1

بوح الأحد: لعبة الصورة، سليمان يبحث عن صورة بكرسي متحرك، إيران تخسر رهان..

بوح الأحد: لعبة الصورة، سليمان يبحث عن صورة بكرسي متحرك، إيران تخسر رهان..

A- A+
  • بوح الأحد: لعبة الصورة، سليمان يبحث عن صورة بكرسي متحرك، إيران تخسر رهان المشاركة وتونس تبحث عن مخرج مؤسساتي وأشياء أخرى

    أبو وائل الريفي
    دخلت محاكمة الريسوني مرحلة أخرى بعد الفضيحة التي تسبب فيها سليمان الأسبوع الفارط بامتناعه عن الحضور واشتراط نقله في سيارة إسعاف وحمله على كرسي متحرك رغم أن التقارير الطبية والإدارية وشهادات الحراس تؤكد أن حالته الصحية لا تستدعي ذلك. لقد صار واضحا اليوم أن سليمان ومن يدفعه إلى إطالة الإضراب عن الطعام يبحثون عن صورة له بكرسي متحرك لتعبر عما عجزوا عن تحقيقه طبيا وعلميا أمام تقارير كان يمكنهم الطعن في مصداقيتها لو كانوا متأكدين من زورها وكذبها. فهل يستطيعون الإتيان بشهادات أطباء آخرين مخالفة لما هو مسطر في تقارير من كشف عن حالته ومن يتابعه يوميا؟
    لقد بذل المعطي ب”تنوعيره” الممجوج والمفضوح مجهودا ليمثل سليمان أمام المحكمة بكرسي متحرك جلسة الثلاثاء الماضي التي حضرها  كريستوف ديلوار الأمين العام لمنظمة مراسلون بلا حدود لاقتناص الصورة/المفتاح وترويجها على أوسع نطاق بتصويره وكأنه في وضعية صحية حرجة تأسيا بشفيق العمراني ولرفع تهمة التأجيل عن هيأة الدفاع التي عجزت عن إبعادها عنها في الندوة الصحفية التي بدا فيها المتحدثون في حالة دفاعية تبين الحرج الذي وضعوا أنفسهم فيه، أو بالأحرى وضعهم سليمان فيه، بعد طلبات التأجيل المتكررة وغير المبررة عمليا والتي تجعل كل من يطلع على الملف يكتشف أن هناك إصرار غير مفهوم على الهروب من جوهر المحاكمة وتفادي الخوض في موضوع المتابعة. وكما يقال إذا عرف السبب بطل العجب. والسبب كما لا يخفى على أحد هو شعور الجميع بحالة الارتباك التي شابت كل تصريحات سليمان التي انتقلت من إنكار معرفته بالمدعي إلى الاعتراف بمعرفته، ومن إنكار أنه دخل بيته إلى الاعتراف بعكس ذلك، ناهيك عن رفضه أخذ عينة من صوته لعرضها على الخبرة ومعرفة مدى مطابقتها مع تسجيلات المكالمات بينه وبين المشتكي، إضافة إلى اللجوء إلى التقنيات الحديثة التي مكنت من معرفة مكان وجودهما معا وقت الحادثة.
    إن هذه الوقائع المادية التي لا يمكن إنكار صحتها تضع سليمان في زاوية ضيقة وتجعل خيارات الدفاع ضئيلة في إثبات براءته، وتضع الحقوقيين في حالة تناقض مع مبادئهم بانتصارهم لطرف معتد على طرف مشتكي رغم تعرضه لمحاولة اغتصاب بالقوة.
    لقد كان الأولى بدفاع سليمان أن يكونوا أحرص على صحة موكلهم بتسريع المحاكمة طالما أن الملف جاهز منذ مدة، وكان الأولى للحقوقيين مناصري سليمان التمسك ببراءته، وهي الأصل، دون تبني روايته بما يضر بالطرف المشتكي وبما يعكس نزعة ذكورية تنتقص من حق المشتكي.
