بوح الأحد: 24 سنة من حكم محمد السادس، مغرب الندية والعزة والإستقلالية يشق طريقه
بوح الأحد: 24 سنة من حكم محمد السادس، مغرب الندية و العزة و الإستقلالية يشق طريقه بكل إصرار، قيام الطوابرية و أسيادهم بالنقد الذاتي مدخل لإعادة صياغة المستقبل و أشياء أخرى
أبو وائل الريفي
عيد العرش مناسبة أخرى لفهم الدور المركزي للملكية في هذا البلد ماضيا وحاضرا ومستقبلا. هو مناسبة لمعرفة المهام الاستراتيجية التي اضطلع بها الملك محمد السادس خلال 24 سنة من حكمه. شكلت الملكية، كنظام حكم ارتضاه المغاربة منذ قرون، عمود الخيمة الذي يبقيها قائمة يستظل بها المغاربة ويحتمون بها ويحتكمون طوعا إليها، ولكن الملك محمد السادس أضاف إليها بشخصيته ومنهجية حكمه وطريقة تدبيره الكثير فأدخلها للألفية الثالثة بمقتضيات ديمقراطية وحداثية وبتدرج حكيم ليؤكد أن الثابت في المغرب هو الملكية كنظام حكم ولكن شكلها وميكانيزمات اشتغالها قابلان للتغيير والتأقلم حسب متغيرات الزمان والمكان وحاجيات الشعب والظروف المحيطة.
أكبر إنجاز لمحمد السادس هو تجديد الملكية لتلائم مقتضيات عصرها دون إحداث قطائع مربكة لاستمرارية الدولة أو مشوشة على أذهان المغاربة. كانت السمات الملازمة للإصلاحات البنيوية التي أعطى انطلاقتها الملك وأشرف على أجرأتها في الواقع المعيش للمغاربة هي الهدوء والتدرج الحكيم وتجنب التضخيم و”الشو” والإثارة لأن جلالته كان الأحرص على أن يرى المغاربة حقيقة تلك الإصلاحات ويعيشون حقيقتها ويستفيدون من ثمارها قبل أن يقرأوا عنها في صفحات كبريات المنابر الإعلامية وتشيد بها كبرى المنظمات الدولية.
يحسب للملك محمد السادس أنه استطاع، حسب كل مرحلة من مراحل حكمه، أن يتخذ قرارات شجاعة فاجأت الكثير ممن دأبوا على التحليل النمطي للملكية وأولئك الذين لم يستحضروا شخصية محمد السادس واهتماماته وطريقة تفكيره. واجه المغرب في عهد محمد السادس تحديات كبيرة منها التركة الحقوقية والسياسية لسنوات مضت، ومنها خطر الإرهاب المتزايد الذي ضرب أمريكا ومناطق كثيرة في العالم ولم يسلم منها المغرب حينها، ومنها الأزمة المالية والاقتصادية العالمية وتداعياتها، ومنها ما سمي الربيع العربي الذي تحول بسرعة إلى دمار للمنطقة، ومنها جائحة كورونا وآثارها الخطيرة في مختلف المجالات.
اتسمت المعالجة الملكية لهذه الملفات بالسبق والشجاعة والابتكار و”الاستثمار” في الأزمة لتحويلها إلى نقط قوة للمغرب تميزه عن غيره من الدول وتجعل تجربته أكثر جاذبية وموضوع دراسة من طرف الكثير من المنظمات التي تبحث عن نماذج ناجحة والاستفادة من أسباب نجاحها.
الخطر الإرهابي الذي استهدف غدرا المغرب في مطلع الألفية الثالثة أصبحت اليوم طريقة التصدي له عنصر قوته في العالم بعدما طور مقاربة وقائية واكتسب تجربة ميدانية فعالة وحقق اختراقات استراتيجية لفهم طريقة تفكير واشتغال هذه التنظيمات الإرهابية. يحسب لجلالة الملك أنه أول من تنبه إلى أن الظاهرة الإرهابية لن تكون أحداثا عابرة وأنها سمة دائمة ستطبع المنتظم الدولي لعقود مستقبلا ويلزم تطوير مقاربة دائمة واستباقية ومتكاملة الأبعاد والاستثمار في تشكيل مؤسسات احترافية وتأهيل العنصر البشري العامل فيها وتسريع وتكثيف التعاون الدولي لمواجهتها لأن هذا وحده الكفيل بتطويق هذا الخطر وحصاره في أضيق رقعة وتخفيض آثاره لحدها الأدنى.
