الوثيقة السياسية للعدل والإحسان رحلة التيه التي لم تنته لغة الغموض…
الوثيقة السياسية للعدل والإحسان رحلة التيه التي لم تنته لغة الغموض والعبارات الملغومة حول النظام السياسي والحريات، حموشي ضيف استثنائي في لقاء الرياض، الديبلوماسية الأمنية تعزز المكتسبات الوطنية وأشياء أخرى…
يبدو أن رحلة التيه التي تعيشها العدل والإحسان لا نهاية لها، كما أن الدوامة التي دخلتها منذ أن أخرجت حصيصها للشارع في ما سمي بالربيع العربي تدور في الفراغ. محاولات عدلاوة للخروج من ورطتهم تكررت وفي كل مرة تأتي الرياح بما لا تشتهيه سفن سدنة المعبد فتزداد الجماعة غرقا. الانتظار أعيا شباب الجماعة دون أن تستطيع القيادة “التاريخية” تحقيق اختراق وسط باقي المكونات أو صيغة لتأمين شروط عمل سياسي وهم الذين ألفوا النضال في الجامعات والشوارع والبر والبحر، وبالمقابل، لم يجدوا مجالات ومنافذ للعمل داخل التنظيم الحديدي المحروس بعناية من طرف تيار “النصيحة”.
آخر المحاولات اليائسة هي ما شهدناه وسط هذا الأسبوع بإقدام جزء من الجماعة، أؤكد على جزء وسيتضح السبب في السطور التالية، على تنظيم لقاء لتقديم ما سمته “وثيقة” سياسية هجينة لا هي ارتقت من حيث العمق لتكون مرجعا إيديولوجيا ولا هي اكتست صبغة تفصيلية لتكون برنامجا، وهنا تكمن المشكلة الكبرى لهذه الجماعة التي تريد أن تنفصل تعسفا عن الإسلام السياسي المشرقي بتكرار الادعاء أنها مغربية الأصل والمنشأ، ولم تحسم بعد طبيعتها ووظيفتها وهويتها لأنها تحرص على أن تكون فوق الحزب وتخلط الدعوة بالسياسة بالتصوف بالتشيع. من المنطلق إذن يتضح أن الوثيقة خليط غير متجانس لجماعة تريد الاشتغال بنفس الغطاء في مجالات لا رابط بينها، ولذلك لا يخطئ من يصف هذه الجماعة بأنها تريد أن تكون دولة وسط الدولة.
معرفة الجهة التي أصدرت الوثيقة مفيد جدا. حاول مقدمو الوثيقة في أكثر من مناسبة في اللقاء التأكيد على أن وثيقتهم تمثل الجماعة وتعكس رؤية كل الجماعة، ولكن الواقع يكذب هذا الكلام؟ كيف لوثيقة باسم الجماعة تصدر وتنظم حولها ندوة صحفية لتقديمها وتم الإعداد لها بمدة طويلة ويتغيب عن الحضور أصحاب الأمر والنهي وأهل الحل والعقد في الجماعة؟ كيف تقدم الوثيقة في غياب الأمين العام عبادي ورئيس مجلس الشورى العلمي وصهر المرشد الشيباني والتيار الحديدي من أمثل الركراكي وبارشي وغيرهما كثير؟ كيف تقدم الوثيقة باسم الجماعة في غياب لكل القيادات التاريخية للجماعة باستثناء تيار الدائرة السياسية المكلف بتجميل وجه الجماعة عند اليسار وغيرهم وكذلك بامتصاص غضب الشباب الذي لم يعد يطيق الانتظار في الظل؟
يقطن أمين عام الجماعة على بعد كيلومترات من مكان تنظيم الندوة ولم يكلف نفسه عناء الحضور ولم يقدم الموجودون في منصة التقديم أي تبرير عن سبب الغياب، والأمر نفسه ينطبق على غيره من القيادات. هذه هي الحقيقة التي صار يدركها الكثير من الفرقاء السياسيين وتجعلهم يتعاملون بحذر مع خطاب الجماعة المليء بالفخاخ والألغام المنصوبة والذي لا ينطلي إلا على من يبحث عن مصلحة خاصة أو هدفه الاحتماء بجمهور الجماعة من القانون كما هو حال بعض عناصر الطابور الخامس المتماهين مع عدلاوة رغم التناقض الرئيسي بين الطرفين. مطلوب من الجماعة الصراحة تجاه المغاربة إن كانت ترى نفسها مغربية وإطلاع الرأي العام على حقيقة ما يعتمل داخلها من صراعات وأسبابها والتيارات وسطها ومعيار التصنيف الذي يتحكم في تياراتها، والصمت عن غياب غالبية القيادة غير مبرر ويعني أن الوثيقة صادرة عن جزء من الجماعة وليس كل الجماعة. هل يمكن لعدلاوة الاستدراك بتكليف عبادي وغيره من التيار الراديكالي تبني الوثيقة بوضوح والبصم على كل ما جاء فيها؟ الأيام بيننا.
