بوح الأحد: خطاب ملك يحدد الرهانات الحقيقية المستقبلية للمغرب
شكل كما كان منتظرا خطاب العرش لهذه السنة لحظة مؤسسة لمرحلة قادمة في تاريخ المغرب عنوانها “حي على العمل”. سياق الاحتفال هذه السنة كان مؤشرا على أن الملك سيتخذ من هذه المناسبة فرصة لتغيير السرعة وتسريع الإيقاع والتنبيه للأولويات التي تفرض نفسها علينا جميعا مع تحديد الطريق لربح هذا الرهان وتوزيع المسؤوليات حسب ما ينص عليه الدستور وتقتضيه المتطلبات الموضوعية.
التذكير بأن المغرب دولة/أمة باعتبار أن لهذه الدولة جذور وقيم وروابط وبواعث وحوافز، ولذلك نبه الملك إلى القيم ودورها في صيانة نسيجنا المجتمعي وباعتبارها عاملا حاسما ومحفزا رئيسيا لكسب رهان المستقبل.
الكلمات المفتاح كانت هي الجدية والتسامح والتفاني في العمل والصدق والتفاؤل والانفتاح والاعتزاز بالتقاليد العريقة وبالهوية الوطنية الموحدة. تامغربيت هي الكلمة الجامعة لكل هذه القيم، وهي التي بنت هذا البلد وطبعت مسيرته طيلة قرون وجعلته متميزا عن محيطه رغم المشترك الكبير، وهي ما ينبغي إعادة بعثه من جديد واكتشاف روحه الدافعة للعمل والمحفزة على العطاء والمؤسسة للتنوع والبانية للتسامح. هنا تكمن نقطة قوة الملكية في المغرب لأنها وحدها لها القدرة على التوجيه الاستراتيجي للبوصلة نحو مغرب المستقبل مستحضرة أن القادم لن يخرج عن سيرورة الانتصارات التي يراكمها المغرب في مختلف المجالات.
من حسن الحظ أن المغاربة، شعبا ونخبا، التقطوا هذه الإشارة وفهموا أن القادم يتطلب من الجميع التحلي بهذه القيم، وهو ما نتمنى أن يتحول إلى برنامج عمل وهذا مسؤولية الحكومة والأحزاب أساسا.
ولأن جلالته يعي جيدا قيمة حسن الجوار وأهمية الاتحاد المغاربي فإنه لم يغفله وخصص له ما يستحق من حيز من هذا الخطاب. مرة أخرى يعلن الملك رهانه على الاتحاد المغاربي ويذكر بالحرص على إقامة علاقات وطيدة مع الدول الشقيقة والصديقة، وخاصة دول الجوار، معبرا عن عدم الرضى عن مستوى العلاقات بين البلدين رغم أنها مستقرة لأن جلالته يتطلع إلى أن تكون أفضل مما يمثله هذا التحسن من فوائد للشعبين الشقيقين.
يتجسد الرقي الملكي مرة أخرى في ترفعه عن سفاسف الأمور وعدم السقوط في فخ الاستهداف المجاني للمغرب من قبل النظام الحاكم في الجزائر. حرص الملك على تقوية الأواصر كان سببا لإعادة تذكير الجزائريين، قيادة وشعبا، أن المغرب لن يكون أبدا مصدر أي شر أو سوء لهم وأن فـتح الحدود بين البلدين ضرورة وأولوية. وطبعا يحدث هذا الترفع في ظل مناورات فاشلة من هذا النظام الذي فشلت كل مساعيه لإدماج البوليساريو كعضو في القمة الروسية الإفريقية ورغم زيارة شنقريحة، وهي تأتي بعد أسابيع قليلة من زيارة تبون، لروسيا في سباق أحادي نحو التسلح لا يرى المغرب نفسه معنيا به لأنه ضمن التفوق في معركة الدفاع عن وحدته الترابية بأدوات متعددة، وضمنها قوة السلاح بسبب كفاءة ومعنويات قواته التي لقنت عصابات البوليساريو درسا لن ينسوه لعقود قادمة في موقعة الكركرات.