يشهد العالم اليوم على النجاح المغربي في هذا المجال ويعترف الجميع بالتعاون المغربي في التقليص من أثر التنظيمات الإرهابية ويشيد الكل بالخبرة المغربية التي يتقاسمها مع كل المتضررين من هذه الظاهرة حتى أصبح بلدنا قبلة كبار مسؤولي الأجهزة الاستخباراتية الراغبة في الاستفادة من التجربة والشراكة مع المغرب. إنه إنجاز ملكي بامتياز تفكيرا وتخطيطا وإشرافا ورعاية واختيارا لمن يتولى تنزيل مقتضياته ميدانيا وتنفيذ مخططه بأحسن كيفية منحت الأمن للمغاربة وبوأت المغرب مكانة عالية في سلم الحرب على الإرهاب وأكسبته نقاط قوة عززت انتصاراته الدبلوماسية. حين تجد الاستراتيجية الملكية مؤسسات في مستوى عال من الكفاءة والجاهزية والوطنية تُصنع النتائج الباهرة بسرعة قياسية ويكون لها الوقع الإيجابي على كل المؤسسات الأخرى. هذا هو أهم درس من النجاح المغربي في ملف مكافحة الإرهاب.
تميزت 24 سنة الأخيرة بأوضاع اقتصادية صعبة في العالم مع ما يترتب عن ذلك من انعكاسات اجتماعية مقلقة. يحسب لجلالة الملك أنه استطاع تأمين الاستقرار للمغرب والاستمرار الطبيعي للدولة بأقل الأضرار، سواء أثناء الأزمة المالية والاقتصادية أو في ظل جائحة كورونا. لم تتوقف عجلة المشاريع والأوراش الكبرى ولم تنقطع إمدادات المواد الاستهلاكية ولم تفقد البلاد استقلالية قرارها بحثا عن مساعدات أو تسولا لصدقات أو خضوعا لمانحين بشروطهم. عزة المغاربة واستقلالية قرار المغرب كانا خطا أحمر. نجح المغرب في تخطي كل تلك الأزمات وأصبح أقوى من السابق وفشل من راهن على عدم قدرته على عبور تلك الصعاب. اليوم، يحصد المغرب ثمار تلك الاستراتيجية انتصارات دبلوماسية كبيرة ومتواصلة واعترافا بقوته وتسابقا على الشراكة معه. إنه الملف الاستراتيجي الآخر الذي أبان عن قدرة كبيرة لدى الملك محمد السادس في التدبير والقدرة على مواجهة الإكراهات بدون شكوى وتمسكا باليقين بأن مطالب المغرب العادلة والتفاف الشعب حولها أقوى سلاح لهزم كل الخصوم رغم فارق الإمكانيات لأن معارك السيادة تكسب بقوة الإرادة الشعبية وحكمة قيادة البلد. في هذه الأزمات تجددت الملكية المواطنة اللصيقة بالشعب بصيغة مشابهة للملكية زمن الاستعمار حين انتصر محمد الخامس وكل العائلة الملكية لمطالب المغاربة الراغبة في التخلص من الاستعمار دون اكتراث بتبعات ذلك على أشخاصهم ومصالحهم الخاصة. يحسب لمحمد السادس أنه رعى هذه المرحلة وهو يستحضر فقط مصلحة البلاد دون الخضوع لتركة التقاطبات وجمود العلاقات مع شريك واحد. تنويع الشراكات والانفتاح على أقطاب أخرى سمة طبعت تدبير جلالته لملف علاقات المغرب مع العالم وأثمرت مزيدا من القوة والاستقلالية والمكانة للمغرب، وهو ما لم تتقبله حتى اليوم دول ألفت الابتزاز ونخب ألفت الخنوع ولكن المغاربة اليوم يشعرون بأنهم أكثر تحررا وندية وتكافؤا مع غيرهم وأن عندهم كذلك أوراق ضغط لجعل نظام العلاقات شراكة وليس تبعية وولاء غير مشروط للغير مهما بلغت درجة قوته.
