1

بوح الأحد: حقيقة سقطة المعطي و خبايا محاولة ٱمتصاص الغضب

بوح الأحد: حقيقة سقطة المعطي و خبايا محاولة ٱمتصاص الغضب

A- A+
  • بوح الأحد: حقيقة سقطة المعطي و خبايا محاولة ٱمتصاص الغضب أو عندما تدفع فوبيا المخزن العدل و الإحسان للتنكر للثوابت، مقتل نائل يعري الإعلام الفرنسي و البرلمان الأوروبي و المنظمات الحقوقية و أشياء أخرى

    أبو وائل الريفي
    يمثل الإقدام على حرق المصحف الشريف في السويد تحديدا جريمة مكتملة الأركان زمانا ومكانا وموضوعا، وهو ما يستلزم التعامل معها بالحزم المطلوب لأنها تمثل أعلى درجات الازدراء للمسلمين.
    من حيث السياق الزمني، تم اختيار التوقيت بعناية فائقة حتى يتزامن مع موسم الحج بما يعنيه من التئام للمسلمين وتوجههم بقلوب واحدة نحو بيت الله الحرام حيث يقام أكبر تجمع بشري فوق البسيطة وكذا أيام عيد الأضحى بما ترمز له من معاني التضحية.
    تم اختيار المكان بطريقة موغلة في الاستفزاز حتى يصل الازدراء قمته بحرق القرآن الكريم أمام أكبر مسجد بستوكهولم، وهي سابقة تؤشر على أن التطرف لا حدود له ولا يمكن توقع نهايته إن لم تتخذ تدابير تجاه من يقف وراءه.
    من حيث الموضوع، تم اختيار حرق القرآن الكريم دون مراعاة لما يمثله من مكانة لدى المسلمين بمختلف أجناسهم ومذاهبهم ولغاتهم.
    تزداد عناصر الجريمة اكتمالا حين نعلم أن هذا الحادث ليس معزولا ولكنه يندرج في سياق حملة ممنهجة لاستفزاز المسلمين وبث الكراهية ضدهم، فقد سبق في يناير الماضي إحراق المصحف الشريف أمام مبنى سفارة تركيا في ستوكهولم بمباركة قبلية من السلطات السويدية. وللتذكير فقط، لعل ذلك ينفع أمثال المعطي، أن من أقدم على هذا الفعل الشنيع حينها كان متطرفا من أصول أوربية هو الدنماركي راسموس بالودان زعيم حزب “هارد لاين” اليميني المتطرف وهو نفس الشخص الذي قام بأعمال استفزازية عبر حرق نسخ من القرآن الكريم في مختلف مدن الدانمارك منذ عام 2017 وهي السنة التي أسس فيها حزبه المتطرف. هذا يعني أننا لسنا أمام حادث معزول يمكن غض الطرف عنه حتى لا يكون التصدي له إشهارا لمتطرفين معزولين عن التيار الواسع في المجتمع الاسكندنافي، ولكننا أمام تنامي لموجة كراهية واستفزاز للمسلمين.
    ونقطة الخطورة هي مباركة الدولة السويدية لهذه الخطوات المتطرفة وترخيصها المسبق لفعالياتها مع علمها بما سيقدم عليه المتطرفون من فعل شنيع يستهدف قيم وعقائد ودين جزء من المواطنين في الدولة وكل العالم الإسلامي ومسلمي العالم. هنا تكمن الصبغة الخاصة والاستثنائية لحادث ستوكهولم. قد يحدث هذا الفعل في مناطق أخرى من طرف مجموعات متطرفة هامشية ولكن بدون مباركة الدولة وحماية السلطات العامة وبدون علمها المسبق وبدون توافق هذا الفعل مع القانون، وهنا يقدّر رد الفعل حسب كل حالة وما تستدعيه بالنسبة للمسلمين. في الحالة السويدية التي عشناها الأسبوع الماضي كنا أمام سلوك متطرف وفعل شنيع بمباركة الدولة وفي ظل القانون وبشكل متكرر وهو ما يستدعي رد فعل قوي يوصل رسالة للدولة السويدية لتراجع سياستها وتعدل قوانينها وتستحضر وجود دول متضررة من هذا السلوك الشاذ والذي لا يمكن إدراجه في خانة حرية التعبير إطلاقا.