ولأنه خطاب مؤسِّس كما جرت العادة في كل خطابات العرش فإن الملك لم ينس فلسطين وحقوق شعبها وعدالة قضيتها في إقامة دولة مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية بما يضمن الأمن والاستقرار لجميع شعوب المنطقة. في الإشارة إلى هذا الموضوع في خطاب العرش اهتمام وإعادة تأكيد على أن تعزيز العلاقات مع إسرائيل لن يكون على حساب حقوق الشعب الفلسطيني وهو ما تم التنصيص عليه بوضوح في البلاغ الملكي في حينه، بل سيكون لما يخدم مصالحه، وقد عودنا الملك دائما على أنه لا يستعمل مثل هذه المطالب لتبرئة الذمة فقط أو المزايدة بالشعارات الفارغة ولذلك فالقادم من الأيام يؤهل المغرب ليلعب دورا في حلحلة وضع الجمود وحالة الانسداد التي تطبع مسلسل السلام بحكم منسوب الثقة الذي يحظى به جلالة الملك والمغرب لدى طرفي الخلاف.
هذه مناسبة أخرى لمن يزايد على المغرب حول القضية الفلسطينية. موقف المغرب لم ولن يتغير حول هذه القضية، وإقامة علاقات جيدة مع إسرائيل لن يكون على حساب الفلسطينيين. ودور المغرب الإقليمي في خدمة الشعب الفلسطيني سيتقوى أكثر بتعزيز هذه العلاقات. للأسف، يلاحظ أن بعض الهامشيين يكيلون بمكيالين. يتغاضون عن زيارة مبرمجة إلى تركيا لنتنياهو بدعوة من أردوغان شخصيا مقابل صب جام حقدهم على دعوة ملكية لنتنياهو لزيارة المغرب. ما سبب هذه الازدواجية؟ لماذا هذا الكيل بمكيالين؟ لمصلحة من؟
هؤلاء الأردوغانيون يلتمسون العذر لتركيا ويتجاهلون أن تأجيل تلك الزيارة التي كانت مبرمجة خلال هذا الأسبوع تم بقرار من نتنياهو لأسباب صحية وكان يراهن عليها أردوغان للعب دور بين الفلسطينيين وحكومة نتنياهو بعد استضافته لهنية وعباس، ويروجون لدور تركي مناصر لفلسطين، وبالمقابل يستكثرون على المغرب خدمة الشعب الفلسطيني بالطريقة التي يراها المغرب أولى وأجدى وأنفع لإعادة مسلسل السلام إلى سكته وتسريع وتيرته التي يتضرر من جمودها الفلسطينيون أكثر من غيرهم.
لم يفت الخطاب الملكي توجيه الحكومة لاتخاذ التدابير اللازمة لتسريع أوراش الدولة الاجتماعية وتخفيف تداعيات الصعوبات الاقتصادية العالمية على المغاربة واتخاذ الإجراءات اللازمة لجعل الجدية مذهبا في الحياة والعمل على أن تشمل جميع المجالات. الأهم في هذا التذكير هو الطريقة التي تم بها وهي تؤكد احترام الملك لحدود اختصاصاته كما هي منصوص عليها دستوريا. يقدم الملك بخطابه وسلوكه درسا للجميع في احترام الدستور ويضع الجميع أمام مسؤولياتهم وهو يؤكد على ربط السلطة بالمحاسبة.
أملى التوجه المستقبلي لهذا الخطاب التذكير بالشباب وأهمية الاستثمار في كفاءاته وإبداعه والإشادة بعطائه ونبوغه. هذه خاصية ملكية ملازمة لحكم محمد السادس وهي الثقة في الشباب والرهان على الشباب لربح تحديات المستقبل وتحقيق المعجزات، وهو ما تجلى في انتصارات شهدها العالم كله وفي ابتكارات تقوي علامة “صنع في المغرب” وتقوي مكانة بلادنا كوجهة للاستثمار المنتج. التذكير بالإنجاز العالمي في مونديال قطر كان مثالا فقط يؤشر على أن الانتصارات الكروية لا نهاية لها وفي الإنجاز الكروي النسوي دليل آخر على أن النهضة الكروية للمغرب ليست صدفة ولكنها حصيلة لسياسة مدروسة تعطي أكلها يوما بعد آخر.
لجلالة الملك قدرة على نحت مضمون غني وعميق وزاخر بالأفكار والمشاريع في أقل العبارات وأقصر وقت، وهو بهذا يؤكد أنه لا يحب الشعارات وكثرة الكلام ولكنه رجل العمل والإنجاز في صمت. وهذا ما تأكد في أكثر من مناسبة.
أكبر متضرر من انتصارات المغرب وخريطة الطريق التي أعلنها الملك في خطاب العرش هم الهامشيون. صار في حكم الأكيد لدى هذه الفئة أنها خسرت الرهان وأضاعت الوقت والجهد ولم يعد لكل ملفاتها الرائجة جاذبية بعدما تبينت حقيقتها للرأي العام وفشلت مساعي كل الجهات الداعمة لها خارج المغرب.
