيع الصمود في وجه التحديات الدولية والإقليمية التي تطرح على البلد يقودها بحكمة كبيرة الملك، فيما تفرغت الأحزاب السياسية إلى اقتسام مناطق النفوذ التنظيمي وتوجيه أموال دعم الدولة لجيوب الأبناء والأصدقاء والنافذين داخل الحزب، ولشراء الولاءات والأتباع، «ولهلا يشقلب» بمصير أمة تريد أن تسير بغير السرعة التقليدية.
إننا لا نرسم أي صورة سوداء للمشهد الحزبي بالمغرب، بقدر ما نرصد الحقائق، والدليل أن أغلب ملفات الفساد الرائجة في المحاكم، أبطالها هم قادة حزبيون كبار، أصابت ما تبقى من مصداقية الأحزاب في مقتل، لكن مع ذلك، لا نقطع الأمل، لا زالت بعض الأحزاب مليئة بالأطر والكفاءات التي يمكن إذا ما سمح بتداولها على السلطة داخل أحزابنا، أن تقدم الكثير، لأنها نقية الذمة ولها غيرة وطنية، ولا زال هناك أمل في أن يتم تطهير الأحزاب من رؤوس الفساد حتى لا تتعفن أكثر، ليس فقط عبر القضاء بل من خلال مواثيق الأخلاق التنظيمية الداخلية التي تجعل من الأحزاب أداة للتأطير ويسمح انفتاحها على المجتمع باستقطاب خيرة الشباب والنساء، بدل «سماسرة «الانتخابات والباحثين عن التزكية وقناصي الفرص الذين جعلوا من مناصب المسؤولية ريعا لهم ولعائلاتهم فأفسدوا البلاد والعباد، وربنا لا تقطع رجاءنا في «بونظيف» الحزبي.