معرفة سياق الوثيقة كذلك مهم جدا لفهم محتواها، وقد بذل مقدموها مجهودا لإقناع الحاضرين بسياقات مفصلة على مقاس الجماعة وبما يوقع الغير في الفخ. الخبير بشؤون العدل والإحسان لا تغيب عنه الجذور الشيعية التي انبنت عليها والتي تجعلها تلجأ إلى التقية، وقد كان عبد السلام ياسين معجبا بالثورة الإيرانية حد الجنون ومنها استلهم نموذجه في القومة ولم يتراجع عن هذا التبني طيلة حياته ولم يتراجع أتباعه عن ذلك بعد موته. الغائب فيما أعلنته القيادة العدلاوية في أسباب وسياق إعلان الوثيقة في هذا التوقيت هو اقتراب تاريخ 20 فبراير وهي الذكرى التي تحن إليها الجماعة وترغب في إحياء ما تمنته ربيعا عربيا فإذا به تحول إلى خريف مدمر للحرث والنسل ووحدة الأوطان.
رغبة الجماعة في هذه الوثيقة للاستقواء بالغير كانت واضحة، ولغة الوثيقة كانت أقرب إلى مغازلة اليسار وغيره من القوى الأجنبية. الرغبة واضحة في إعادة استنساخ تجربة 2011 التي حملت الإسلاميين إلى الحكم برضى غربي كما كان الحال مع إخوان مصر وغيرهم.
هذه ملاحظات يلزم استحضارها لفهم أسباب نزول هذه الوثيقة والتي لا علاقة لها بخدمة المغرب والمغاربة لأن هذه الجماعة غارقة في أحلام القومة وأوهام الخلافة ولا تؤمن أصلا بدولة وطنية ومواطنة وديمقراطية وحقوق وحريات.
ظاهر وثيقة الجماعة بحث عن التوافق مع الأغيار ولكنها في الحقيقة كانت مليئة بالمساحات الرمادية والأفكار الضبابية وساد فقراتها الغموض حول قضايا شائكة ما تزال العدل والإحسان منغلقة فيها ومتمسكة بطروحاتها القديمة ومن ذلك ما يتعلق بنظام الحكم والحريات والحقوق. هل يوافق اليسار والحداثيون على هذه العبارة “ضمان احترام التشريعات الخاصة بالأحوال الشخصية لأصحاب الرسالات السماوية “؟
هدف الجماعة الذي أكدته، بشكل مفهوم ولو كان غير منطوق أو مكتوب، في وثيقتها هذه المرة كذلك هو رغبتها في هدم الدولة تحت مسمى القطائع الضرورية والصيغة التأسيسية، وهذا مخطط استعماري يفضح حقيقة الجماعة التي تخدم أجندات أصحاب الفوضى الخلاقة.
تريد العدل والإحسان دولة دينية موازية للدولة المتعارف عليها، وعبرت عن ذلك صراحة في وثيقتها حين طالبت ب”إنشاء إطار مؤسساتي مستقل ينظم شؤون المساجد ويحدد السياسة العامة في المجال الديني”، وهو ما يتناقض مع ما ادعته وهي تتحدث عن اختصاص حصري للحكومة في صناعة السياسات العمومية. وحتى يفهم الأمر كما ينبغي يلزم الرجوع إلى وثيقة الجماعة حول مدونة الأسرة والتي تضمنت فكرة غارقة في التيوقراطية “العلماء الأتقياء الصادقين الذين ينبغي أن تكون لهم الكلمة العليا والحاسمة”. هل نفهم موقف الجماعة إذن باستعمال الناسخ والمنسوخ؟ كيف تبرر الجماعة هذه الازدواجية؟ ألا يعتبر الشأن الديني شأنا عاما؟ هاجس الجماعة الدائم هو إمارة المؤمنين التي يؤرقهم وجودها واعتدالها وانفتاحها والتفاف المغاربة حولها لأنه يسد الطريق على دعواهم وعلى التحكم في شأن يرونه المفتاح للتمكين.