يحسب لجلالة الملك محمد السادس أنه دبر احتجاجات “الربيع” العربي بحكمة وتبصر لم يتوفر لدى قادة آخرين في المنطقة. الحس الاستباقي غير الصدامي والمتفهم للمطالب والمحتجين وكذا لسياق ظهورها وخلفيات محركيها من وراء حجاب كان نقطة حاسمة في ربح الرهان السياسي خلال تلك المرحلة. طيلة عقد من الزمن ترك الملك المشهد السياسي للفاعلين الحزبيين للقيام بدورهم واكتفى بالتوجيه الاستراتيجي بخطابات ما تزال شاهدة وهو يؤكد دائما على معالم المشروع الحداثي الديمقراطي ويعطي القدوة من نفسه في الأوراش التي تدخل حصرا في نطاق اختصاصه، مدونة الأسرة وملف الصحراء المغربية مثلا، والتي عرفت تحولات جذرية في تدبيرها، مما اضطره إلى تسريع تنزيل مقتضيات الإصلاحات، التي كان يلزم الفاعل الحزبي تسريع وتيرتها، دون خوف من كلفتها المتوقعة لأن مستقبل المغرب كان متوقفا على الولوج إلى جيل جديد من الإصلاحات السياسية والدستورية تضمنها خطاب التاسع من مارس سنة 2011.
يحسب كذلك للملك محمد السادس قدرته على اتخاذ قرارات غير منتظرة في ملف الوحدة الوطنية والانتماء القاري للمغرب. المقاربة التنموية والحقوقية الجديدة لملف الصحراء المغربية ومبادرة الحكم الذاتي والعودة للاتحاد الإفريقي والتخلص من سياسة المقعد الشاغر وتقزيم حضور البوليساريو قاريا كان انتصارا آخر للمغرب ترتب عنه تمدد قاري وإقليمي وانتصارات دبلوماسية كبيرة جعلت عصابات “الجبهة” وحاضنتها من نظام الكابرانات يفقدون صوابهم ويرتكبوا أكبر خطأ بلجوئهم إلى خرق وقف إطلاق النار وتجريب أسلوب القوة فتلقوا درسا لن ينسوه في الكركرات. هل يمكن أن نقارن بين وضع الصحراء المغربية قبل وبعد 24 سنة من حكم محمد السادس؟ هل نحصي عدد الدول التي سحبت اعترافها بجمهورية الوهم؟ أم نقيس نجاح المغرب بالاعترافات النوعية بمغربية الصحراء؟ أم نقيس النجاح بعدد القنصليات التي فتحت في تخوم صحرائنا؟
صدقا، ستميل الكفة للمغرب دائما بغض النظر عن أي مؤشر يمكن اعتماده لأن الانتصار المغربي واضح ولا غبار عليه.
لم تسلم التركة الحقوقية لسنوات “الجمر والرصاص” من الشجاعة الملكية والابتكار. يحسب للمغرب أنه طور مقاربة مختلفة وناجعة في العدالة الانتقالية جنبته الكلفة الباهظة للانتقال إلى وضع أفضل دون المساس بمرتكزات العدالة الانتقالية مثل معرفة الحقيقة وتحقق المصالحة وجبر الأضرار الفردية والجماعية وتأمين ضمانات عدم التكرار مؤسساتيا ودستوريا وقانونيا. صارت تجربة الإنصاف والمصالحة جزءا من التجارب الناجحة التي تدرس في الجامعات ويستفاد منها في التجارب الدولية. يحسب لجلالة الملك أنه امتلك إرادة قوية للدفع بهذا الملف إلى أبعد مدى دون المغامرة باستقرار البلاد ودون الوقوع في أسر تجارب سابقة. كانت السمة الملازمة لكثير من الإصلاحات البنيوية في المغرب إيمان جلالته بالقدرة على إبداع مقاربة مغربية خالصة تحقق الهدف دون الاستنساخ البليد أو الانتقاء المشوه من التجارب الناجحة. وقد اتضح هذا في الإصلاحات الحقوقية والجهوية المتقدمة والإصلاح الدستوري والسياسي.