    زيارة أمين عام مراسلون بلا حدود التي سوق لها قبل حدوثها تمت كما أراد لها مسؤولو المنظمة حيث عاينوا كل شيء على طبيعته، ولم يجد كريستوف ديلوار حلا سوى اللجوء إلى الملك طالبا تدخله باعتباره ضامن الحقوق والحريات، وهذا حقه طبعا، متناسيا أن السوابق أكدت أن الملك ينأى بنفسه عن التدخل في قضايا معروضة أمام المحاكم وأحد أطرافها من رعاياه كذلك، وكان يستحسن أن يتوجه بطلبه إلى سليمان كذلك ليسرع المحاكمة ويقول القضاء كلمته وبعدها لكل حادث حديث، أو يتوجه إلى الطرف المشتكي ويستمع إليه كذلك وهو ما لم يتم للأسف الشديد، وهذه ستحسب ضد المنظمة طالما لم تتواصل مع المشتكي. أما حالة الابتزاز التي يحاول عبثا سليمان تجريبها مع القضاء فلن تنفعه، واستراتيجية الإنكار لم تفد وضعيته لأن الأدلة موجودة ومتواترة وما عليه سوى مواجهتها بأدلة مضادة أو اعتراف صريح بالمنسوب إليه، ومحاولة قياس وضعه مع ملف المعطي أو شفيق العمراني غير ممكنة لأنه لا قياس مع وجود الفارق وإلا فهو الوهم يسيطر على تفكيره وقد يقوده إلى الهلاك والإضرار بصحته ووحده يتحمل مسؤولية ذلك ومعه طبعا من يدفعه لهذا الوضع ويزين له سوء عمله بحثا عن صفة شهيد يزين بها بياناته ضد المغرب.
    لقد صار واضحا للجميع أن سليمان يتعمد الاستمرار في إضرابه ويرفض كل المساعي المبذولة والأيادي الممدودة له، ويشترط شرطا تعجيزيا يضرب استقلال السلطة القضائية ويضع، في حالة الاستجابة إليه، العدالة ومصداقيتها في خبر كان، حيث سيصبح الإضراب عن الطعام أسلوبا لنيل السراح المؤقت وتخفيض الأحكام.
    لقد اكتشف ممثل مراسلون بلا حدود أن جلسات المحاكمة علنية وأبوابها مفتوحة والإعلام يتابع أطوار الجلسة بدون رقابة واكتشف أن غياب سليمان غير مبرر واشتراطاته غير قانونية وغير منطقية ولا يمكن قبولها في فرنسا ونتذكر محاكمة طارق رمضان الذي لم تقده وضعيته الصحية إلى تمتيعه بالسراح المؤقت، وهو بالمناسبة صرح وسط هذا الأسبوع بأنه سيتقاعد من عمله الجامعي بسبب تفاقم وضعه الصحي مذكرا أنه كان مريضا منذ 2014 بمرض التصلب المتعدد، ولكن وضعه تفاقم بعد اعتقاله سنة 2018 مؤكدا أنه رغم رأي الطبيب الأول في السجن الذي اعتبر أن حالته الصحية لا تتلاءم مع اعتقاله قرر القضاة الإبقاء عليه في السجن عشرة أشهر. هل يمكن أن يلام القضاء الفرنسي على هذا التقدير؟ وهل توقفت المتابعات ضد طارق رمضان بعد ذلك؟ يمكن لأي شخص أن يعرف بأنه رغم وضعه الصحي ما تزال التحقيقات متواصلة مع طارق رمضان للعام الرابع على التوالي والمراقبة القضائية التعجيزية لا تزال تمنعه من مغادرة فرنسا. هذه حقائق لا تغيب عن الحقوقيين الذين يريدون تقديم دروس للمغرب والضرب في استقلالية قضائه. ويمكن لكريستوف ديلوار، إن أراد معرفة المزيد عن الملف، الاطلاع على تفاصيله وحينها يمكنه إصدار موقف محايد وموضوعي يراعي قرينة البراءة وهي الأصل ويراعي في الوقت نفسه استقلالية القضاء لأن السراح المؤقت تقدير قضائي، وحينها سيكتشف من يعطل سير الدعوى وأسباب ذلك.