لم تحضر ندية ياسين وغيرها من عائلة عبد السلام ياسين وكأن الجماعة تقطع كل صلة لها بثرات الشيخ المؤسس سياسيا على الأقل والإبقاء عليه في كل ما يرتبط بالإيديولوجيا والتصوف لأنه أصل تجاري/دعوي يدر لها مساهمات من الأعضاء البسطاء ويمنح لسدنة المعبد كاريزما وهمية ويبقي المشيخة في دائرة الجماعة للتسلط على عباد الله تحت مسمى التربية والتزكية وهي في الحقيقة شعوذة وتجارة بالدين. الملاحظ أن ظل عبد السلام ياسين ما يزال جاثما بثقله على أصحاب الوثيقة من التيار الذي يريد التموقع من جديد في قيادة الجماعة.
المغيب في هذه الوثيقة هو جمهور الجماعة الذي يسمع كلاما غير مألوف عنده في مجالس الجماعة التي لا حديث فيها إلا عن القومة والخلافة ودولة القرآن والمنهاج النبوي والزحف. يصاب عضو الجماعة المطلع على الوثيقة بانفصام الشخصية؟ كيف تتسرب هذه المصطلحات إلى قاموس العدل والإحسان مثل الدولة المدنية والعصرية؟ كيف يتم الحديث عن حقوق أقليات وحرياتهم؟ كيف تغيب في الوثيقة الخلافة نهائيا؟
قد تدعي الجماعة أنها تمد اليد للغير من أجل مصلحة الوطن، ولكن الاختبار الحقيقي يكون في الميدان. ما هي المراجعات التي قدمتها الجماعة عما كانت عليه في السابق؟ ما مصير ما كتبه مرشدها عن الأحزاب والديمقراطية والدولة الدينية؟ ألا يحتاج الأمر إلى إعلان مراجعة حقيقية؟
كعادتها، تضع الجماعة دائما مخططا احتياطيا، وقد ألفه المتابعون لشؤونها منذ زمن. إنه ادعاء الاضطهاد والحصار والمظلومية. اختارت الجماعة متعمدة الابتعاد عن مقرها المركزي، وهو مركب سكني كبير يضم فيلات كثيرة في سلا لم تصارح الجماعة الرأي العام بشأنها حول من يملكها ومصدر أموالها ومن يديرها، لتنظم ندوتها في فيلا أحد قيادييها حتى تظهر بمظهر الممنوع والمحاصر. هل جربت الجماعة العمل وتم منعها؟ كان عليها تجنب هذه الأساليب وهي تعلم علم اليقين أن الفيصل في سلوكها هو القانون. لماذا صدرت الوثيقة برقم إيداع قانوني؟ أليس في ذلك إشارة على أنها يتعامل معها بمنطق المساواة مع الجميع تجاه القانون؟ لم يعد تصنع الاضطهاد يجدي نفعا مع المغاربة الذي صاروا يميزون الحقيقة من الزيف.
مشكلة عدلاوة هي نفس مشكلات الشعبويين الذين يريدون ممارسة السياسة بمنطقهم وقوانينهم وليس بمنطق الدولة وقوانينها. مشكلة عدلاوة هي وهم أنهم يمثلون الشعب ومن حقهم الحديث باسمه. مشكلة عدلاوة أنهم يتصورون أنفسهم فوق الدولة. لذلك فسلوكهم مطبوع بالتردد وخطابهم مشوب بالغموض وعلاقاتهم مبنية على التقية. لن تنفع هذه الأساليب مع المغاربة وستبقى الجماعة معزولة عن الشعب ومحتضنة فقط من الطوابرية بسبب التقاء موضوعي أساسه الحقد على الدولة والرغبة في إضعافها.
ستنضاف وثيقة عدلاوة إلى سابقاتها ولن تزيد الجماعة إلا عزلة ونكوصا. ستكتشف الجماعة أن مريديها تائهون ولا يزيدهم مثل هذا الخطاب والمطالب إلا اضطرابا.
لا يستحق عدلاوة ووثيقتهم حتى الذكر ولكن المستهدف من هذا التنوير هم التيار الواسع من المغاربة الذين يحتاجون التوضيح حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود. ونمر إلى ما ينفع الناس وهم حماة البلد الذين يدافعون عن مصالح المغرب والمتهممين بشؤون هذا الوطن.