    ومما يؤكد تورط الدولة السويدية ومسؤوليتها عن هذا الفعل الشنيع طابع الانتقائية الذي تتعامل به مع هذا النوع من السلوكات المتطرفة، حيث سبق لسلطات السويد منع فعل مشابه يتعلق بديانات أخرى ردا على حرق القرآن الكريم حين قدم شاب من أصول مصرية طلبا لتنظيم تظاهرة لحرق التوراة. لماذا هذه الانتقائية والازدواجية في المعايير إذن؟ وطبعا لا يفهم من هذه الملاحظة أي موافقة أو تشجيع على استهداف مقدسات الغير لأن احترامها هو الأساس في عالم يجب أن يجعل من التسامح قيمة عليا مشتركة بحكم التنوع الكبير الذي يسود ساكنته. لا سلاح بين أيدينا للحفاظ على التنوع واحترام التعدد غير التسامح واستنكار كل سلوك متطرف وليس تشجيعه وحماية فاعليه والحفاظ على القوانين التي يرتكزون عليها لنشر الكراهية والعنصرية.
    من خلال ما سبق فقط يمكن فهم سياق الموقف المغربي الذي يستحق الإشادة والاقتداء به وخاصة لما اتسم به من دلالة قوية وسرعة في اتخاذه لأن خطورة هذا الفعل تكمن أساسا في تكراره خلال مدة قصيرة لا تتجاوز السنة ومباركته من طرف الدولة السويدية وحماية فاعليه وعدم تعديل القوانين التي تسمح به والمنحى التصاعدي للتطرف الذي يحكم المتطرفين الذين قد ينتقلون في مرحلة قادمة إلى ما هو أخطر ولا ينفع حينها الاستنكار.
    التقطت مضمون الرسالة المغربية دول ومنظمات عربية وإسلامية أخرى سارعت إلى استنكار هذا الفعل الشنيع وهذا هو المطلوب في مثل هذه اللحظات، وكذا الدولة السويدية التي استنكرت حكومتها هذا الحادث وإن جاء الاستنكار متأخرا بأيام وبشكل بارد وباهت وتحت الضغط الشعبي الدولي وتخوفا من ردود فعل الكثير من الدول الإسلامية وبدون ترتيب عقوبات على الفاعل أو سعي لتغيير القانون بما يضمن عدم تكرار الفعل الشنيع. وهذا يؤكد عدم جدية الدولة السويدية في التعامل بحزم مع هذا النوع من الأفعال المستهجنة.
    إن الإقدام على هذا الفعل الذي توافرت فيه كل أركان الازدراء للدين الإسلامي وكراهية المسلمين بما يبعده عن حرية التعبير ويدرج من رخص له في عداد التواطؤ على هذا الفعل يجعل كل مسلم يستشعر الخطر ويشعر بواجبه تجاه الإسلام ومقدساته وتجاه المسلمين وما يتهددهم، وهو ما يجعله يبارك كل الخطوات التي اتخذتها الدول والمنظمات لاستنكاره. هل كانت كل هذه المعطيات غائبة عن المعطي؟ هل تعمد تجاهلها لأنه أعماه الحقد على الدولة المغربية فلم ير إلا موقفها المشرف الذي يستحق التنويه؟ لماذا لم يرق المعطي إلى موقف الحكومة السويدية التي اعتبرت هذا الفعل عملا “معاديا للإسلام” بعد ملاحظتها حجم الاستنكار الشعبي عالميا؟