لم يسلم المغرب خلال ما يقارب ربع قرن من حكم محمد السادس من قوى مناهضة لهذه المسيرة الإصلاحية لأنها أصرت على أن تكون في واجهة هذه الملفات والمتحكم في وجهتها أو لأنها كانت متضررة من نجاح هذه الأوراش فتخوفت على مصالحها الخاصة.
للإصلاح رجاله ونساؤه كما له ضحاياه وكلفته. لم يستوعب البعض هذه الحكمة فظنوا أنهم بمقاومة هذه الاستراتيجية الإصلاحية وتبخيسها والارتماء في أحضان المعادين لها خارج المغرب وخدمة أجنداتهم سيتمكنون من وقف العجلة. فهم البعض من هؤلاء الطوابرية أن انفتاح المغرب أو البحث عن المصالحة مع المجتمع دليل ضعف وأن اللغط الدائم، الذي يسمونه معارضة، كاف لإفشال هذه الإصلاحات. اكتشفوا أن تيار الإصلاح أقوى والدعم الشعبي لخيارات الإصلاح أكبر ضامن لنجاحها ولن يزيدهم إلا عزلة وانكماشا وانفضاحا.
عرت قوة المغرب حقيقة الطوابرية أمام المغاربة، وفضحت مواجهة المغرب للأجندات المتآمرة طبيعة الانتماء المغشوش والمصلحي لهؤلاء الطوابرية للمغرب. أدرك المغاربة أن هؤلاء الطوابرية فهموا الانفتاح بشكل مغلوط وأنهم مع الانفتاح ما لم يمس مصالحهم وامتيازاتهم لأنهم يعتبرون أنفسهم مواطنين من درجة استثنائية فوق القانون ويحل لهم الابتزاز والاختلاس والفساد دون غيرهم.
يحسب للاستراتيجية الحقوقية المغربية طيلة 24 سنة أنها لم تستسلم لضغوط منظمات الابتزاز التي كشفت الحقائق أنها أدوات في يد “الاستعماريين الجدد” ودعاة نشر “الفوضى الخلاقة”، ويحسب لمؤسسات البلد أنها طورت وسائل مقاومة لهذا المد الاستعماري بما جعلها تنجح في إبطال مخططاته وفضح منفذي أجنداته.
من الأوراش التي يحسب لجلالة الملك أنه كان بخصوصها حاملا لرؤية صائبة الاتحاد المغاربي، حيث بذل مجهودات كبيرة وقدم كل الضمانات اللازمة لإعادة الحياة إلى هذا الاتحاد ولكن منطق الحسابات الضيقة والأنانيات الفارغة حكم بعض مكونات الاتحاد وهاهي اليوم تدفع ثمن ذلك. أصبحت التحولات المناخية أمرا واقعا وصارت حرائق الغابات جزءا منها يستلزم تعاون كل دول الاتحاد للتخفيف من أضرارها. خلال حرائق السنة الماضية نشطت الماكينة الدعائية لنظام الكابرانات في البحث عن مجرم افتراضي وراءها والترويج لنظرية المؤامرة فلم يجدوا غير المغرب ومنظمة الماك وحركة رشاد. رفض نظام شنقريحة وتبون المساعدة من المغرب حينها فكانت النتائج كارثية لا يمكن البتة تبريرها بعوامل طبيعية فقط ولكن سوء التدبير والخطأ في التقدير كانا السبب الأساس. وهذه السنة تتكرر نفس المأساة ليتضح أن مرور سنة لم يسفر عن اتخاذ هذا النظام لإجراءات ملموسة لحماية الشعب الجزائري الذي يؤدي الثمن وحده. لو كان القرار بيد الشعب لتشكلت محكمة لهذا النظام الفاشل في تأمين الحق في الحياة للجزائريين ومحاسبة المقصرين والتجاوب الإيجابي مع سياسة اليد الممدودة من المغرب للمساعدة لأن منطلق المغرب كان دائما أن مصير شعوب الاتحاد واحد وعدوهم واحد ومصالحهم واحدة.