    ومن تنوعير المعطي كذلك ترتيبه للقاء بين أمين عام مراسلون بلا حدود ومجموعة من أصحابه وحوارييه مع تغييب ملحوظ لصبي العدل والإحسان بناجح ولد محمد بن الجيلالي. على اعتبار أن العدل والإحسان مجرد لعبة في يد المعطي ورفاقه يوظفونها متى كان ذلك مناسبا لهم ويخفونها متى كان ظهورهم يضر بطابعه الحداثي. بناجح الذي احترف التدوين في ملف الريسوني والحضور في كل المحطات غاب، أو بالأحرى غيب، عن محطة كان يتمناها لالتقاط صورة يزين بها بروفايله الفقير إلى مثلها وهو الحريص على المقدمة وأخذ الصور بمناسبة وبدونها.
    لقد حرصت في بوح هذا الأسبوع أن أقدم هذا الحدث على تحولات إقليمية مفصلية ترهن مستقبل المنطقة في السنوات القادمة حتى يكون الرأي العام على بينة من محاولات التبوحيط الحقوقي الذي يراد له التأثير العاطفي واستمالة المتابعين باستدرار عطف على سليمان الذي يتحمل وحده مسؤولية ما يلاقيه. ولوكان المعطي حقوقيا ومحايدا لاستمع إلى الطرف الآخر المشتكي بسليمان وعمر. لماذا يتحاشى ذلك؟ وحده المعطي يعرف أنه سيشعر بحالة انفصام أكيدة في شخصيته بين المبادئ التي يسوقها وحقيقة ممارسته العملية.
    تنبئ كل التحولات التي تعرفها هذه الأيام منطقة المينا “شمال افريقيا والشرق الأوسط” بأنها ستبقى منطقة تستأثر باهتمام المنتظم الدولي. فلم نخرج بعد من تداعيات أحداث القدس والحرب على غزة حتى دخلنا في انتخابات إيرانية برهانات كبيرة لأن نتائجها سترهن مستقبل المنطقة لسنوات مستقبلا. وهوما عبر عنه خامنئي بأن “ما يفعله الشعب الإيراني اليوم، يحدد مصيره ويبني مستقبله لعدة سنوات”.
    لم تكن الانتخابات الرئاسية الإيرانية مجرد انتخابات دورية كمثيلاتها في دول العالم، ولكنها كانت انتخابات بطعم الاستفتاء على النظام يراد لها أن ترسل إلى الخارج رسائل مفادها أن النظام له قاعدة شعبية وحوله التفاف شعبي. ولذلك فقد كان التركيز أكثر على الانتخابات الرئاسية رغم أنها انتخابات شملت في وقت متزامن أربع عمليات انتخابية، وهي الانتخابات الرئاسية وانتخابات المجالس البلدية والقروية والانتخابات التكميلية لمجلس خبراء القيادة والانتخابات التكميلية لمجلس الشورى/البرلمان.
    لقد كانت القيادة حريصة على أن تظهر هذه الانتخابات باعتبارها تنافسية وعليها إقبال شعبي. فماذا كانت النتيجة؟
    غابت التنافسية عن هذه الانتخابات بعد تدخل مجلس صيانة الدستور لاستبعاد جل مرشحي التيار الإصلاحي واستبعاد بعض مرشحي التيار المحافظ مثل لاريجاني وأحمدي نجاد بدون مبررات واضحة ومقنعة، ولذلك لم يستغرب أن تكون النتيجة اكتساح مرشح المحافظين بفارق كبير. لقد فضحت هذه الانتخابات الدور الكابح الذي يلعبه مجلس صيانة الدستور الذي صنع الخريطة فعليا قبل يوم الاقتراع ومهد الطريق لفوز كبير لمرشح المرشد. وللإشارة فقد ترشح في البداية حوالي 600 مرشح ولكن لم تتم الموافقة سوى على سبعة مرشحين من الرجال في النهاية، انسحب ثلاثة منهم قبيل يوم الاقتراع.