    سقطة المعطي تؤكد هامشيته وغربته عن هذا الشعب وقيمه وهويته وعدم غيرته على مقدساته. دفوعات المعطي بخصوص تهوين هذا الفعل الشنيع كانت مهزوزة لأن “المسكين” أعماه الحقد على الدولة المغربية ولم يستسغ موقفها المشرف حين وصفه بالشعبوية وتعسف على الديمقراطية حين نفى خرقها في حالة انتهاك عقائد الغير وازدراء الأديان وحين ربط الضرر للآخر بالضرر البدني. بدا المعطي انتهازيا بشكل كبير وهو يحاول تبرئة الأوربيين الأصليين بكون الشخص الذي أقدم على هذا الفعل الشنيع عراقي متناسيا أن الخرق تم في أرض سويدية وبترخيص من السلطات السويدية التي بررت قرارها بأن طبيعة المخاطر الأمنية المرتبطة بإحراق القرآن “لا تبرر بموجب القوانين الحالية رفض الطلب” وهو ما يؤكد أن فعل الحرق تم وفق القوانين السويدية ووسط حماية أمنية من الشرطة السويدية التي منعت اقتراب أي أحد منه وهو يحرق المصحف الشريف. لماذا هذا الدفع من طرف منجيب بأن المتطرف عراقي؟ هل لتبرئة الاوربيين؟ هل تناسى أن هناك سوابق في مثل هذا الفعل الشاذ من طرف أوربيين؟
    لقد تأكد بعد هذه السقطة أن المعطي صار مصابا بمتلازمة المخزن، وهو المرض الذي يحجب عنه الرؤية الكاملة ويصيبه بالعوار أو العمى حيث لا يرى في الصورة إلا المخزن. كلام المعطي كان واضحا لا يحتمل التأويل ويتضمن تهوينا للحادث ويعكس موقفه الحقيقي من حرق المصحف الشريف وتحدث فيه بأريحية ودون ضغط وبناء على إعداد مسبق لما سيقول في برنامج صار شغله الشاغل جلد المغرب في أسبوع. كلام المعطي المستخف بهذا الفعل الشنيع يؤكد أنه فقد البوصلة وأعماه حقده على المغرب والرغبة في الانتقام بأي شكل ولو باستغلال أي حدث دون مراعاة مشاعر المغاربة وقد وقع في شر أفعاله مما أوقعه في حرج لم يخرج منه إلا وقد انفضحت حقيقته أمام المغاربة واكتملت “شوهته” على الملأ وسط المسلمين قاطبة.
    لماذا يُقْدِم المعطي على هذا النوع من الإسناد للسويد ضد بلده وشعبه ودينه؟ ونجد الجواب دائما في “النقد” الذي يعشقه المعطي، وهنا نتحدث عن الدولار والأورو وليس نقد الرأي الذي لا يتفق معه، ولذلك فهو يؤكد أنه يستحق عن جدارة واستحقاق تسمية المعطي “مول الجيب”. الجواب موجود في التمويلات التي يتلقاها المعطي وأشباهه من أنصاف الحقوقيين والإعلاميين من هذه الدول ومنظماتها الموازية لبرامجهم وجرائدهم ومواقعهم ومشاريعهم، وفي مثل هذه الحالات يكونون مجبرين على رد الجميل والقيام بالإسناد لهذه الدول، والجواب كذلك موجود في حرص المعطي على التمتع بحماية أجنبية، سياسية وإعلامية وحقوقية، من قبل منظمات هذه الدول لأنه يعلم أنها هي التي تبقت له لمواجهة سيل المتابعات التي يتعرض لها بعد انكشاف مخالفاته القانونية وتبديده للمال العام في قضاء مصالح شخصية وعائلية ضد ما خصصت له تلك التمويلات من نفع عام.
    استشعر المعطي مبكرا نهايته بعد “زلقته” وحجم الاستنكار الذي لقيته تصريحاته المسيئة مما جعله يستنجد بالحلفاء الإسلاميين، أساسا العدل والإحسان، فجاءه الرد مبطنا بأنه صار عبئا ثقيلا ويلزمه التدارك والاعتذار وتعويم الموضوع وخلط الأوراق بإدراج إسرائيل لعل ذلك يفتح فرصة للتضامن معه في الحد الأدنى وبشكل فردي من طرف الكاميكاز الفاشل في كل شيء الذي يتأكد يوما بعد آخر أنه صار رهينة لدى المعطي وزيان ورضى.