غرر الكابرانات بنظام قيس كذلك فجعلوه ضحية وعودهم ولم يفيدوه في شيء حيث تعيش تونس ردة على كل المستويات دون مساعدة من الجزائر، ونشط الكابرانات في تتبع مبادرات المغرب لإنجاح المصالحة الليبية قصد نسفها. الاتحاد المغاربي الموحد والقوي ضرورة آنية وحاجة مستقبلية طال الزمن أم قصر للتصدي للجريمة والإرهاب وتجارة الممنوعات وتداعيات التغيرات المناخية ولربح رهان التكامل الاقتصادي وتقوية الموقع التفاوضي مع باقي التكتلات الدولية.
رهان الكابرانات على إضعاف المغرب من خلال استهداف شركائه فاشل، والانتخابات الإسبانية مثال آخر. لقن الإسبان درسا لكل من راهن على جعل المغرب وقودا لحملاتهم الانتخابية من المتطرفين ذات اليمين وذات اليسار.
انتصر الإسبان لصوت الاعتدال وأبانوا عن نضج كبير وهم يميزون بين رهانات انتخابات بلدية خدماتية وبين رهانات انتخابات تشريعية سياسية تستحضر الانتماء للاتحاد الأوربي ومصالح البلاد الاستراتيجية، وهذا ما لم يفهمه اليمين المتطرف حين راهن على تكرار اكتساحه للانتخابات التشريعية كما فعل قبل شهور في الانتخابات البلدية. اتضح أن الإسبان معاكسين لموجة الأحزاب اليمينية المتطرفة في أوربا ويميلون للاعتدال السياسي ولا يغامرون بشراكاتهم الاستراتيجية كما يتمنى ذلك اليسار المتطرف.
رغم ذلك يمكن القول بأن عدم الاستقرار الانتخابي ينعكس سلبا على الدور الإسباني دوليا في فترة رئاستها للاتحاد الأوربي حيث سيتضرر حضورها النوعي بحكم تدبير البلاد بمنطق حكومة تصريف الأعمال.
الخاسر الأكبر من الانتخابات الإسبانية هو نظام الكابرانات وأداتها عصابات البوليساريو التي تلقت هزيمة نكراء بالتدحرج الانتخابي لمسانديها وداعميها من متطرفي اليسار. الخاسر الآخر هو أمثال علي لمرابط المقيم في اسبانيا والذي يتحدث في كل شيء إلا الشأن الإسباني مع أنه مواطن أوربي. لمرابط المتأزم نفسيا والمنهزم واقعيا صار عاجزا عن اتخاذ تدابير بدائية لتصوير حلقاته التي أصبحت صوتا بلا صورة ليؤكد أنه يحن إلى زمن الراديو بعدما كنا نظن أنه يحن فقط إلى “تلفزة زمان بالأبيض والأسود”. صار عاجزا عن إعادة حلقات فاسدة ليكشف أنه يقوم بالعمل مرغما ودون شغف وأنه ينتظر فقط الفراغ منه. الخاسر الآخر هو عبد الحق سمبريرو المكتئب من نتائج تلك الانتخابات لأن رياحها أتت بما لا تشتهيه أجندته الموالية لأعداء المغرب.
هي نصيحة لكل الطوابرية والسمايرية. إنكم تراهنون على الوهم. لن تنجح مناوراتكم ضد المغرب. للمغرب بدائل لكل السيناريوهات ويملك من الوسائل الكثير ليؤمن مصالحه ومصالح المغاربة.
من أكبر المنهزمين كذلك فرنسا الماكرونية التي كانت تراهن على نتائج تضعف المغرب وتجعله يستجديها وتقوي النظام العسكري حليفها. نكسة أخرى تؤكد للفرنسيين خطأ الرهان على تقارب مع نظام الكابرانات المفلس ومتقلب المزاج والغامض في خياراته. تنضاف هذه الهزيمة إلى هزيمة أخرى تتلقاها الدولة العميقة في فرنسا بما يحدث في النيجر، حيث تراكم فرنسا الخسائر في الساحل الإفريقي بعد الانسحاب المذل من مالي وبوركينا فاسو.