حل خلال هذا الأسبوع عبد اللطيف حموشي بالسعودية بدعوة من الوزير رئيس جهاز أمن الدولة السعودي، الفريق أول عبد العزيز بن محمد الهويريني، كضيف استثنائي للمشاركة في المؤتمر العالمي للدفاع. الزيارة مناسبة أخرى تؤكد جاذبية التجربة المغربية والثقة التي تحظى بها المؤسسة الأمنية المغربية، وقد كانت مناسبة لعقد لقاءات عمل ثنائية مع كبار المسؤولين في الأجهزة الأمنية السعودية. هذه الدينامية تضع الدبلوماسية الأمنية المغربية في موقع الريادة وطنيا وتجعلها محور اهتمام العديد من الدول. التعاون الأمني بين المغرب والسعودية يحظى باهتمام بالغ، ولذلك فقد كان موضوع اتفاقية تعاون في مجال مكافحة الإرهاب وتمويله السنة الماضية بالرباط، في 24 يناير 2023، وقعها المدير العام لمراقبة التراب الوطني، السيد عبد اللطيف حموشي، والوزير عبد الله بن فهد بن صالح العويس، نائب رئيس أمن الدولة السعودي. وصادق عليها مجلس الوزراء السعودي برئاسة خادم الحرمين الشريفين في ماي الماضي. السعودية شريك أساسي للمغرب، وما يؤكد ذلك قرار الديوان الملكي بحظر استعمال مصطلح “الصحراء الغربية” أو نشر خريطة المملكة المغربية مجزأة في كل المؤسسات والمراكز التعليمية وجميع المصالح الحكومية وكل الوزارات، وهو قرار يعكس حجم التعاون وتطابق الرؤى بين البلدين.
هذه الدينامية التي تساهم بها المؤسسة الأمنية في شخص مديرها العام تعكس الدور الذي صارت تضطلع به لتقوية موقع المغرب وتعزيز مكانته الإقليمية والدولية بحكم النجاح الذي تحققه في محاربة الإرهاب والجريمة مما عزز الثقة فيها وفي طرق اشتغالها ومواردها البشرية. ما يثير الاهتمام في اشتغال المؤسسة الأمنية ببلادنا هو تركيزها في عملها وتجاهلها لكل ما يشوش على حسن أدائها لأنها أدرى بالحدود الضيقة لهذه المشوشات ومطمئنة إلى الثقة التي تحظى بها من طرف كل مؤسسات الدولة ومن الاحتضان الشعبي الذي يسبغه عليها المغاربة.
وعلى ذكر قضيتنا الترابية لا يمكن تفويت السقطة التي وقع فيها المبعوث الأممي دي ميستورا هذا الأسبوع وهو يقوم بتصرف شارد يضعه في موقع الانحياز لمناصري عصابات البوليساريو ويضع الأمم المتحدة ومجلس الأمن والأمين العام في موقع حرج.
إقدام دي ميستورا على زيارة جنوب افريقيا بدعوة من حكومتها وبدون استشارة وإشراك للمغرب وبتجاهل لتحفظاته على الزيارة خطوة في الاتجاه الخاطئ من شأنها تعقيد الملف وإعادته إلى مربع البداية في وقت يعرف فيه النزاع حالة من الوضوح غير مسبوقة بعد تأييد الدول العظمى لمقترح الحكم الذاتي باعتباره حلا سياسيا وواقعيا وعمليا، وفتح دول كثيرة لقنصليات في الصحراء المغربية وانكشاف الحقيقة الإرهابية لعصابات البوليساريو التي تهدد نهارا جهارا بالعودة لحمل السلاح وخرق اتفاق وقف إطلاق النار وتأكد تهرب الجزائر من تحمل مسؤولياتها في هذا النزاع المفتعل ورفضها الحضور في الموائد المستديرة رغم تكرار المطالبات الأممية بذلك.