    ورطت سقطة المعطي الحليف الإسلامي الذي يدعي زورا الإحسان، أي أعلى مراتب الدين، لأنه وجد نفسه مضطرا للتغطية عن جريمة المعطي وعدم استنكار تصرفاته وهو ما أوقع هذه الجماعة في حرج مضاعف أمام قواعدها قبل المغاربة الذين نفضوا أيديهم عنها منذ مدة. ولهذا لا نستغرب حين يقل حصيص العدل والإحسان بهذا النوع من المواقف المتناقضة التي لا يفهمها أتباع الجماعة ويستنكرونها في السر دون القدرة على الجهر بعدم الرضى لأسباب يطول شرحها ولا يتسع هذا البوح لها الآن.
    نفس الجماعة التي تستنكر حرق المصحف الشريف وتدعي الدفاع عن حرمته وحرمة المسلمين تصمت وتساند وتتضامن مع المعطي دون استنكار تصريحاته التي لا تقل إساءة للمصحف والمسلمين عن فعل الحرق بسبب ضررها المعنوي. لم نسمع رأيا رسميا للجماعة بخصوص تهوين المعطي لحدث مستهجن تمثل في حرق كتاب الله عز وجل بل رأينا في المقابل تضامنا معه وهو ما يؤكد أن الجماعة كذلك أصيبت بعدوى متلازمة المخزن التي تصيب البصيرة قبل البصر.
    المسلك الآخر للمعطي كان هو التعميم والتعويم والكذب والتشهير بالمخالفين. لاستدراك خطئه حاول الهروب إلى الأمام دون الاعتذار الصريح للمغاربة عن الخطأ متعمدا تأويل كلام غير قابل للتأويل، ولمزيد من الحقد على المخزن فإنه اعتمد تقنية المزايدة بما يعيشه المسلمون في الهند وحرق القرآن الكريم من طرف صهاينة متطرفين ولكن المثير أنه عرض هذه المآسي بشكل بارد ومحايد ودون استنكار وهو الذي يدعي أنه حقوقي وكان يتطلب منه الأمر استنكار هذه الأفعال في حينها وليس توظيفها اضطرارا للمزايدة على المغرب.
    تعمد المعطي تغليط الرأي العام بالقول أن منتقديه وصفوه بأنه “يدافع عن حرق القرآن” والحقيقة أن ما قيل في حقه ليس دفاعه عن حرق القرآن ولكن تهوينه لهذه الجريمة والتماس الأعذار لمرتكبها وادعاء أنها لا تعارض الديمقراطية وعدم استنكاره لهذا الفعل وتوضيح خطورته وضرره وعلاقته بخطاب العنصرية والكراهية ومخالفته لحقوق الإنسان. واستمرارا في التغليط ادعى أنه تم “تحوير كلامه من طرف إعلام المخزن” وأن “الهدف منه الإضرار بمصداقيته وسمعته”. عن أي مصداقية تتحدث يا هذا؟ وأين يتجلى بالضبط التحوير لكلامك؟ ولماذا تستنكر على معارضيك مواقفهم والتعبير عن رأيهم طالما أنه ليس في ذلك ضرر بدني يلحقك قياسا على ما اعتمدته أنت شخصيا؟
    لقد تعمد المعطي السب والقذف بتسمية من ينتقده بأنه “رجس من عمل الشيطان” بل لجأ إلى اللعن “لعنة الله على الكاذبين”، وهذا ما يجعل المعطي المسلم يقع في خطأ لأن الحديث النبوي يقول “ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء”.
    لن ينفع المعطي الهروب إلى الأمام وتضامن الحلفاء فاقدي المصداقية والاحتماء وراء شخصيات أجنبية مثل منصف المرزوقي، كما لن ينفعه اللجوء كالعادة لنفس الأسطوانة المشروخة حول وقائع قديمة يقرأها برؤية أحادية بعيدة عن الموضوعية وخارج سياقاتها. الحل الوحيد أمامه هو الاعتذار الصريح للمغاربة ومراجعة طريقة تعامله مع القضايا التي تمس المغاربة. حينها ينتظر هل يقبل اعتذاره أم لا بناء على تصرفاته وتصريحاته، وبناء على مطالبته الدولة السويدية بتغيير قوانينها لوقف خطاب وسلوك الكراهية وازدراء الدين الإسلامي ومقدسات المسلمين. على المعطي أن يفهم أنه لحد كتابة هذا البوح لم يعبر عن هذا المطلب بشكل واضح وصريح!!!
