الداكي : حقوق الإنسان أصبحت ركيزة للسياسات العمومية ومحددا رئيسيا
الداكي : حقوق الإنسان أصبحت ركيزة للسياسات العمومية ومحددا رئيسيا للاختيارات الاستراتيجية
افتتح مولاي الحسن الداكي الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض رئيس النيابة العامة، أشغال هذه الدورة التكوينية التي تنظمها رئاسة النيابة العامة احتفالا بالذكرى الخامسة والسبعين للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وذلك بشراكة مع المندوبية الوزارية المكلفة بحقوق الإنسان، وبمساهمة مركز جنيف لحوكمة قطاع الأمن، حول موضوع “البلاغات الفردية بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب”.
وتعد هذه الدورة التكوينية الثانية ضمن برنامج عرف تنظيم دورة أولى بمدينة الرباط يومي 18 و19 دجنبر 2023، والتي استفاد منها حوالي 80 مشاركا ومشاركة يمثلون مختلف الفاعلين المعنيين بالموضوع ولا سيما قضاة النيابة العامة وقضاة الحكم وممثلو الشرطة القضائية والمندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج والمندوبية الوزارية المكلفة بحقوق الإنسان، فضلا عن ممثلي مؤسسات وطنية أخرى، وزارة العدل، وزارة الداخلية والمجلس الوطني لحقوق الإنسان.
ويندرج تنظيم هذه الدورة التكوينية حسب كلمة الداكي، ضمن المجهودات التي تبذلها رئاسة النيابة العامة في مجال مواكبة انخراط المملكة المغربية في المنظومة الدولية لحقوق الإنسان بشكل عام، ومتابعة تفاعلها مع آليات الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان بشكل خاص، وكل ذلك بهدف تعزيز إعمال المعايير الدولية لحقوق الإنسان المنبثقة عن الاتفاقيات الأساسية التسع التي صادقت عليها بلادنا والتزمت بإعمال مقتضياتها.
وتعتبر الاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة المعتمدة من طرف الأمم المتحدة سنة 1984، والتي وقعت عليها المملكة المغربية دون تردد سنة 1986 وصادقت عليها سنة 1993، من بين أهم تلك الاتفاقيات، حيث لم تكتف بلادنا بذلك، بل قررت الانضمام إلى البرتوكول الاختياري الملحق بها سنة 2014 والذي يسمح للجنة الفرعية لمناهضة التعذيب المنشأة بموجبه القيام بزيارات للبلدان التي تعتبر طرفا فيه كما ينص على إحداث آلية وطنية للوقاية من التعذيب.
وتفعيلا لمقتضيات هذا البرتوكول حرصت بلادنا على إنشاء الآلية الوطنية للوقاية من التعذيب من خلال تكليف المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان بالقيام بزيارة جميع أماكن الحرمان من الحرية ببلادنا، ولذلك حظي موضوع حماية حقوق الإنسان بأهمية بالغة في اهتمامات وأولويات رئاسة النيابة العامة منذ إحداثها، مما انعكس في العديد من المبادرات والبرامج التي اعتمدتها والتي من بينها على سبيل الذكر لا الحصر برنامج تعزيز قدرات القضاة في مجال حقوق الإنسان الذي شرعت في تنفيذه في شهر دجنبر 2020.
ويستهدف هذا البرنامج، تقوية المعرفة بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان قصد تعزيز الالتزام بإعمالها على المستوى الوطني، وبآليات حمايتها على مستوى منظومة الأمم المتحدة وكيفية التفاعل معها ولاسيما هيئات المعاهدات والتي من بينها لجنة مناهضة التعذيب التي ترتبط بموضوع لقاء اليوم.
ولا بأس من التذكير، حسب الداكي، بأنه استفاد من هذا البرنامج في مختلف مكوناته ومراحله، إلى حدود اليوم، أكثر من 1000 مشاركة ومشارك منهم أكثر من 900 قاض وقاضية من قضاة الحكم وقضاة النيابة العامة بالإضافة إلى مسؤولين قضائيين بمختلف الدوائر القضائية بالمملكة، وكذا 123 مستفيداً من أطر ومسؤولي رئاسة النيابة العامة والمجلس الأعلى للسلطة القضائية، فضلاً عن 108 مستفيدات ومستفيدين يمثلون مؤسسات وطنية أخرى من بينها المجلس الوطني لحقوق الإنسان والمديرية العامة للأمن الوطني وقيادة الدرك الملكي والمندوبية العامة لإدارة السجون.