التشويش صار صفة ملازمة لتربصات الهامشيين، وأصبح الأسلوب الاستباقي المفضل للتقليل من أثر خطاب العرش. هذه المرة انتبهوا إلى تجريب طلب العفو بالوكالة بعدما يئسوا من الاستفادة من عفو انتظروه طويلا وتيقنوا أن تحققه أقرب إلى الاستحالة لأسباب منطقية كانوا يتجاهلونها عمدا.
جرب زعيم مفترون بلا حدود طلب عفو مغلف بقلة الأدب مع جلالة الملك ومبني على أكذوبة الاعتقال التعسفي، والغاية منه تسجيل مواقف بطولية على حساب السجناء وخدمة لمن يصطاد في الماء العكر ضد المغرب. كان الأولى لمن يريد الخير بهؤلاء تنبيه هذه المنظمة أن مخاطبة الملوك تقتضي صيغا منتقاة وآدابا واحتراما ولكن لا حياة لمن تنادي.
المعطي مول الجيب وفؤاد المتصابي كعادتهما يبحثان عن ضحايا جدد لضمان دوران العجلة التي يضمنان بها وجودا لهما في ساحة الأحداث فلم يجدوا غير ملف عبد العالي حامي الدين. ومرة أخرى يخذلهما “ذكاؤهما” ويسقطان في اختبار الانتماء إلى قيم الحداثة والديمقراطية واليسار واحترام القانون ويؤكدان أن ما يحركهما هو الحقد والرغبة في الاختباء وراء ملفات لتجنب الخضوع للمحاسبة. الترامي على ملف حامي الدين المعروض على القضاء الذي لم يصدر حكما نهائيا بشأنه يسيء للملف ويزيد من عزلة وهامشية المعطي وفؤاد ويفضحهما أمام مناضلي اليسار الذين كانوا منخدعين في المعطي وفؤاد المغتنيان من أموال الرأسمالية “المتوحشة” والمدعيان زورا أنهما من اليسار والحريصان على تلفيق إيديولوجي لجمع المتناقضات تحت مسمى هجين “الإسلام اليساري”.
أكدنا في هذا البوح سابقا أن سقطة المعطي لم تكن سهوا أو بشكل غير مدروس فخرج من يدافع عنه وأكثر هو من التصريحات بما يفيد أنه لم يقصد ما فهم من كلامه أنه مع حرق المصحف الكريم أو يلتمس الأعذار للمتهور الذي أقدم على تلك الفعلة الشنيعة. لم نرد الاستمرار في هذا الجدل العقيم مع المعطي لأننا كنا على وعي أن الزمن كشاف. وها نحن أمام الحقيقة التي يحاول أنصار الصفحة الحاضنة للهامشيين والتي تحرص على الانتساب للريف زورا تبث حوارا للعنصري حارق كتاب الله عز وجل. هل يوافق الهامشيون على نشر الحوار عبر قناة اختاروا طواعية الظهور من خلالها؟ هل ستخرج الجماعة مرة أخرى لتبني هؤلاء والدفاع عن سلوكاتهم الشاذة؟ هل يزكي ممثل الجماعة هذا السلوك بالصمت أو المكابرة أو التجاهل؟ هل يرضي ريافة الأحرار أن تحمل قناة مثل هذه اسمهم؟ إنها أوراق الهامشيين تتهاوى واحدة تلو الأخرى وأفعالهم تفضحهم أمام المغاربة وتزيدهم عزلة عن المغاربة.
فضائح عدلاوة تتزايد. شكلت ذكرى عاشوراء فضيحة أخرى لأتباع ياسين الذين يسوقون زورا للطابع المغربي لجماعتهم. خطاب الزعيم الوارث للشيخ في مناسبة اعتكاف سنوي للجماعة فضح الجذور الشيعية للجماعة وهو يريد الركوب على المناسبة لتجييش الأتباع وتخدير المريدين وتحفيزهم بعد الاطلاع على التقارير التي تؤكد حالة التقهقر التي تعيشها الجماعة. لم يجد الزعيم غير خطاب وشعارات حزب الله والحوثيين وخطباء الشيعة لاستنهاض قواعد الجماعة المنشغلة بأشياء أخرى. تؤكد قيادة الجماعة بهذا الخطاب غربتها وخطورتها على النسيج المجتمعي المغربي بما يحمله خطابها من انتصار للطائفية ودعوة للتيئيس وتعميم لأجواء الحزن وإشاعة لقيم الانتقام والانقسام. وليس عبثا أن يتزامن هذا الخطاب المثبط مع دعوات خطاب الملك إلى التفاؤل والعمل والجدية والتسامح. مرة أخرى تنتصر الجماعة لهواها الشيعي ومنطقها الهامشي وتفكيرها المعزول عن المغاربة وبرنامجها المعادي للملكية ودعوتها لإسلام غريب عن المغرب. هذا ما يضعها في صف الهامشيين ويجعل أول من يتبرأ من خطابها وتفكيرها وسلوكها أعضاؤها ويكفي إلقاء نظرة على حجم التفاعل مع كلام زعيمها لنعرف الهوة السحيقة بين قيادة الجماعة وقواعدها التي بلغت حدا لم يسبق له مثيل.