    فرنسا الماكرونية من سيء إلى أسوأ. هذه هي الخلاصة التي حولها شبه إجماع بين الفرنسيين اليوم. لقد آثرتُ تجنب الحديث عن مقتل الفتى نائل برصاص غادر خارج كل الضوابط القانونية والحقوقية والأخلاقية وقت نشوب الاحتجاجات وارتأيت اتخاذ مسافة زمنية عن الحدث لأن المهم ليس هو صب الزيت على النار ولكن الاتعاظ من الحدث ولذلك فإنه يستحق الآن التطرق إليه بعد هذه المدة بهدف تقديم أدلة إضافية أخرى على صواب التحليلات والتوقعات التي أخبرنا بها منذ مدة حول الانهيار السريع لفرنسا التاريخية ولكشف أن السبب هو الإخفاق الداخلي الذي يؤدي إلى الانحسار الدولي. ليكن هذا واضحا فمشكلة فرنسا داخل فرنسا أساسا وليس خارجها، فقد كانت قوتها دائما تنبع من داخلها وهو ما تفرض به دوليا مكانتها.
    سياسات ماكرون تقود فرنسا نحو تهديد السلم الاجتماعي وتمزيق النسيج الوطني، وماكرون “المنحوس” يشعل فرنسا ولا يترك لها فرصة لتتنفس الصعداء بدءا باحتجاجات السترات الصفراء التي لم يوقف تصاعد موجتها إلا كورونا، ومرورا بالاحتجاجات ضد قانون التقاعد الذي لم ينهه إلا الاستعمال المتعسف للدستور بما يدق مسمارا آخر في نعش الجمهورية الخامسة التي تحتضر في زمن ماكرون الذي أضعف مشروعُه السياسي والحزبي المشهد الفرنسي التقليدي، وليس انتهاء بمقتل نائل الذي فضح الفشل الذريع في ادماج الأجيال الجديدة لأحفاد المهاجرين حيث كانت السمة الغالبة على المحتجين سنهم الذي يقل عن 17 سنة وهو ما جعل ماكرون يقترح بطريقة مستهجنة فرض غرامات على أولياء القاصرين الذين يتم ضبطهم وهم يرتكبون أعمال تخريب أو سطو ومعاقبة الأسر ماليا متناسيا أن الآباء لا سلطة لديهم على أطفالهم وأن النموذج التربوي الذي تتبناه فرنسا يتعارض مع هذا الاختيار، وهو نفسه، أي ماكرون، تمرد على والديه في صغره حين اختار الزواج من بريجيت. بل وصل الاستسلام بماكرون حد المطالبة بحبس الأطفال في بيوتهم معتبرا أن “من مسؤولية الآباء إبقاءهم في المنزل وليس من مهمة الدولة التصرف مكانهم”؟!!!
    فشلت فرنسا في إدماج مواطنيها من أصول أجنبية، وخاصة المسلمين بسبب عدم فهم طبيعتهم والتعامل المتطرف مع خصوصياتهم وعدم استشعارهم للأمان وسط فرنسا في ظل تصاعد تيارات اليمين المتطرف وتغلغل أنصاره في مفاصل الدولة وخاصة في الأمن، وعجز إدارة ماكرون عن سن قوانين رادعة للاستعمال المفرط والعشوائي للقوة ضدهم.
    لقد انفضحت أسطورة احترام حقوق الإنسان حيث لم يتسع صدر الإدارة الماكرونية أمام الاحتجاجات فلجأت إلى قطع صبيب الأنترنيت عن بعض المناطق وأباحت للقوات الإفراط في استعمال القوة بشكل همجي ودون محاسبة ووصل الحمق بها إلى حد مراقبة هواتف المارة في الطرق العامة والمراقبة الانتقائية للوثائق الإدارية بناء على سحنات الوجوه. هل هذه هي فرنسا الأنوار؟ هل هذه هي فرنسا مهد حقوق الإنسان؟
    وصل ضيق صدر ماكرون بهذه الاحتجاجات حد اقتراحه على الحكومة التفكير في السيطرة على شبكات التواصل الاجتماعي وقطعها عندما تخرج الأمور عن السيطرة خلال الاحتجاجات. والمصيبة أن يتقدم ماكرون بهذا الاقتراح أمام منتخبي الشعب في اجتماع لأكثر من 200 من رؤساء البلديات.
