الإرهاب غريب عنا.. لكن ليس بعيدا عنا
خلفت المذبحة الإرهابية التي شهدتها منطقة شمهروش الأسبوع الماضي صدمة كبرى وسط المغاربة، واهتز الرأي العام على وقع فيديو لمتطرفين ينحرون بوسائل بدائية جدا سائحتين اسكندنافيتين وثقتا في أمن البلاد واستقرارها، حيث اختار متزمتون أعماهم التطرف الأعمى أن يبصموا سنة 2018 بالدم وبطريقة وحشية مقززة..
البعض اتهم داعش، وآخرون بحثوا عن الأثر الدولي فيما حدث بأرض سبعة رجال، فقط لأن المغاربة بطبعهم مسالمون، خاصة في الأماكن البعيدة عن المدن والازدحام السكاني، وفي منطقة نائية اعتادت أن تفتح أحضانها لسائحات وسواح أجانب بكرم حاتمي من طبيعة هذه الأرض السمحة، المغاربة منذ خلق الله هذه الأرض، بأمازيغهم وعربهم، الذين يسكنون الصحراء أو السهول أو الجبال.. مشهود لهم عالميا بسرعة اندماجهم مع الأجنبي، وبقدرتهم على البدل والعطاء، وبرغم الحاجة المادية والفقر لم يبتزوا السياح ولا احتالوا عليهم في هذه الهوامش النائية التي يحجها المئات من السياح الهاربين من ضجيج المدينة، ليستمتعوا بالطبيعة وبتلقائية الناس “اللي باقي مدخلهم الدغل ديال المدينة”، لم نصدق أن من أقدموا على هذه الجريمة الشنعاء يمكن أن ينتسبوا لهذه البلاد السمحة التي تآلفت فيها حضارات وثقافات وجنسيات وأعراق وأديان مختلفة..
لكن يجب الحذر، فإذا كان الإرهاب غريبا عن أرضنا فهو قريب من سمائنا، هناك من يقدم غطاء إيديولوجيا لهؤلاء القتلة، ويجب ألا ننام على جنب الراحة ونقول إن هذا البلد آمن، صحيح أننا خلال ربع قرن، أي من عام 1994 إلى آخر عملية إرهابية لعام 2018، لم يشهد المغرب سوى خمس هجمات إرهابية كانت أقواها أحداث 16 ماي 2013 بالبيضاء، والثانية بمراكش مع تفجير مقهى أركانة عن بعد، وأن الأجهزة الأمنية تقوم بدور استباقي وتفكك سنويا العشرات من الخلايا الجهادية باستراتيجيتها الاستباقية، لكن الإرهاب ليس قضية الدولة وأجهزتها لوحدها، بل هو قضية مجتمع بكافة مكوناته، عليه أن يقاوم كل من موقعه الأفكار المتطرفة، في المنزل كما في المدرسة والجامعة، في العمل كما في الجمعيات والأحزاب وسائر مؤسسات الدولة، في النقابات والمنظمات، في الشارع العام كما في الإعلام وفي المسجد، في الخطابات كما في الممارسات والسلوكات، علينا مقاومة هذا الفكر الدخيل الغريب عن تربة ثقافتنا وديننا المتسم على مدى التاريخ بالوسطية والاعتدال وروح التسامح..
إنها حرب مجتمع الحداثة والتقدم مع قوى الظلام والتطرف، هي حرب جماعية أسلحتها العلم والتكوين والتنوير وإشاعة الحريات وحماية مكتسبات أمة تريد أن تنعتق من أَسْر التخلف والجهل، في مواجهة فكر دخيل متشبع بالأوهام والأحقاد لإشاعة الفتنة والقتل باسم الجهاد والحرب المقدسة ضد الكفر، فالمغرب ليس فقط مصدرا للإرهاب بل هو مُكتوٍ بصهده وناره، والذين كانوا يستغربون أو يسخرون أو يشككون كلما تم تفكيك خلية إرهابية، عليهم اليوم أن يعلموا أن الدولة ليست صبيا يلعب بالدمى، ولا يمكن أن تتلاعب وتكذب وهي مراقبة من طرف دول العالم المنخرطة في مكافحة الإرهاب.. وفوق هذا وذاك فالمتهمون المعتقلون يحالون على القضاء ولهم أسر ومحامون يدافعون عنهم في إطار المحاكمة العادلة، وها هو معتقل سابق محاكم في قضايا الإرهاب يعود من جديد وينشر فكره الظلامي في حيه ويقود جريمة شمهروش الشنعاء.
نريد للمغرب أن يبقى منارة للفكر التنويري والحداثي، لا يعيث فيه المتطرفون والجهلة فسادا، أرضا للتسامح وروح الوسطية والاعتدال، والمقاربة الأمنية الناجعة التي نهجتها الدولة وحدها ليست كافية، فالذين سمحوا لأنفسهم بترويج الفيديو الشنيع المنسوب إلى نحر السائحتين الاسكندنافيتين، والذين يصرون على نشر التعصب والظلامية في أوساط ناشئتنا بالمدارس والمساجد، والجماعات الضيقة الأفق التي تنصب نفسها مدافعة عن الإسلام المتشدد مسؤولة بشكل أو بآخر عن تقديم الغطاء للإرهاب، ولا يجب أن نستسلم لكمشة من الجهلة والأميين والذين يدوخهم التطرف الأعمى في أن يزعزعوا استقرار البلد وثقتنا بأنفسنا، فحي على العمل.