وأضاف، الداكي، “كما سبق لي أن ذكرت بذلك في الدورة التكوينية السابقة، فقد واكبت المملكة انخراطها في اتفاقية مناهضة التعذيب بالعديد من الإصلاحات للوفاء بالتزاماتها المترتبة عنها ولاسيما على مستوى قوانينها الوطنية التي شهدت إصلاحات مستمرة استهدفت إدماج أحكام هذه الاتفاقية في مقتضياتها، ويعتبر دستور سنة 2011 أهمها وذلك من خلال تنصيصه على جعل الاتفاقيات الدولية كما صادق عليها المغرب وفي نطاق أحكام الدستور، وقوانين المملكة، وهويتها الوطنية الراسخة تسمو فور نشرها على التشريعات الوطنية، كما نص على العمل على ملاءمة هذه التشريعات مع ما تتطلبه تلك المصادقة. ولذلك خصص ذات الدستور بابا كاملا للحقوق والحريات الأساسية وهو الباب الثاني والذي نكتفي في هذا المقام بذكر الفصلين 22 و23 منه، حيث ينص الفصل 22 منه على الحظر المطلق للتعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة، وتجريم المساس بسلامة الأشخاص تحت أي ظرف كان، ومن طرف أي جهة كانت خاصة أو عامة، بينما كرس الفصل 23 العديد من الضمانات القانونية والقضائية، إذ نص على شرعية الاعتقال والمتابعة، ومنع الاعتقال التعسفي أو السري والاختفاء القسري، وتمكين الأشخاص المتابعين من ضمانات المحاكمة العادلة من خلال ضمان قرينة البراءة وإشعارهم بكافة الحقوق التي يكفلها لهم القانون بما في ذلك الحق في معرفة دواعي اعتقالهم وحقهم في التزام الصمت وفي الاستفادة من المساعدة القانونية والاتصال بأقاربهم”.
وفضلا عن هذه الضمانات التي أحاط بها قانون المسطرة الجنائية مسطرة التقاضي، وضع هذا القانون جميع أعمال الشرطة القضائية تحت رقابة القضاء وأرسى آليات فعالة للوقاية من التعذيب والتحقيق بشأن الادعاءات المتعلقة به سواء أمام قضاء النيابة العامة أو قضاء الحكم.
وشدد المصدر ذاته، على أنه منذ اعتماد دستور 2011 الذي تميز بتعزيز ضمانات حماية حقوق الإنسان، ما فتئ صاحب الجلالة الملك محمد السادس حفظه الله يحرص على مواكبة كافة الأوراش المتعلقة بتنزيل مقتضياته من خلال توجيهاته السامية، ومن ضمن أوجه ذلك ما جاء في الرسالة الملكية السامية الموجهة إلى المشاركين في المناظرة الدولية بمناسبة الاحتفاء بالذكرى 75 للإعلان العالمي لحقوق الإنسان بتاريخ 7 دجنبر 2023: “في ظل هذه التحديات، اختار المغرب أن يسلك مسارا حقوقيا خاصا به، عرف –وما يزال- تطورا ملحوظا، بصم التجارب الدولية في هذا المجال”.
ووفق كلمة الداكي، “فالتزام المملكة المغربية بالنهوض بحقوق الإنسان على المستوى الوطني، لم يتوقف عند تكريسها الدستوري فحسب، بل أصبح ركيزة للسياسات العمومية، ومحددا رئيسيا للاختيارات الاستراتيجية، بما فيها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، كما أن تشبثنا الراسخ بالدفاع عن هذه الحقوق وتكريسها، لا يعادله إلا حرصنا الوطيد على مواصلة ترسيخ وتجويد دولة الحق والقانون وتقوية المؤسسات، باعتباره خياراً إرادياً وسيادياً، وتعزيز رصيد هذه المكتسبات بموازاة مع التفاعل المتواصل والإيجابي مع القضايا الحقوقية المستجدة، سواء على المستوى الوطني أو ضمن المنظومة الأممية لحقوق الإنسان.” انتهى النطق الملكي.
وحسب المصدر ذاته، ووعيا من رئاسة النيابة العامة بأن تعزيز ضمانات حماية حقوق الإنسان في الدستور المغربي وكذا تقوية انخراط المملكة المغربية في المنظومة الدولية لحقوق الإنسان أديا إلى تعاظم مسؤولية كل الأطراف المعنية بمنع التعذيب، فقد انخرطت منذ سنوات في المجهودات الوطنية الرامية إلى الوقاية من التعذيب ومناهضته من خلال اعتماد العديد من التدابير والمبادرات نذكر من بينها،
اعتبار موضوع الالتزام بوضع مناهضة التعذيب ضمن أولويات السياسة الجنائية منذ أول منشور لرئيس النيابة العامة والذي تلته دوريات أخرى في نفس الاتجاه مما انعكس على التقارير السنوية لرئاسة النيابة العامة التي اعتمدت محورا خاصا بالمعالجة القضائية لقضايا التعذيب، وتوجيه رئيس النيابة العامة دورية إلى المسؤولين القضائيين عن النيابات العامة بتاريخ 16 أكتوبر 2019 يحثهم على التفاعل الإيجابي مع الآلية الوطنية للوقاية من التعذيب المحدثة لدى المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان بموجب البروتوكول الاختياري الملحق باتفاقية مناهضة التعذيب، بالإضافة إلى حرص النيابة العامة على التنفيذ الصارم للمقتضيات القانونية المتعلقة بمكافحة التعذيب والوقاية منه، من خلال القيام بزيارات تفقدية لأماكن الحرمان من الحرية، والتثبت من تطبيق المقتضيات القانونية المتعلقة بالفحص الطبي للأشخاص المقدمين إليها بعد الحراسة النظرية، تلقائيا أو بناء على طلب، والبت في جميع الشكايات المتعلقة بالتعذيب المعروضة عليها، تفعيلا لمقتضيات المادة 12 من اتفاقية مناهضة التعذيب.