    وعرفت المشاركة أدنى نسبة لها في تاريخ الانتخابات الرئاسية، حيث لم تتجاوز 48,8 في المائة وهي أقل مما عرفته انتخابات عام 1993 حين وصلت 50,61 في المائة. لقد شارك هذه المرة فقط حوالي أكثر من 28 مليون من أصل أكثر من 59 مليونا يحق لهم التصويت، وسيبقى يوم الجمعة الفارط 18 يونيو هو الأطول في تاريخ الانتخابات الإيرانية بعد أن مددت السلطات المشرفة للمرة الثالثة موعد إغلاق صناديق الاقتراع بسبب عزوف الإيرانيين عن الإدلاء بأصواتهم ولم تغلق مراكز الاقتراع حتى الثانية بعد منتصف الليل حيث تم تمديد الاقتراع لغاية العاشرة ليلا ثم إلى غاية منتصف الليل بسبب تبرير غريب لوزارة الداخلية مفاده بأن “مراكز الاقتراع ملزمة بقبول بطاقات الاقتراع ما دام هناك أشخاص يرغبون بالإدلاء بأصواتهم”.
    لقد خسرت إيران رهان المشاركة رغم استدعاء صور قاسم سليماني للعب على عواطف الإيرانيين ورغم الفتوى الدينية للمرشد والولي الفقيه خامنئي الذي حرم المقاطعة ودعا الإيرانيين إلى المشاركة بكثافة في عملية الاقتراع، والقيام بهذا “الواجب” في أسرع وقت ممكن، مشددا على أن المشاركة الواسعة ستسمح للبلاد والنظام بتحقيق مكاسب إضافية على الساحة الدولية. ويتضح هذا الفشل من خلال تدني المشاركة مقارنة مع آخر انتخابات عرفتها البلاد قبل أربعة أعوام والتي بلغت نسبة المشاركة فيها 73 في المائة وعرفت حينها فوز روحاني على رئيسي. ويشاء مكر الصدف إلا أن يفضح المشاركة والتنافسية لأن رئيسي الخاسر عام 2017 حاز حينها على حوالي 16 مليون صوتا ولكنه هذه المرة فاز باكتساح رغم أنه حاز فقط حوالي 17 مليونا و800 ألف صوت. كما أن مناشدات خامنئي لم تنفع مع الإيرانيين الذين فضلت فئات واسعة منهم الإدلاء بصوتهم من خلال بطائق بيضاء بلغت رقما قياسيا تجاوز أربعة ملايين والمعتاد أنها لا تتجاوز نصف المليون.
    الآن، وبعد إعلان النتائج يتضح أن مرشح المرشد اكتسح فعلا ولكن بمشاركة أقلية، وتم تقوية موقع الرئاسة فعلا ولكن لخدمة الدولة العميقة التي يمثلها المرشد والحرس الثوري، وستعيش إيران الولاية القادمة على وقع تناغم فقدته في الولاية السابقة بين مؤسسات صنع القرار التي هي المرشد والرئيس ومجلس الشورى والحرس الثوري ومجلس الأمن القومي، ولكن الحلقة الأضعف ستكون هي الرئيس الذي سيكون مضطرا للاستعانة بخبرة وكفاءة المعتدلين وللحفاظ على نفس أولوياتهم. ولهذا ستعيش إيران حالة تناقض تتمثل في رئيس محافظ ببرنامج إصلاحي مغلفة بشعارات ثورية. وهوما برز منذ اليوم الأول بعد الانتخاب حيث أعلن رئيسي رغبته في علاقات جيدة مع السعودية والتزامه بمفاوضات الاتفاق النووي في فيينا وما ستسفر عنه.