تستمر الكتيبة الزيانية في صناعة الفرجة. فشلت كل محاولات لفت الانتباه إلى ملف زيان ويئس أنصار الكتيبة في جلب التعاطف الشعبي معه ولم تنجح الكتابات الشاردة للسخارة لبنى ولم تحقق طلبات التضامن المبتغى. يريد زيان الخروج من السجن بدون اعتذار للضحايا وجبر ضررهم وبدون طلب عفو بعد ذلك، وكان يعول على أن الترويج لوضعه الصحي المتدهور كاف للضغط على الدولة وابتزازها وتضليل الرأي العام ولكنه تناسى أن حبل الكذب قصير وأن تواصلا بسيطا من طرف مديرية السجون كاف لفضح الكذب والافتراء والتضخيم الذي تمارسه الكتيبة الزيانية لأن التتبع الطبي الذي يخضع له زيان من طرف مصلحة الرعاية الصحية يبين أنه يعاني فقط من بعض الآلام في الظهر، وأنه يتسلم بعض الأدوية المسكنة ومضادات الالتهاب لكنه لا يتناولها بانتظام وهذا مسؤوليته وحده، والتحاليل الطبية المتكررة التي أجريت له كانت نتائجها عادية. حالة الفشل هذه تصيب أعضاء الكتيبة بالإحباط وعمى البصر والبصيرة فتضطر إلى الكتابات العشوائية وتصيد كل القضايا لتصوير الأمن والقضاء في حالة عجز عن ممارسة مهامهما رغم أن العالم أجمع يشهد للمغرب باستقراره وفعالية مؤسساته.
عقدة هذا البوح عند مهندسي الكتيبة الزيانية تجعلهم يفقدون كل منطق لمهاجمة صاحبه والتعسف في البحث عن أدلة لإقناع الرأي العام بأحقية زيان وأمثاله للعفو ولو تطلب الأمر لي عنق القانون وتأويله بشكل غير مستساغ. تتجاهل السخارة حقوق الغير وتريد القفز على ضرر الضحايا وتبحث هذه المرة عن عفو شامل على حساب حقوق الضحايا. هذا منطق لا يستحضر إلا مصلحة زيان وأمثاله ويضرب عرض الحائط الضحايا. يقدم كاتب هذا البوح للكتيبة الزيانية نصيحة ذهبية بأن يختاروا طريقة أخرى أنجع، ويتجنبوا استهلاك الجهد لأنهم لن يزدادوا إلا عزلة وهامشية وفضحا.
اختار سانشيز ترك كل شيء بعد الانتخابات للتنعم بعطلة عائلية في مراكش. هو اختيار شخصي تحكمت فيه بالتأكيد عوامل بعيدة عن السياسة ولكن عبد الحق سمبريرو يأبى إلا أن يتدخل في خصوصيات واختيارات رئيس وزرائه وكأنه يريده أن يقضي عطلته في الجزائر. يصاب سمبريرو ب”السعار” كلما ذكر أمامه المغرب أو قرأ اسم هذا البلد لأنه يرى في ذلك فشلا لمساعيه وهبوطا لأسهمه لدى الكابرانات. ما الذي يزعج سمبريرو في هذا الأمر الخاص جدا في حياة سانشيز؟ هل هو الحسد أم الحقد؟ هل هو الفشل؟ في كل الأحوال تكشف مثل هذه التغريدات أن سمبريرو يعيش حالة إحباط وهو يتلقى الصدمة تلو الصدمة كلما تلقى انتصارا للمغرب، وتؤكد هذه التدوينات أنه ينتعش في البحث عن إقحام المغرب في صراع انتخابي إسباني/إسباني لا دخل للمغرب فيه، ولكنه لن ينجح في مسعاه لأن نتائج الانتخابات أبانت عن ميولات الإسبان وأسباب تصويتهم لهذا الحزب أو ذلك، وحتما لم يكن المغرب العامل الحاسم في ذلك عند الشريحة الواسعة من الشعب الإسباني.
