العروي:الدولة القومية لم تعد مقنعة والأمية الرقمية ربما أسوء من الأمية الحرفية
اعتبر المفكر والمؤرخ عبد الله العروي أن “الأمية الرقمية قد تكون أسوء من الأمية الحرفية”، وأن الدولة القومية لم تعد مقنعة، مما يفضي إلى البحث عن البديل “أهو اللادولة أو الدولة الأممية التي تخيلها فلاسفة القرن الـ 18 الأوروبي؟”.
وتابع العروي، في محاضرة برحاب كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، عشية اليوم الأربعاء بالرباط، خلال افتتاح “كرسي عبد الله العروي للترجمة والتأويل”، تساؤله إن كان “محو الأولى يعفي من محو الثانية، ومحو الثانية شرط لمحو الأولى”، قبل أن يجزم بأن الجواب ليس سهلا ولا هينا ولا يكفي فيه استشارة متخصصين بعينهم. وعن الواقع الافتراضي بالقول: “هل هذا الواقع الذي يغشانا اليوم ويذهلنا هو من نتائج العلم العقلاني التجريبي أو هو من عمل سحرة موسى المتوهم؟ هل هو فعلا غير معقول؟، وهل المجتمع غير الحداثي يستطيع ان يتصور واقعا افتراضيا؟”، مضيفا أن المجتمع غير الحداثي أنشأ في الماضي وألف تلقائيا قصص السحر والمغامرات، ورسم عوالم الغرائب والعجائب، “إلا أنه تحت ظل الحداثة، لم يبدع قصص الخيال العلمي”.
وأضاف صاحب التاريخانية “لا نتوفر إلى حد الساعة على حاسة تمكننا من التمييز التلقائي بين المعقول والموهوم، بل في حالات كثيرة أصبحنا نفضل الوهم ونتعلق به”، ليُطرح سؤال “ما جدوى الواقعية التي ما فتئ يدعى إليها في الفكر والسلوك والتعبير والإبداع؟”.
وعن أهداف “كرسي عبدالله العروي للترجمة والتأويل”، قال المتحدث إنه يُعد، بالأساس، مجالا للتباحث والتدارس ومناقشة مفاهيم وإشكالات ارتبطت باسمه في السنوات الأخيرة، وفضاء يوفر المراجع والوثائق والمستندات التي تساعد على تحديد وتوضيح وتقييم تحليلات ونظريات تقدم بها في ظروفها وحدودها، مبرزا أن هدف الكرسي ليس نشر إيديولوجيا بعينها بقدر ما هو تدارس مسائل راهنة ومتجددة.
وأردف أن اجتهاداته “ترتبط بالتاريخ وبالتطور والجمود، وبالتقدم والتخلف، وبالاستمرارية والقطيعة، وبالعقلانية واللاعقلانية، وبالاستقلال والتبعية، وباللغة واللهجة، وبالدولة والفوضى، وبالثقافة والفلكلور”.
وقال العروي”لا خلاف أن إشكالات اليوم ليست هي إشكالات وسط القرن الماضي وهذه نقطة يتعين أن تناقش بجد ومن عدة أوجه”، مسترسلا أن الإشكالات الجديدة التي تواجه العالم اليوم تولدت في إطار معروف الذي هو إطار الدولة المدنية والإنتاج الصناعي والعقلانية الواقعية، و”لا يتصور أن تفهم وتدرس وتعالج في إطار عتيق وإطار اللادولة والعمران البدوي والعلوم الغيبية بعبارة ابن خلدون”.
وتوقف المفكر العروي في محاضرته عند أهمية النقل والترجمة، باعتباره مارس الترجمة ويعرف مكامنها ومزالقها، مضيفا أن المترجم حريص على عدم إقحام ذاته في ما يترجم، ويظل وفيا، قدر المستطاع، لأسلوب المؤلف ويؤدي المعنى كما جاء في النص.
وتابع المتحدث “خطؤنا الكبير في الماضي والحاضر وما يدعوني إلى بعض التشاؤم، هو الظن أن النقل يتم مرة واحدة في حين أن الترجمة، لكي تكون مثمرة، عملية مستمرة، حيث لا تفكير جدي وعميق دون تأويل ترجمة”، مشيرا، في ذات السياق، إلى أنه لا يمر عقد في الغرب دون أن تصدر ترجمة جديدة لأرسطو أو لغيره من كبار المفكرين القدامى، بل تُشيد فلسفات جديدة على إثر إعادة ترجمة مفردة أو مجموعة من المفردات.
وتطرق المفكر العروي للكتاب الذي رآه “يمر بأزمة خانقة”. وقال “كنت دائما ولا أزال أدعو إلى إصلاح شامل في المجال التربوي، خاصة في مجال اللغة، لكن النقاش حاد عن طريقه السليم”، داعيا للعودة إلى الأصل، و”أن تكون الترجمة عملية متجددة للتفكير والتأمل”.
وقد افتتح “كرسي عبد الله العروي للترجمة والتأويل” برحاب كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، بمبادرة من هذه الأخيرة وبتعاون مع معهد العالم العربي بباريس. ويشكل أرضية علمية لتنظيم الملتقيات الأكاديمية التي تستقطب كافة المشتغلين والمهتمين بالحقول الفلسفية والقضايا الحضارية من أجل تعميق الانتماء الوطني للأجيال الثقافية الصاعدة.
كما يمثل الكرسي منارة علمية للتعبير عن الامتداد الفكري لمدرسة المفكر عبدالله العروي ولمشروعه، بحكم أن القيمة العلمية للمشاريع تتجلى في ضمان استمراريتها، سواء في مجال المطارحات الفلسفية أو في تحويل كبرى إشكالياتها إلى قضايا بحثية للدارسين والباحثين في مجال اللغات والعلوم الإنسانية والاجتماعية في مستوى الدراسات العليا والبحث العلمي عموما.
المصدر: شوف تي في