    والوجه الآخر للمعادلة الذي كشفته هذه الانتخابات هو حجم الفساد الذي يعشش في إيران والذي شكلت محاربته نقطة تحول جمهور كبير من الناخبين نحو رئيسي. وهنا يطرح السؤال على حصيلة الجمهورية الإسلامية بعد أزيد من أربعة عقود من الثورة. ماذا قدمت كنموذج على مستوى التدبير مع هذا الحجم من الفساد؟ ولا ننسى الصعوبات التي ستواجهها بسبب الماضي الأسود للرئيس الجديد في ملف الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان ودوره في آلاف الإعدامات سنة 1988 حين كان مدعيا عاما في طهران، وتهديده بإعدام محتجي الحركة الخضراء عام 2009. لقد كان لافتا للنظر انتشار تسجيل صوتي للراحل حسين علي منتظري، الرجل الثاني في الثورة، سربه ابنه أحمد منتظري عام 2016، يفضح فيه رئيسي الذي كان عضوا في لجنة قضائية أقرت أحكام الإعدام ضد معارضين للثورة عام 1988. فكيف سيتعامل المنتظم الدولي مع رئيس بهذا الماضي؟ وهل لم تجد إيران بديلا عن هذا المرشح؟ أم هل تناست هذا الماضي؟ هل ضاقت الخيارات أمام الدولة العميقة في إيران فصارت تشكك في المقربين منها ولا تثق إلا في قلة قليلة صارت مضطرة لدفعها للواجهة بغض النظر عن مثالبها؟
    إن الدفع برئيسي للمعركة الانتخابية وهو أحد المسؤولين الكبار الذين تشملهم العقوبات الأمريكية منذ 2019 دليل على أن الخيارات ضاقت فعلا أمام المرشد ومحيطه، وهم يبحثون عن رضى الشارع الإيراني واستمالته بمرشح يطلق عليه “أبو الفقراء” ومعروف عنه في فترة رئاسته للسلطة القضائية بإنجاز في مواجهة الفساد وهو الشغل الشاغل للإيرانيين الذين ضاقوا درعا بالحصار المفروض على الشعب ولم يعد يهمهم في شيء قضايا المقاومة وتمويل المنظمات غير الإيرانية وأجندة المرشد والحرس الثوري.
    وإذا كان هذا هو حال ثورة لبست لبوس الإسلام منذ نشأتها فانتهت بتفاقم الفساد وحرمان الشعب من رفاهيته رغم الثروة النفطية الهائلة للدولة، فإن حال ثورة أخرى لا يسر عدوا لأنها تعيش أسوأ حالاتها رغم التسويق الذي رافقها باعتبارها واحة الديمقراطية في منطقة المينا. والمقصود طبعا هنا تونس الخضراء التي يوشك لونها أن يتحول إلى غير الأخضر بعد ارتفاع أخبار محاولات الاغتيال التي تطال الرئيس ورئيس البرلمان وهو ما يذكرنا باغتيالات سابقة مثل شكري بلعيد وغيره. حفظ الله تونس وشعب تونس وجوار تونس.
    لقد وصل الحال ب”الثورة النموذجية” لما بعد ما سمي ب “الربيع العربي” أن ينشغل الحكام والنخبة بالدستور والمناصب والتعديل الحكومي والانتخابات المبكرة في حين أن الشعب يطحنه الوباء والفقر والفاقة والحرمان، وهوما يبين أن تونس تتجه نحو المجهول إن لم يستدرك الشعب أموره ويلفظ كل النخب. تونس ما بعد الثورة خليط من الفشل الناتج عن سوء تدبير الاختلاف وفائض الشعبوية وتخدير الشعب بالأوهام والإفراط في السياسوية على حساب الملف الاجتماعي والاقتصادي الذي كان محرك الاحتجاجات الشعبية، وها هو الشعب يكتشف بعد عشر سنوات أنه في وضع أسوأ مما كان عليه حتى في مجال الحريات التي سوقت منذ سنين وكأنها إنجاز غير مسبوق. وصور الاعتداءات التي طالت توانسة من طرف قوات الأمن خير شاهد.
    هل أخطأ التوانسة حين صادقوا على دستور يشرع نظاما برلمانيا في بيئة يستحيل أن ينجح فيها النظام البرلماني لأنه يتطلب ثقافة سياسية ونظام معاملات لم تستأنس به البيئة العربية منذ القدم؟ وهل يتحمل الشعب المسؤولية أصلا في هذا الخطأ وهو الذي لم يستفتى على نص الدستور الذي اكتفي في إقراره بمصادقة البرلمان عليه؟ وهذا هو أكبر خطأ يفضح أسلوب الكولسة والمناورة التي طبعت سلوك الترويكا الثائرة والحاكمة حينها والتي فصلت دستورا على مقاسها وحكومة محاصصة على مقاسها وبرلمانا على مقاسها؟ هل يتجرأ مرتكبو هذه الجريمة فيعترفون بجريمتهم هذه في حق الشعب التونسي؟ وهل يحق أصلا لرئيس أن ينقلب على دستور هو أساس مشروعيته وأقسم على احترامه فيعمد إلى تعطيله؟ وهل يجوز لهذا الرئيس أن يجعل أولويته تعديل دستور لم يكن ضمن برنامجه الانتخابي تعديله؟ وهل يقبل منطقا أن تتعطل مؤسسات الدولة في ظرفية حساسة مثل التي تعيشها تونس بسبب تناقض مصالح مكونات الرئاسات الثلاث؟ وهل هذا المصطلح أصلا ينفع الانتقال بتونس إلى بر الأمان؟
    لقد كان الراحل السبسي كبيرا ولم يعمد إلى تغيير أجندة تونس رغم شعوره المبكر بالثغرات الدستورية ورفض تعديل الدستور كأولوية للانتقال من نظام برلماني صار واعيا بإكراهاته وعوائقه إلى نظام رئاسي لأنه كان يستشعر الطابع الاستعجالي للخطر الاقتصادي والاجتماعي الذي يحيط بتونس. وللأسف لم يكن جزء كبير من النخبة التونسية في مستواه لإخراج تونس من عنق الزجاجة التي تضيق على التوانسة يوما بعد آخر.
