مذكرات الزعماء تغني تاريخنا 
شوف ميديا

آخر الأخبار

انتهيت للتو من قراءة كتاب الراحل عبد الرحيم بوعبيد "شهادات وتأملات"، كتاب مفيد، ممتع، تحس أنك أمام فاعل سياسي كبير، ومؤرخ له حس نقدي ينقل الوقائع ويسرد الأحداث الكبرى، حوالي 520 صفحة تنقلت فيها من

مذكرات الزعماء تغني تاريخنا

بتاريــخ : 28 فبراير 2018 / 10:52
 
بقلم: إدريس شحتان
 
 
انتهيت للتو من قراءة كتاب الراحل عبد الرحيم بوعبيد "شهادات وتأملات"، كتاب مفيد، ممتع، تحس أنك أمام فاعل سياسي كبير، ومؤرخ له حس نقدي ينقل الوقائع ويسرد الأحداث الكبرى، حوالي 520 صفحة تنقلت فيها من عام 1944 حتى عام 1961، قد يختلف المرء في الكثير من التفاصيل مع الكاتب الذي يعرض الواقع من وجهة نظره ومن زاوية الانتماء السياسي الذي كان يمثله، لكن لا أحد يمكنه أن يتجاهل قيمة الكتاب التاريخية الإبداعية لأن عبد الرحيم بوعبيد فيما كان يكتب تاريخ المغرب خلال 17 سنة ( من تقديم وثيقة 11 يناير 1944 إلى وفاة محمد الخامس وتولي الحسن الثاني عرش المملكة في ظرفية حرجة..) كان يكتب تاريخه الشخصي أيضا، سيرته الذاتية بمعنى ما.
 
في كتاب بوعبيد اكتشفت البعد الإنساني للشخصيات الوطنية التي تعرضت لنوع من الأسطرة لدينا نحن الورثة الشرعيون لتراثها، فأحمد بلا فريج الذي كانت له حزازات شخصية مع علال الفاسي، لا يبدي أي ود للزعيم التاريخي للاستقلال، يروي بوعبيد أنه في لقاء سري للمهدي بن بركة وعمر بن عبد الجليل وعبد الرحيم بوعبيد وعلال الفاسي بمدريد، جاء أحمد بلا فريج الذي اختار إسبانيا مقاما له بسيارة فخمة، وفي اللحظة التي أراد فيها علال الفاسي أن يركب كما باقي أعضاء اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال رفض أحمد بلافريج غريمه في ركوب سيارته... مثل أطفال كانوا بهشاشتهم الصغرى وبخلافاتهم التافهة أحيانا، لكنها هي بالذات ما يحفظ إنسانيتهم، ويقول عبد الرحيم بوعبيد إنه رأى الدموع في عيني علال الفاسي واحتضنه بقوة منتصرا له ضد بلافريج.
 
في واقعة أخرى من مذكرات الراحل بوعبيد، يتحدث عن هذا العمق الإنساني الذي كان يجمع أبطالا وطنيين لم يتخلوا أبدا عن ضعفهم الإنساني، يقول: "الاستقبال الذي خصصه لنا محمد الخامس، ترك في نفوسنا أثرا عميقا، لم يكن في حديثه كلام كبير أو زائد، بل كان مقتضبا، مركزا. قبلنا يده، لكن ليس كما هو معروف في البروتوكول التقليدي، بل كما لو كنا نقبل يد أب يستحق منا الاحترام، أب الشعب كله. ضمنا إلى صدره الواحد بعد الآخر. لم يتمالك الحاج عمر بن عبد الجليل نفسه.. سالت دموعه، لم لا؟ وقد انتصبت أمامه عشر سنوات من الكفاح المشترك والآمال والمحن والعهد الذي كرس الوحدة بين الملك والحزب. تلك كلها ذكريات آنست ذهن الجميع في صمت. لكن، هل هي نهاية النفق؟ هل هي نهاية الليل؟
 
بدا محمد الخامس حزينا، شاردا، كما لو كان يتأمل الأفق، لكن ثمة شعور عميق كان يخامره، إلا أنه ما إن التفت إلينا حتى ارتسمت على وجهه ابتسامة هادئة، نبيلة انفتحت بها أساريره. ابتسامة توطنت قلوب ملايين المغاربة والمغاربيين.
 
كتب باسكال يوما: "الرجال العظماء ليسوا معلقين في الهواء، ولأنهم ليسوا معلقين في الهواء، فهم رجال عظماء".. علال الفاسي الذي كان يغضب مثل طفل، ويحس بإقصاء إخوته له، وأنه لم يُوَف حقه، يقلق ويغضب، ثم يتراجع بقلب كبير. عمر بن عبد الجليل الصامد بقلب أسد في معركة التحرير، هش مثل وردة تعلوها قطرة ندى، يجهش بالبكاء أمام الملك، عبد الكبير الفاسي الذي قدم الغالي والنفيس في مجال المقاومة كما يقول عنه بوعبيد توجه له تهم رخيصة مرتبطة بالذمة المالية فيختار المنفى، عبد الرحيم بوعبيد الذي سجنه الحسن الثاني في ميسور ولما استقبله خاطبه الملك الراحل"بلا أحقاد"، أجاب بنخوة الكبار"ولا حقد واحد منا" سوى أنه أحس بالشمتة فقط لأن العفو جاء قبل أن يتم مذكراته في الإقامة الإجبارية بميسور .
 
هذه عظمة نخبة المغرب، الذكاء، التسامح، التضحية... لقد أضاءت مذكرات بوعبيد الكثير من جوانب مرحلة مهمة من تاريخ المغرب والأمل أن يكون الآتي من المذكرات بنفس عمقها ومتعتها...

كل التعليقات الموجودة على الموقع لا تعبر عن رأينا أو وجهة نظرنا.ونحن غير مسؤولون قانونياً عن التعليقات غير اللائقة، فالمستخدم هو المسؤول الأول والأخير عن التعليقات التي يكتبها وهي تعكس وجهة نظره فقط. يرجى العلم أن التعليقات تراجع أوتوماتيكياً وتتم إزالة العبارات غير اللائقة.




للتواصل :

  • شارع ابراهيم الروداني زنقة ابن الصوفي العمارة 4 الشقة 1 المعاريف
  • [email protected]
  • (212) 522996334 / (212) 522996143 / (212) 661233372
  • 212) 522995280