وحسب الداكي، فإعداد ونشر دليل استرشادي في مجال مناهضة التعذيب وغيره من أشكال سوء المعاملة موجه لقضاة النيابة العامة وعموم قضاة المملكة ولمختلف الفاعلين في مجال العدالة، يهدف إلى التعريف بالمعايير والآليات الدولية المتعلقة بمنع التعذيب، والإجراءات المتبعة للبحث في ادعاءات التعذيب.
هذا فضلا عن حرص رئاسة النيابة العامة على توجيه العديد من الدوريات والمناشير إلى النيابات العامة في العديد من القضايا والمواضيع ذات الصلة بتعزيز حماية حقوق الإنسان من بينها، على سبيل الذكر لا الحصر، دورية حول زيارة مؤسسات معالجة الأمراض العقلية بتاريخ 14 ماي 2018، ودورية حول حماية ضحايا الاتجار بالبشر بتاريخ 3 يوليو 2018، ودورية حول تعيين قضاة للنيابة العامة متخصصين في مجال قضايا حقوق الإنسان بتاريخ 25 يونيو 2020، بالإضافة إلى
مناشير ودوريات حول محاربة العنف ضد النساء كان آخرها بتاريخ 4 غشت 2022،
وأشار الداكي كذلك، إلى مجموعة من الدوريات حول زيارة مراكز إيداع المحروسين نظريا والمحتفظ بهم كان آخرها بتاريخ 16 فبراير 2023، ودورية حول تغذية المدروسين نظريا بتاريخ 16 فبراير 2023، كما، أن دورية حول التصدي للاستغلال الجنسي للأطفال عبر الأنترنت بتاريخ 14 أبريل 2023، مع
مجموعة من الدوريات حول ترشيد الاعتقال الاحتياطي كان آخرها دورية بتاريخ 1 يونيو 2023.
وصرح الداكي، على أن تنظيم هذه الدورة التكوينية الثانية في إطار مواصلة تنفيذ برنامج تعزيز قدرات القضاة في مجال حقوق الإنسان من أجل مواكبة قبول المملكة المغربية لولاية لجنة مناهضة التعذيب المتعلقة بتلقي الشكايات الفردية والنظر فيها بموجب المادة 22 من الاتفاقية.
ونستهدف بواسطتها التعريف بمكانة البلاغات الفردية في نظام هيئات المعاهدات، ولا سيما في عمل لجنة مناهضة التعذيب، وعلى طبيعة التزامات الدول الأطراف بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب، والمعايير الدولية حول كيفية إجراء التحقيقات القانونية والطبية الفعالة في مزاعم التعذيب أو سوء المعاملة أو ما يسمى اختصارا بروتوكول إسطنبول، ودراسة أساليب وطرق عمل لجنة مناهضة التعذيب بمناسبة البت في البلاغات المعروضة عليها، وذلك من خلال ورشات عمل تهدف إلى عرض ومناقشة حالات ونماذج سبق البت فيها من طرف اللجنة المذكورة.
وتجدر الإشارة إلى أن أشغال هذه الدورة التكوينية التي ستمتد على مدار يومين، سيتم تأطيرها من طرف عضوين بلجنة مناهضة التعذيب وهما: بختيار توزموخميدوف و عبدالرزاق روان و محمد علوش الخبير بمركز جنيف لحوكمة قطاع الأمن والذين أود أن أتقدم لهم بجزيل الشكر على تلبية دعوتنا للمشاركة في هذه الدورة التكوينية، والتي سيستفيد منها حوالي 80 مشاركا من بين قضاة النيابة العامة وقضاة الحكم وقضاة التحقيق وضباط الشرطة القضائية، فضلا عن مسؤولين وأطر برئاسة النيابة العامة وممثلين عن المندوبية الوزارية المكلفة بحقوق الإنسان والمندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج.
وختم الداكي حديثه، بتقديم جزيل الشكر إلى الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية والمندوبية الوزارية المكلفة بحقوق الإنسان لتعاونهما الدؤوب مع كافة المبادرات التي تقوم بها رئاسة النيابة العامة، ولكل من ساهم في إعداد وتنظيم هذا اللقاء.
المصدر: شوف تي في