بعيدا عن موقف مما يحدث في النيجر دون فهم تفاصيله، ودون الخوض في شأن يخص شعب النيجر وحده، يبقى الثابت أن فرنسا الماكرونية تلقت ضربة قاصمة لوجودها في افريقيا لأنها قد تخسر رقعة جغرافية استراتيجية لوجودها العسكري، وقد تخسر موردا مهما من حاجياتها لليورانيوم تقدر بما يقارب نصف استهلاكها الداخلي حيث تملك الشركة الفرنسية أورانو، سابقا أريفا، معظم رأسمال الشركة المستخرجة لليورانيوم هناك، وتراكم أجواء الغضب والكراهية لماضيها في المنطقة لأنها عجزت عن انتشال شعوب هذه البلدان من الفقر وتخليصها من التيارات المتطرفة حيث ما تزال النيجر من أفقر دول العالم وشعبها في غالبيته دون معدل الفقر.
يجب النظر إلى هذه التحولات دون إغفال التسابق الدولي حول افريقيا وتزامن المحاولة الانقلابية مع القمة الروسية الإفريقية الثانية بسان بطرسبورغ. باختصار أصبحت فرنسا الماكرونية عبئا على شركائها مما يضطر الأمريكان للحلول محلها في كثير من الملفات خوفا من تمدد قوى كبرى أخرى.
أصبحت فرنسا الماكرونية عبئا على الفرنسيين كذلك حيث تتمادى في التنكر لقيم الجمهورية، وتصريح المدير العام للشرطة الوطنية فريديريك فيو خير مثال حين قال بأن “رجل الشرطة ليس له مكان في السجن ولو ارتكب أخطاء جسيمة في إطار عمله”. هل هذه هي الحكامة الأمنية؟ هل هذه هي المقاربة الحقوقية للشأن الأمني؟ أين هم المواطنون الفرنسيون حملة الجنسية من الطوابرية؟ هل نحتاج إلى تذكيرهم أن الواجب يقتضي موقفا صريحا منهم حول هذا النوع من التصريحات؟ ألا تستحق مثل هذه المواقف خرجات لعلي لمرابط ينتصر فيها لمواطنيه الفرنسيين؟ أين هي الدكاكين الحقوقية الدولية من أمثال أمنستي وغيرها؟
ما يزال الشيخ زيان مسترسلا في هلوساته وبحثه عن بطولات وهمية. آخر هرطقاته ادعاؤه أنه “المعتقل الأكبر سنا عربيا ولربما يكون عالميا”. ماذا كان يمكن أن يحصل لو امتلك زيان مفاتيح دفتر غينيس للأرقام القياسية؟ حتما سيملؤه بأرقامه المتوهَّمة وفتوحاته الصبيانية. لو كان حواريو زيان يريدون به خيرا لما سمحوا بنشر هذه الأكاذيب، ولتطوع رضى بتذكيره أن راشد الغنوشي يفوقه سنا، ولتطوعت باقي الكتيبة لتشرح له بأن كبر سنه عيب بالنظر إلى طبيعة الجرائم التي يتابع بها.
تضررت الكتيبة الزيانية من هذا البوح وهو يكشف لها بالمنطق أن انتظار العفو في قضايا فيها ضحايا مستبعد. بينت الكتيبة أنها تخاف من حقائق هذا البوح ومن الصحافة التي تفضح حقيقتهم. اختار كتاتبي ونواعري الكتيبة أن يصطاد في الماء العكر بتحوير الكلام ظنا منه أنه قد ينجح في مهمته القذرة. مرة أخرى ومن خلال استقراء لتجربة 24 سنة من حكم جلالة الملك هناك مسلمة لا شية فيها وهي أن جلالته ينأى بنفسه عن القضايا التي فيها ضحايا في قضايا يمكن للمسجون فيها جبر ضرر ضحاياه. صار هذا من البديهيات ولكن حين تعمى البصيرة وتفتقد الكتيبة لأدوات تبرئة الشيخ المتصابي تبحث عن عفو ملكي وهي تعلم أنها ستكون أول من ينقلب عليه في مناسبات أخرى كما فعلوا في أكثر من مناسبة سابقة.
نلتقي في بوح قادم.