    لا يمكن للمتأمل إلا ملاحظة مآلات هذا النموذج الذي سوقه يوما ما الثوريون كأنه المثال الذي يجب أن يحدو حدوه الجميع. ولا يسعني إلا التذكير بما قلته أكثر من مرة في هذا البوح بأن الانتقال إلى الديمقراطية يلزمه نظام رئاسي دستوريا وأن يكون عمليا رأس هرم السلطة شخصا واعيا بطبيعة المهمة وعلى مسافة من كل الفرقاء وأقرب إلى نبض المجتمع وربانا حكيما وحازما وقت الحزم بقرارات تستدعي أحيانا أن تكون من خارج الصندوق ولكنها تحظى في النهاية بقبول الفرقاء والشعب على حد سواء.
    لا تسير الدول بالأحلام الثورية والمزايدات الكلامية والخطابات المنمقة، ولا تدور عجلتها بغير مشروعية الإنجاز على ارض الواقع. وعند الامتحان والضوائق تظهر النتائج، وقد عرت كورونا كل الدول التي كانت تتغطى بالنفس الثوري والخطابات الثورية.
    ومرة أخرى، أعيد التذكير بأنه يجب التخلص من الاكليشيهات والأحكام الجاهزة والنظر في تجربة المغرب منذ 2011 بإنصاف أمام ما نعيشه اليوم على كل المستويات. لقد نجح المغرب في تنظيم أكثر من استحقاق انتخابي ناجح بدون مشاكل وتشتغل مؤسساته رغم الاختلافات بين مكوناتها بشكل سلس وتقوم الملكية بدورها كضامن وحكم بدون تدخل مفرط أو ابتعاد مخل وكان الاختبار الحقيقي طيلة أكثر من عام من الوباء بين أن الدولة قوية وقادرة ولا تتخلى عن مواطنيها بما أوتيت من إمكانات محدودة. وها هو المغرب نجح في التصدي للوباء بأقل الخسائر في الأرواح والمرضى فلم تنهر منظومته الصحية رغم مشاكلها التي لا تخفى على أحد، ونجح في حملة التلقيح التي وصل عدد الملقحين بالجرعة الثانية أكثر من ثمانية ملايين، ونجح في تأمين استمرارية المرافق العامة بشكل عادي منذ شهور، ونجح في تأمين المستلزمات الغذائية وسد الباب أمام كل المضاربين وتجار الأزمات، ونجح في تحقيق الأمن اللازم رغم الصعوبات والإنهاك الذي طال رجال السلطة ونساءها بسبب قلة العدد وضعف الإمكانيات. إنه النموذج المغربي الذي ينجح في تحقيق التغيير الهادئ في ظل الاستمرارية بما تعنيه من تدرج وتراكم إيجابي.
    إنه المغرب، مغرب العزة واثق الخطو ثابت المواقف، يواصل طريقه بكل إباء، دام له النصر والتمكين وإلى بوح آخر.

  • المصدر: شوف تي في
    تعليقات الزوّار (0)

    *

    التالي
    وفد برلماني يستعرض بدكار تجارب المملكة التنموية ويدعو لتعزيز التعاون الإفريقي