    فرضت إدارة ماكرون حالة طوارئ فعلية لا ينقصها إلا الإعلان الرسمي عنها أمام صمت الحقوقيين والإعلام الفرنسي الذي طبع سلوكه البرود وكأن الأمر لا يتعلق بخرق حقوق الإنسان والتضييق على حرية التجول والحق في الاحتجاج وانتهاكات واضحة من طرف القوات العمومية.
    من يتابع ردود أفعال أمنستي يلحظ انتهازية تعاملها وبرودة مواقفها مما يجري مقارنة مع الأستاذية التي تمارسها على دول أخرى وهو ما يؤكد ما قلناه مرارا بأنها لا تعدو أن تكون، إلى جانب مفترون بلا حدود، ملحقات للدولة العميقة في فرنسا.
    ماذا تنتظر أمنستي لتندد بخروقات السلطات الفرنسية وقد عرّضت الحق في الحياة للخطر وأزهقت روح شاب بدون موجب قانوني؟ ماذا تنتظر وهي ترى الاستعمال المفرط والمهين للقوة ضد فرنسيين؟ ماذا تنتظر وهي ترى التعسف في التثبت من هويات الفرنسيين ومراقبة هواتفهم واختراق خصوصياتهم بدون سند قانوني؟ ماذا تنتظر وهي تتابع تصريحات لمسؤولين فرنسيين على أعلى مستوى حول فرض قيود إضافية على المنصات الرقمية وتعطيل ميزات معينة أثناء أعمال الشغب مثل مشاركة الموقع الجغرافي وتعد بالنظر في إدخال تغييرات على مشروع القانون الذي قدم منذ أسابيع إلى مجلس الوزراء حول الأمن السيبراني واستخدام الأدوات الرقمية؟ ماذا تنتظر وهي ترى طلب فرنسا من المنصات الرقمية إزالة المشاركات التي قد تحرض على العنف في أسرع وقت ممكن وحرمان المستخدمين من إخفاء هويتهم؟
    الجهة الثانية التي فضحتها احتجاجات فرنسا بعد أمنستي وغيرها من المنظمات الحقوقية هي البرلمان الأوربي. المفروض أن هذه المؤسسة تمثل المواطنين، وضمنهم المحتجون، ولكن صمت البرلمان الأوربي كان مريبا ينم عن تواطؤ متعمد مع الدولة الفرنسية. كيف للبرلمان الأوربي أن يقف متفرجا على القوات وهي تستأسد على مواطنين عزل بعنصرية مقيتة دون تدخل من ممثليهم؟ أين هي الفرق البرلمانية التي تدافع عن “حقوق” مواطنين غير أوربيين في شتى بقاع العالم وتتجاهل مواطنيها الذين انتخبت من طرفهم ومن أجلهم؟ لماذا لم يصدر حتى الآن بلاغ عن هذه المؤسسة؟ لماذا لم تتشكل لجنة لتقصي الحقائق؟ لماذا لم يصدر تقرير أولي يبين تهمم هذه المؤسسة بما يحدث من خروقات تستهدف مواطنين أوربيين؟
    الجهة الثالثة التي فضحتها هذه الاحتجاجات هي الإعلام الفرنسي الذي يكتفي بتغطية باردة وموجهة للأحداث بشكل يلقي باللائمة على المحتجين بدون توازن وبدون تمييز بين الفعل ورد الفعل. هل يصح ما يروج له الإعلام الفرنسي الذي تناسى الفعل غير القانوني للشرطة ويركز فقط على ردود الأفعال الغاضبة من مواطنين؟ بهذه التغطيات يزيد الإعلام من منسوب الغضب لدى الشارع في الضواحي لأنه يرى في الإعلام سوطا في يد السلطات إضافة إلى وسائل القمع الأخرى.