تصر الجمعية الحقوقية على رؤية المغرب بمنظارها الأعور والأسود الذي لا يرى إلا ما يلائم أهواء قيادتها ويتجاهلون الملفات التي كان عليهم تنوير الرأي العام بمآلات التحقيق فيها قبل الحديث عن الأوضاع الحقوقية في المغرب. سيبقى كلام رفاق خديجة وغالي وأمين بدون مصداقية من الناحية الحقوقية وهم يتجاهلون مصير التحقيق في فضيحة السطو على سكن مسنة بالحسيمة لمدة طويلة دون أداء واجبات الكراء رغم أنها تعيش من عائدات كرائه فقط. هل يقبل هذا الخرق من منظمة حقوقية؟ وهل يستحق التستر عليه بهذه الطريقة التي عالجته بها قيادة الجمعية؟ من المسؤول عن هذا الحيف؟ وماذا كان مصيره؟ ولماذا لم تفعل الجمعية مبدأ المحاسبة وعدم الإفلات من العقاب؟ ولماذا تضرب قيادة الجمعية طوق الصمت على ملفات التحرش والاغتصاب التي كان مقرها مسرحا لها؟ أين هي نتائج التحقيق حولها؟
بدون الكشف عن مصير هذه التحقيقات وتفعيل المحاسبة ضد مرتكبي تلك الجرائم ستبقى الجمعية وقيادتها بدون مصداقية. منطق الجمعية في الرصد سياسي بعيد عن المقاربة الحقوقية، وحرصها على تضخيم الأرقام صار مفضوحا، وقراءتها للوقائع انتقائية وخارج سياقاتها، وخلاصاتها موجهة مسبقا بسبب الاصطفاف السياسي لأن الجمعية صارت حزبا للهامشيين، وما يحكم رؤيتها هو الحرص على تصوير المغرب كبؤرة توتر حقوقية مع العلم أن الواقع عكس ذلك. خلفية هذه القراءة لا تخفى على أحد لأن قيادة الجمعية أسيرة لأجندات أعداء المغرب وسجينة لأصولية حقوقية ومرتهنة للعطايا التي دأبت على التوصل بها من منظمات لا تخفي حقدها على المغرب. وبناء على هذه الأسس فلا يستغرب إطلاقا جمود خطاب الجمعية رغم تغير القيادات لأنها صارت أصلا تجاريا مدرا للربح بناء على هذه البضاعة التي تروج كل ما يضر المغرب.
تجني فرنسا الماكرونية ما زرعته بسبب سياساتها الكولونيالية. في ظرف وجيز خسرت وجودها في افريقيا الوسطى ومالي وبوركينا فاصو والنيجر. موجة العداء الشعبي لسياساتها تتزايد، وحدة استهداف مصالحها ترتفع، وقدرتها على إيقاف هذا النزيف تتضاءل، وعجز إدارة ماكرون صار واضحا. أصبح الشغل الشاغل لحكام فرنسا هو إنجاح إجلاء الرعايا الفرنسيين والتخفيف من آثار الانقلابات على صورتها. أصبحت ماكينتها الدعائية عاجزة عن تسويق رؤية ورواية فرنسا لدى الرأي العام في المستعمرات الفرنسية سابقا في افريقيا، بل إن تغطياتها صارت تؤجج الجماهير ضد فرنسا. كل هذه مؤشرات لم تلتقطها حتى الآن الدولة العميقة بما يلزم من الجدية لتتلاءم مع مقتضياتها وتعترف بأخطائها وخطاياها في هذه الدول التي ما تزال تنظر إليها كبقرة حلوب فقط وتتفرج على الفقر الذي تغرق فيه منذ عقود.
فرنسا الماكرونية صارت عبئا على حلفها الغربي الواسع، وصار الارتباط بها عامل إضعاف للدول التي ترهن مصير مستقبلها بها، والشعب الفرنسي هو أكبر ضحية لهذه السياسات. هذا ما تشهد به كل استطلاعات الرأي التي تؤكد أن انتخاب ماكرون كان خطأ لأنه لم يفلح إلا في إضعاف فرنسا والإضرار بمصالحها وتضييع الفرص عليها لإعادة تموقعها تجاه الدول الصديقة لها وفق المتغيرات التي يعرفها العالم.
واهم من يتصور عالم المستقبل بنفس معالم الماضي الاستعماري. وحالم من يرى في المستعمرات السابقة مصادر ثروة فقط. هذا ما لا تجتهد الكثير من النخب الفرنسية في إيصاله لساكن الإليزيه والمتحكمين في سياساته ليراجع طريقة تدبيره للعلاقات مع أصدقاء فرنسا.
نلتقي في بوح قادم.
