نوفل عبود..المغرب تطور في المجال الأمني لكنه ظل في مكانه في المجال الوقائي
أصبح المغرب في موقع ريادي ومرجعا لا محيد عنه على الساحة العالمية في مجال مكافحة الإرهاب والتطرف، بفضل استراتيجية محددة الأهداف تتسم بطابعها الاستباقي والشامل ومتعدد الأبعاد، وترتكز هذه الاستراتيجية على ثلاثة مرتكزات تتمثل في الوقاية، ومكافحة جميع أشكال الإرهاب وإعادة التأهيل. وتستمد خصوصية المقاربة المغربية جوهرها من الجمع، بشكل ذكي، بين البعد القضائي والأمني.
وقد تمكن المغرب، الذي أبان عن مستوى عال من اليقظة، وبفضل أجهزته الأمنية التي لها دراية كبيرة بتحركات الجماعات المتطرفة من تجفيف منابع الإرهاب. ولم يعد خافيا أن استراتيجية المغرب في محاربة الإرهاب، أصبحت مكسبا عالميا، وهي الاستراتيجية المبنية على ضرب الخلايا الإرهابية في مهدها، وتأهيل الموارد البشرية، وتنمية الإنسان حتى ينسجم مع ظروف العصر في إطار المبادرة التاريخية التي تسمى المبادرة الوطنية للتنمية البشرية. وهذه الاستراتيجية أصبحت اليوم درسا للعالم في مكافحة الإرهاب، وهي عملية هادئة تبناها المغرب الذي استيقظ ذات يوم على عمل إرهابي شنيع هز مدينة الدار البيضاء، فتحولت تلك المحنة إلى منطلق لمكافحة الإرهاب والقضاء عليه في مهده وقبل أن يتحول إلى تنفيذ مخططاته.
وفي هذا الإطار، أكد نوفل عبود، خبير في قضايا الإرهاب، والمدير التنفيذي لمنظمة مركز الشمال لتحويل الصراعات، أن الإستراتيجية التي وضعها المغرب من أجل مكافحة الإرهاب والتطرف الديني أعطت ثمارها بفضل الحنكة الأمنية والاستراتيجية التي وضعتها من أجل تجفيف منابع الإرهاب.
مضيفا أن المغرب نهج خيارا مختلفا عن باقي البلدان، فهي إما بلدان تعتمد الخيار الأمني وحده وإما أنها تستسلم للإرهاب، في حين أن المغرب اختار خيارا ثالثا ذا أبعاد ثلاثة، قوامها الضربات الأمنية الاستباقية للخلايا الإرهابية، وتمكين المواطن من الولوج إلى الخدمات وبناء اقتصاد فاعل ومتفاعل، وتأهيل الحقل الديني في أفق محاربة التطرف الفكري الذي ينتج عنه التطرف المادي.
من جهة أخرى، أكد الخبير في مجال الإرهاب أن “محاربة الإرهاب من الناحية الأمنية عرفت تطورا كبيرا، لأن الأمن المغربي المختص في محاربة الإرهاب تمكن من رصد مجموعة من خلايا الإرهاب، لكن يجب التفكير في التطرف العنيف وكيفية مكافحته، هنا يجب الحديث عن مقاربتين، الأولى أمنية، والتي تتعلق بالخصوص بمجال الأزمات بحيث ننتظر حتى تظهر علامات خلية ما، آنذاك نحاول معالجة الأزمة مثل ما وقع في إمليل، والخلايا التي تم اعتقالها مؤخرا، هنا المغرب ذهب بعيدا في محاربة الإرهاب، أما المقاربة الثانية فوقائية وهي مهمة أيضا، إذ إن كل أزمة من أزمات الإرهاب إلا ونجدها قد مرت بمجموعة من المراحل، في وقت لم نراهن فيه نحن على الوقاية كمقاربة للتصدي للتطرف العنيف، ففي مجال المحاربة هناك تطور، ولا يمكن أن نحصر ذلك في الوقاية الأمنية فقط. أضف إلى ذلك دور المجتمع بصفة عامة، وهنا يجب أن تعطى الثقة للمجتمع المدني وللفاعلين، وأن تكون هناك خطة تشاركية في المغرب، إذا من أجل محاربة التطرف يجب أن تكون لدينا وقاية تشاركية بين المجتمع المدني والأمني، والخلاصة هي أنه يجب أن يكون للوقاية مفعول أكثر”.
وأردف عبود قائلا : “حين نتكلم عن الإرهاب يجب أن نكون متفقين على مؤشرات النجاح، وهنا نطرح السؤال إلى أي حد نجح المغرب في القضاء على هذه الظاهرة؟ أظن أن القضاء على القاعدة أو داعش، ليس من المؤشرات الدقيقة التي تكون سببا في محاربة الإرهاب، لأنه وكما لاحظنا الجماعات الإرهابية تتغير، وتغيرت خططها، وتتغير أهدافها، بحيث في البداية كنا نتحدث عن القاعدة، بعد ذلك بدأ الحديث عن داعش، والآن عن الذئاب المنفردة، إذا هنا يجب أن لا نتحدث عن الجماعات الإرهابية أكثر، ولكن يجب أن نهتم بالمواطن المغربي، فإلى أي حد يمكن أن نؤثر على المغربي لئلا يهاجر إلى الخارج وأن نقدم له كل الخدمات، وكيفية تطوير التعليم، والتربية الفنية، فأخطر الفيروسات التي توجد هي التي تترسخ في ذهن الإنسان، إذا قبل ما يصل هذا الفيروس لذهن الإنسان يجب أن نضع له وقاية محكمة لا تترك مجالا لأي حركة من الحركات التأثير عليه”.
وعن سؤال حول غياب التأطير للفرد من الناشئة والمتابعة التعليمية وغيرها من الأشياء التي تساعد على الوقاية كما كان في السبعينات والثمانينات،أجاب الخبير في الإرهاب أنه “لا يجب أن نحمل المسؤولية للأشخاص الذين يذهبون إلى داعش، أو ينضمون إلى جماعات إسلامية، المسؤولية الفردية، فحين يحاول الفرد تخريب المجتمع هنا نتحمل جميعا هذه المسؤولية، خاصة المؤسسات التعليمية والبيت، والدولة، المغرب تطور بشكل كبير في المجال الأمني، لكن في المجال الوقائي لازال في مكانه، ولا يمكن أن نرجع أي مشكل إلى الفقر أو التهميش، فخلال السبعينات والثمانينات كانت الحالة الاقتصادية للمغرب أصعب بكثير من اليوم، في حين أن الشباب وجدوا متنفسا في المسرح وفي الفن، سواء الذين لديهم مستوى تعليمي، أو الذين لم يدرسوا من قبل، بمعنى هؤلاء الشباب كان لديهم التعليم البديل، وكان لديهم متنفس في دار الشباب. هذه الأشياء للأسف غابت اليوم، وغاب المجال الوقائي”.
المصدر: شوف تي في