    الجهة الرابعة التي فضحتها هذه الاحتجاجات هي “الحقوقيون” المغاربة حاملو الجنسيات الفرنسية. كيف يصمت عمر بروكسي الفرنسي عن هذه الخروقات التي تطال مواطنين شركاء له في الوطن والجنسية؟ كيف لم يفكك علي المرابط الفرنسي “الصحفي” و”المحقق” البنية السرية للدولة العميقة في فرنسا التي تحمي منتهكي حقوق الإنسان ضد مواطنين شركاء له في الوطن والجنسية؟ كيف لم نسمع تصريحا للمعطي منجيب الفرنسي وزوجته الفرنسية ينددان بهذه الانتهاكات التي وصل صداها لغير المتابعين فأحرى أن يتجاهلها أمثال المعطي؟ كيف لبوبكر الجامعي المواطن الأوربي، ونترك له حرية نشر جنسية البلد التي يحملها، أن يلتزم الصمت ويختار تجاهل هذه الانتهاكات الممنهجة لحقوق مواطنين يشاركونه المواطنة الأوربية وهو يقيم على بعد كيلومترات من مارسيليا المشتعلة؟ هذه عينة فقط من مزدوجي الجنسية الذين يتعاملون مع حقوق الإنسان بمنطق تصفية الحسابات والمصالح الشخصية فيغضون الطرف عن انتهاكات الدولة الفرنسية ويتنكرون للمواطنين الفرنسيين بينما يحرصون على الدفاع عن الحقوق إن تعلق الأمر بالدولة المغربية وبطريقة متعسفة مليئة بالحقد.
    الجهة الخامسة التي فضحتها هذه الخروقات هي فئة “الحقوقيين” المغاربة حاملي لواء كونية حقوق الإنسان وعدم قابليتها للتجزيء من أمثال فؤاد وماما خديجة وعمو عبد الحميد و”صناديد” الجمعية الذين لا يتركون صغيرة ولا كبيرة حول المغرب إلا ضخموها بينما أصابتهم نومة أهل الكهف تجاه الانتهاكات الممنهجة لحقوق الإنسان من طرف الدولة الفرنسية. لماذا لم نسمع لهم صوتا؟ لماذا هذا التجاهل لهذه الانتهاكات؟ ألا يفضح هذا السلوك عدم استقلاليتهم؟ ألا يكشف حقيقة استغلالهم لحقوق الإنسان فقط حين تخدم مصالحهم؟ أليسوا ملزمين بتبرير صمتهم للمغاربة؟ ألا يتعلق الأمر بخوف من فقدان الحماية والتمويلات؟
    صيف ساخن وفاضح هذا الذي ينتظر الطابور الخامس ويبدو أن السحر انقلب على الساحر، والنهاية اقتربت وساعة الحقيقة دقت. وحده المغرب يبقى منتصرا ويكتشف المغاربة أن شعارات الحقوق والحريات تنكسر أمام أول عقبة تصادفها دول مثل فرنسا ويطيعها في الدوس على هذه الشعارات الطوابرية الذين يؤكدون بصمتهم أن آخر همهم هو الدفاع عن حقوق المواطنين ولكنهم يستغلونها فقط لتأمين امتيازاتهم وتصفية الحساب مع من يهدد مصالحهم.

  • كل المتمنيات أن ينتصر في فرنسا صوت الحكمة وسياسة الإصغاء لمطالب المحتجين ويتم تجنب هدر مقدرات الدولة فيما يزيد من إضعافها، ولو أن الحل لن يأتي أبدا ممن يعتبر جزءا من المشكلة. ماكرون جزء من مشاكل فرنسا وحتما لن يأتي منه الحل وهذا ما صار يفهمه الفرنسيون وتعبر عنه استطلاعات الرأي المتواترة. ومقارنة بسيطة بين شيراك مثلا وماكرون تبين الدرك الذي يقود إليه ماكرون الفرنسيين في العالم.

    نلتقي في بوح آخر.

  • المصدر: شوف تي في
    تعليقات الزوّار (0)

    *

    التالي
    شرطة مراكش…توقيف شخص متورط في السياقة بطريقة استعراضية بالشارع العام