كل قرارات مجلس الأمن في السنين الأخيرة تؤكد حقيقة واحدة، وهي أن المقترح المغربي للحكم الذاتي واقعي ويشكل صيغة جيدة لتقرير المصير. فماذا استجد حتى يستنجد دي ميستورا بجنوب افريقيا المعروف انحيازها للبوليساريو وعدائها للمقترح المغربي وخوضها على أكثر من واجهة حربا بالوكالة على المغرب لصالح نظام قصر المرادية؟
يعلم جيدا المبعوث الأممي الإطار المحدد لاشتغاله، ويعلم كذلك الأطراف الأربعة المعنية بهذا النزاع والتي يلزم العمل معها وليس ضمنها جنوب افريقيا، ويعلم الدوافع الانتقامية التي تجعل هذه الدولة نشيطة في مواجهة المغرب رغم أنها كانت عضوا غير دائما في مجلس الأمن ولم تقم بأي نشاط لحل هذا النزاع. فما هي أسباب إقحامه لها؟
من السهل استنتاج أن هذه الخطوة عدائية تجاه المغرب، ومن السهل كذلك الرد عليها بإجراءات عملية تجاهه كما كان مع بعض سابقيه في هذه المهمة، والنتيجة مزيد من تعقيد النزاع الذي طال أمده وارتفعت كلفته وتتضرر منه فئات واسعة تعيش رهائن في مخيمات بدون أدنى ظروف العيش الكريم. هل يستوعب دي ميستورا أنه بهذه الخطوة يزيد من معاناة هؤلاء؟
تم تعيين دي ميستورا مبعوثا شخصيا للأمين العام سنة 2021، وقد مرت مدة ليست بالقليلة على تعيينه، وحان الوقت ليقدم جردا لحصيلة عمله، والخشية أن تكون هذه الخطوات محاولات تضليلية لصرف الانتباه عن فشله في تحقيق الشروط الدنيا لنجاحه، ومنها إقناع الجزائر بالعودة إلى الموائد المستديرة كما كان الشأن تنفيذا للقرارات الأممية المتكررة، ومنها وضع حد للانتهاكات التي تقوم بها عصابات البوليساريو لاتفاق وقف إطلاق النار، ومنها التصدي للدور التخريبي الذي تقوم به هذه العصابات مع تجار الممنوعات وعصابات الجريمة والمنظمات الإرهابية. مطلوب من دي ميستورا الاعتراف بفشله وضعفه وعجز مقاربته عن تحقيق ما عين من أجله، كما هو مطلوب من الأمم المتحدة الاستدراك السريع لهذه الزلة وإعادة الأمور إلى نصابها لتجنب وضع عدم الثقة الذي قد يتسبب فيه دي ميستورا كما تسبب فيه أكثر من مبعوث من سابقيه والنتيجة هي إطالة أمد نزاع اتضحت للعالم حقيقته وإضاعة الجهد والوقت وإثقال كاهل الأمم المتحدة بنزاع مصطنع من مخلفات الاستعمار.
حرص المغرب على التعاون مع المبعوث الأممي منطلقه سعي مغربي لإنقاذ رهائن المخيمات وتيسير سبل التحاقهم بوطنهم لينعموا بظروف العيش مثل إخوانهم المغاربة في الصحراء المغربية، وهدفه الدفاع عن الوحدة الترابية. لن يسمح المغرب بالمس بوحدته الترابية أو تمرير ما يضعف موقعه في هذا النزاع أو أن تصبح المؤسسات الأممية ورقة في أيدي أعداء وحدتنا الترابية. لا يمكن لنظام الكابرانات وحلفائهم أن يحققوا عبر الوسيط الأممي ما عجزوا عن تحقيقه بالدبلوماسية الدولية ومن خلال مجلس الأمن وقراراته أو من خلال ما حاولوه من حماقات لجر المنطقة إلى توتر مسلح في أكثر من مناسبة.
السياسات المعادية لجنوب افريقيا تجاه الصحراء المغربية تفتح الباب لمساءلة من تبنوها كداعمة للمقاومة. ألا تستحق هذه السلوكات موقفا صريحا وعلنيا وواضحا منهم؟ ألا تحتل الوحدة الترابية للمغرب أهمية عندهم تستدعي موقفا من نظام هذه الدولة الذي يخوض حربا بالوكالة على المغرب لفائدة نظام الجزائر العاجز عن مقارعة المغرب بالحجة في المنتديات الدولية؟ أين وصل من ادعوا أنهم يقودون مساعي لإقناع جنوب افريقيا بالوحدة الترابية؟ لماذا لا يعلنون أنهم فشلوا في مساعيهم ويوضحوا ما قاموا به من خطوات؟ ألا يستدعي كل ما سبق تنديدا منهم ومن منظماتهم بهذه السلوكات التي تمس بسيادة المغرب؟
حين أعلن جلالة الملك أن قضية الصحراء هي بمثابة النظارات التي يرى بها المغرب العالم وبأنها الميزان الذي يزن به العلاقات مع الغير فإن الرسالة كانت عامة للجميع. ومن يتقاعس في الدفاع عن وحدتنا الترابية وصحرائنا المغربية يعزل نفسه ولذلك لا يلقي باللائمة على الغير حين يتصدى المغاربة بتلقائية لأن قضية الصحراء تجري في دم كل مغربي ولا يتساهل المغاربة بشأنها مع أي كان.
نلتقي في بوح قادم
